هل أصبح شرق البحر المتوسط ساحة حروب العام 2020 على النفط وعائداته؟

31.12.2019

حروب القرن العشرين كانت تبدأ في أوروبا وتنتهي فيها. منها اندلعت الحرب العالمية الأولى، من البلقان تحديداً، ثم عمّت سائر دول القارة العجوز وفاضت منها الى بلدان غرب آسيا. الحرب العالمية الثانية اندلعت من أوروبا ايضاً، من بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ثم عمّت دول أوروبا وفاضت منها لتغمر اليابان والصين في أقاصي شرق آسيا. حتى حروب كوريا وفيتنام وأفغانستان يمكن اعتبارها ملاحق للحرب العالمية الثانية، ومثلها الحرب في يوغوسلافيا بعد انفصام وحدتها ومسارعة دول غرب أوروبا (ومن ورائها الولايات المتحدة) الى التدخل فيها لتقاسم المصالح والنفوذ.

حروب القرن الحادي والعشرين لن تبدأ، على ما يبدو، في أوروبا بل في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط. ثمة أربع ساحات حرب مرشحة في هذا المجال:

أولاها بين لبنان و”إسرائيل”. ذلك أنّ الكيان الصهيوني أقدم على إقامة منشآت للحفر ومنصّات لاستخراج النفط والغاز في المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة شماليّ فلسطين المحتلة على مقربة من المنطقة الاقتصادية الخالصة في جنوب لبنان ما يهدّد القطاع 9 (Block9) منها المحاذي لمنصتَيْ لفيثان وكاريش “الإسرائيليتين”. وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد أعلن مراراً انه لن يتردّد في تدمير منشآت “إسرائيل” النفطية في البحر إذا أقدمت على منع لبنان من استخراج النفط من مياهه الإقليمية أو حاولت سرقته من باطن القطاع 9.

ثانيتها بين سورية والولايات المتحدة. ذلك انّ حقول النفط شمال شرق البلاد على امتداد وادي نهر الفرات والبادية المحيطة به، لا سيما في شمال شرق دير الزور، كانت قد وقعت تحت سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي، وبعد تحريرها منه انتقلت السيطرة عليها الى أيدي تنظيمات كردية سورية تموّلها وتسلّحها الولايات المتحدة وتمنعها من إعادتها الى الحكومة السورية. أكثر من ذلك، قام الرئيس دونالد ترامب بنشر قوات أميركية وسط المنطقة النفطية المشار إليها وأعلن اعتزام بلاده استثمار الحقول النفطية فيها لمصلحة التنظيمات الكردية التي يدعمها. فوق ذلك، أعلنت تركيا أيضاً اعتزامها المشاركة في عملية استثمار الحقول النفطية السورية بغية استخدام عائداتها في توطين اللاجئين السوريين لديها في “المنطقة الآمنة” التي أقامتها في شمال سورية. وليس من شكّ في أنّ مبادرة الحكومة السورية، عاجلاً أو آجلاً، لإعادة سيطرتها على مناطق شمال شرق البلاد سيؤدّي الى اندلاع الحرب ليس مع الولايات المتحدة وزبانيتها من الكرد السوريين فحسب، بل مع تركيا أيضاً إذا حاولت منعها من بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني.

ثالثتها بين تركيا من جهة، ومن جهة أخرى مصر و”إسرائيل” وقبرص اليونانية التي وقّعت في ما بينها اتفاقاً على تقاسم خيرات المياه الإقليمية الاقتصادية التي تحتوي حقولاً من الغاز الطبيعي كما على مدّ أنبوب غاز تحت الماء يصل الى اليونان ويربط هذه الحقول ومنتوجها الغازي بأوروبا. مكمن النزاع هو في ادّعاء تركيا انّ لها الحق بالسيطرة على المياه الإقليمية الاقتصادية لقبرص التركية كما في المياه الاقتصادية الممتدّة بين شواطئها وشواطئ ليبيا. وعليه، تهدّد تركيا بمنع وصول الغاز من منصات ليفثان وكاريش وتمار “الإسرائيلية” وحقول الغاز القبرصية والمصرية الى أوروبا ما يزجّها في صراعٍ مع كلّ الدول التي تمتلك حقول الغاز هذه، كما مع اليونان التي يصل اليها أنبوب الغاز المزمع مدّه تحت الماء.

رابعتها بين مصر وتركيا. ذلك انّ تركيا، بادّعائها حقوقاً وسيطرة على المنطقة الممتدّة من شواطئها الجنوبية الى شواطئ ليبيا الشمالية، تكون في وارد تهديد حقل ظُهر المصري الغني بالنفط والغاز الواقع في منتصف المسافة البحرية بين تركيا وليبيا الأمر الذي يؤدّي الى اندلاع صراع بينها وبين مصر، خصوصاً بعدما هدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنشر قوات في طرابلس غرب ليبيا لدعم حكومة فايز السراج المتعاونة معه في وجه حكومة بنغازي في شرق ليبيا الموالية للجنرال خليفة حفتر الذي تدعمه مصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة.

إنّ احتمال انفجار حروب بين الدول الإقليمية الأربع أو الخمس المُشار إليها، كما بين “إسرائيل” وحزب الله الذي بات قوة إقليمية، لن تقتصر مفاعيلها وتداعياتها على أطرافها، فحسب بل ستشمل بالضرورة دولتين كُبريين تتداخل مصالحهما وسياساتهما بحقوق ومصالح مختلف اللاعبين الإقليميين. فالولايات المتحدة التي تتمركز عسكرياً في سورية والعراق وتؤكد جهاراً أنها تسيطر على حقول النفط فيهما، لن تتردّد في المشاركة مباشرةً أو مداورةً في الصراعات، وربما الحروب، بين الأطراف الإقليمية المتنازعة. دوافعها للتدخل متعدّدة أبرزها اثنان: دعم “إسرائيل” إذا اقتضت أغراضها الأمنية ذلك، وتمكين الشركات الأميركية من المشاركة في استثمار حقوق النفط لا للحصول على النفط نفسه لكون أميركا مكتفية ذاتياً منه، بل للحصول على حصة وازنة من عائداته الوفيرة.

روسيا تتمركز عسكرياً في سورية وتساندها في حربها على التنظيمات الإرهابية، لا سيما في محافظة إدلب القريبة جغرافياً من قاعدتها الجوية في مطار حميميم قرب اللاذقية، وقاعدتها البحرية في طرطوس. الى ذلك تساند موسكو دمشق في بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني لا سيما على مناطق حقول النفط شرقيّ الفرات بغية تمكينها من استثمارها والحصول تالياً على عائدات وفيرة وأساسية لمباشرة عملية إعادة الإعمار.

الى ذلك كله، فإنّ إيران لن تتوانى عن مدّ يد العون لكلّ من سورية والعراق إذا ما وجدت انّ تدخل الولايات المتحدة عسكرياً فيهما، أياً كانت دوافعها، بات يشكّل تهديداً لأمنها القومي. فهي مهتمّة بإضعاف الولايات المتحدة إقليمياً للحدّ من نفوذها وصولاً الى تمكين حليفتها سورية وشقيقها العراق من استثمار طاقتها النفطية والغازية وصولاً الى المشاركة في تمويل تنفيذ مشروع مدّ أنبوب نقل الغاز من إيران، كما من سورية والعراق لاحقاً، إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط وبالتالي الى أوروبا.

باختصار، الصراع الإقليمي، وحتى الدولي، على الغاز، خصوصاً بعد تعاظم الحاجة إليه كبديل من النفط، لكونه صديقاً للبيئة، مرشحٌ لتوليد صدامات واشتباكات لا يُستبعد تطورها الى صراعات مسلحة بل الى حروب طاحنة.

بدلاً من أوروبا، مهد حروب القرن العشرين، هل يصبح شرق البحر المتوسط مهداً لحروب القرن الحادي والعشرين؟