غاز «المتوسط» في صراعات الأمم وصفقة القرن!

19.01.2020

يعوم «منتدى شرق المتوسط» على بحر من الغاز قد يزيد عن 300 مليار مكعب منه، وهذا يبرّر هذا الصراع الدولي المندلع في معظم نواحيه البرية والبحرية.

لكن المدقّق في هوية أعضاء هذا المنتدى والدول الجديدة التي تقدمت للانضمام اليه، يستشعر بوجود خطة اقتصادية ضخمة لها أهدافها في الصراعات الدولية والإقليمية فيصبح الغاز في خدمة الجيوبوليتيك انطلاقاً من محور لبيع الغاز تستفيد منه الدول المنتجة انما في إطار خدمتها مشاريع دولية كبيرة تندرج في اطار الصراعات القطبية العالمية.

مَن هي دول هذا المنتدى؟ إنها مصر والأردن وفلسطين و»اسرائيل» وقبرص واليونان وإيطاليا، أما البلدان التي تريد الانتساب فهي حتى الآن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، مع التركيز على وجود إجماع دولي يؤكد أن الغاز من جهة والطاقة الشمسية من جهة ثانية هما المصادر الأساسية للطاقة العالمية، خصوصاً في البلدان الصناعية انطلاقاً من العقد المقبل. فالعجلة اذاً في تأسيس هذا المنتدى على علاقة بتراجع النفط مقابل بريق الغاز ووجوده في البحر الابيض المتوسط بكميات وافرة.

لكن اقتصار التبرير عند هذا الحد يحصره في الدائرة الضيقة للعلاقات بين دول الإنتاج. فقبرص واليونان بلدان واعدان بإنتاج ضخم من الغاز، لكن طريق التصدير بالنسبة إليهما هي مباشرة نحو أوروبا من دون حواجز، فلماذا تذهبان شرقاً نحو شرقي البحر المتوسط لتعاود تجميع الغاز من البلدان العربية والكيان الإسرائيلي فتحمله أنابيب تحت البحر تمر مجدداً وعلى مقربة من قبرص واليونان نحو أوروبا.

أليس هذا عجيباً؟

هناك إذاً من يريد تجميع كميات الغاز المتوسطي في حلف واحد يستطيع بموجبه استخدامه لاحقاً في التنافس الاقتصادي وبالتالي السياسي ولاحقاً للصراع على القطبية العالمية.

لماذا؟ إن المحاور الأساسية للغاز في العالم هما روسيا وإيران وتليهما قطر، هذا الى جانب فنزويلا ما يعني ان روسيا التي تربط أوروبا وتركيا بها بتصدير الغاز إليهما، مستهدفة بقوة، وكذلك إيران.

والبديل الأميركي هو غاز بلدان منتدى شرق المتوسط الذي تنضم إليه قريباً دولة قطر. وهذا يَستولدُ تصارع محورين لبيع الغاز روسي – إيراني – فنزويلي مقابل منتدى شرق المتوسط والغاز الصخري الأميركي فتنكسر نسبياً أهمية روسيا في إنتاج الغاز او تتراجع قليلاً في السيطرة على استهلاك أوروبا من الغاز. وهذا ما يدفع الأميركيين الى دعم كبير لمنتدى شرق المتوسط.

لأن العلاقة العميقة والطويلة بين روسيا وأوروبا قد تؤدي إلى إلغاء الحلف الأطلسي نهائياً، فالاقتصاد ينتج سياسات تقارب كما تدل التجارب التاريخية.

لذلك يريد الأميركيون الاستمرار في الإمساك بالجانب الأوروبي القريب من البحر المتوسط او المطل على سواحله لأنهم يتوجسّون سوءاً من انابيب الغاز الروسية المتجهة الى اوكرانيا والمانيا وتركيا، باعتبار أن خط الغاز الروسي نحو الصين لا قدرة لأحد على زعزعته لاستناده الى الجوار الجغرافي والسياسي في آن معاً بين البلدين.

لجهة الأهداف الشرق اوسطية فيلعب المنتدى المتوسطي دوراً في التنسيق الاقتصادي ظاهراً، اما في العمق فإن مراميه تريد الإمساك بكامل بلدان الشرق الأوسط من خلال ضرب الدور الإيراني والاستمرار في خنق الجمهورية الإسلامية بالحصار الاقتصادي القاتل القابل للازدياد بوتيرة تصاعدية وهذا يتطلب تعميقاً إضافياً لاختلاق صراعات عربية فارسية وسنية شيعية.

هناك اذاً إصرار أميركي على تشكيل محور شرق أوسطي على قاعدة توسيع حلفها التقليدي فيه، وذلك للدخول المريح الى عصر الغاز لكن دون هذا المرام استمرار الصراع العربي الإسرائيلي الذي لم تتمكن دول الخليج على أهمياتها الاقتصادية والدينية من إلغائه. فجاء هذا المنتدى ليؤدي ما عجزت عنه الدول العربية الكبيرة من مصر وبلدان الخليج على مستوى تفكيك قضية فلسطين. كان الأميركيون يحتاجون لتمرير صفقة القرن التي لا يزالون يعملون عليها بالإضافة الى مصر والخليج، فلسطين او سورية او الاثنين معاً.

لكنهم فشلوا في السيطرة على سورية وتغيير دولتها بحرب مفتوحة عليها منذ 2001.

فاختاروا التوجّه نحو فلسطين، لكنهم لم يعثروا على ضالتهم في ضوء الإحراج الذي ألزم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على الصمت والاستنكار الخجول ضد صفقة القرن.

لذلك يبدو أن هذه الصفقة تعود اليوم على متن منتدى شرق المتوسط بروائح غاز تزكم الأنوف، فكيف يمكن لفلسطين أن تقبل بعضوية منتدى الى جانب العدو الإسرائيلي لبيع الغاز الموجود تحت سيطرة هذا العدو عند سواحل غزة المحاصرة والمجاهدة بالإضافة الى سواحل فلسطين المحتلة؟ فعندما نقبل بعضوية «اسرائيل» في منتدى لبيع الغاز، كيف يجوز لنا بعد ذلك المطالبة بتحرير فلسطين؟

اما لجهة مصر والأردن فيعملان على تعويم تراجعهما الاقتصادي وإعادة تفعيل اتفاقية كامب ديفيد مع «اسرائيل» التي استسلم بموجبها السادات للعدو في 1979.

هل تعبر صفقة القرن من خلال هذا المنتدى؟

تبقى سورية وحزب الله وغزة علامات مضيئة لا تنطفئ وتحرق صفقة القرن المتجدّدة بلبوس فلسطيني أردني مصري والحائلة دون تجديد كامب ديفيد مهما تطلب الأمر من إرجاء للاستثمار في الغاز حتى تحرير فلسطين.