هل ستقع المواجهة الأميركية الإيرانية؟

14.10.2017

نفخ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نار العلاقة مع إيران واضعاً العالم أمام خطر اندلاع حرب، وخلال أسبوع من الترقب لما سيقوله عشية موعد تصديق الكونغرس على تجديد العمل بأحكام الاتفاقية، حَبَس ترامب أنفاس العالم متهدّداً متوعّداً باستراتيجية جديدة تعبّر عن عدم رضاه على الاتفاق النووي الذي ما انفكّ يصفه بالأسوأ، وبعد طول انتظار تحدّث ترامب، فقال كلاماً فيه أقسى التعابير بحق إيران ووجّه لها الاتهامات كلّها، ورمى عليها مسؤولية الأزمات كلّها، ووضع الاتفاق في منزلة المكافأة لمن يجب أن ينزل به العقاب، وعندما كان عليه أن ينطق الجملة الوحيدة المفيدة، عمّاذا سيفعل بالاتفاق، سيلغيه أم سيجمّده أم سيطرحه للتفاوض والتعديل، تلعثم ولم يقل شيئاً، سوى أنه لن يرسل للكونغرس الرسالة التي تفيد بالتزام إيران بالاتفاق وتطلب من الكونغرس تجديد الالتزامات الأميركية بهذا الاتفاق، معلناً عملياً الاستقالة من المهمة التي تقع على عاتقه وتجييرها للكونغرس.

سبق لترامب أن فعل الشيء نفسه مع نظام الضمان الصحيّ الذي أقرّه الرئيس السابق باراك أوباما، ولا زالت أميركا بلا نظام صحيّ حتى الآن، بعدما تسبّب قرار ترامب ببقاء ملايين الأميركيين خارج أيّ نظام ضمان، ولا زال الكونغرس يناقش. وقد كان واضحاً لترامب أنّ الكونغرس عاجز عن اتخاذ قرار عجز الرئيس عن اتخاذه، فالعوامل التي منعت الرئيس من اتخاذ القرار، تمنع الكونغرس بشدّة أكبر، فأوروبا ملتزمة بالاتفاق وتحذّر من التلاعب به، والعقوبات التي ستتخذها أميركا إذا خرجت من الاتفاق ستكون على الشركات التي تتعامل مع إيران والبنوك التي تتعامل مع إيران. وهي في غالبها شركات وبنوك أوروبية، وقرار بحجم الانسحاب من الاتفاق يعني أنّ أميركا تتحمّل مسؤولية السلوك الإيراني النووي المخالف للاتفاق، الذي تكون أميركا مسؤولة عن إسقاطه، وليس بيد أحد لا في أميركا ولا في أوروبا بديل لوقف الأنشطة النووية الإيرانية، عن بلوغ درجة امتلاك قنبلة نووية، سوى التراضي مع إيران، وفي حال الخروج منه، فالبدائل التي تمثلها العقوبات لم تفعل طوال عقدين سوى زيادة القدرة النووية الإيرانية، التي بلغت في ظلّ العقوبات عتبة امتلاك القنبلة، وفقاً للتقارير الأميركية.

 الكونغرس يعلم ما يعلمه الرئيس، ويتجنّب مثله بسبب ما يعلمان، الذهاب للتصعيد، لأنّ الخيار الوحيد المتبقي بعد إفلاس نظام العقوبات، في حال سقوط الاتفاق، هو الذهاب للحرب. وهو ما يعلم الرئيس والكونغرس معاً، أنه إنْ كان متاحاً. فكان الأجدر الذهاب إليها بذريعة أقوى، تجمع الحلفاء حول أميركا وفي مقدّمتهم الأوروبيون، ولا تظهر أميركا فيها كقوة مارقة تتنصّل من تعهّداتها، ويكفي تمسك أميركا بالخط الأحمر الذي وضعته لمنع الجيش السوري وحلفائه، وفي مقدّمتهم إيران وحزب الله، من بلوغ الحدود السورية العراقية، وحشد القدرات لخوض الحرب هناك، تحت شعار منع التمدّد الإيراني ومنع تهديد أمن «إسرائيل»، وخوض الحرب على خط الحدود يحقق شيئاً عملياً استراتيجياً بفصل سورية عن العراق، وبالتالي إيران عن سورية وحزب الله وفلسطين، ويحقق الغايات المرجوّة لأميركا وحلفائها أكثر من ألف شعوذة عنوانها الاتفاق النووي، وإذا كانت أميركا قادرة على هذه الحرب والانتصار فيها، تستطيع أن تجلب حلفاءها والعالم لتعديل الاتفاق بشروط المنتصر.

 التدقيق بالعقوبات التي قال ترامب إنه طلب إنزالها بالحرس الثوري، صدرت عن وزارة الخزانة الأميركية، ما يعني أنّها تطبيق لتصنيفات سابقة، وليس فيها تصنيف جديد على لوائح الإرهاب، وقد سبق لوزارة الخارجية الأميركية التي تتولّى مهمة التصنيف على لوائح الإرهاب أن صنّفت فيلق القدس في الحرس الثوري وبعض مؤسساته على لوائح الإرهاب، والعقوبات الجديدة تطبيق للتصنيف القديم، لكن لم يصدر قرار بإدراج الحرس الثوري على لوائح الإرهاب، كما كانت التهديدات الأميركية تقول، ما يعني تجنّب المواجهة، التي وعدت بها إيران في حال حدث هذا التصنيف.

 لعب ترامب على حدّ السيف، وليس على حافة الهاوية، فهو قرّر السير بين النقاط، كي لا يصطدم بخطر المواجهة، وغطّى بالكلمات العدائية التهرّب من اتخاذ قرار حاسم.