فضح الأهداف الغربية في ليبيا

19.10.2016

خليفة الغويل وحكومته، ومن خلفها المؤتمر الوطني، لم يسقطوا من المريخ ليحتلوا مقر مجلس الدولة وحكومة الوفاق الوطني اللذين يحظيان بشرعية دولية، فالميليشيات التي دفعت الغويل إلى مقدم الصورة في طرابلس كانت ولا تزال تحتل العاصمة الليبية وتمنع حكومة الوفاق من الاستقرار فيها، لذلك شهدنا فائز السراج يتنقل ما بين طرابلس وتونس، وأخيراً مالطا، ولا يجد مستقراً لشرعيته.
ولم يستطع السراج الحصول على شرعية ليبية من البرلمان المستقر في طبرق، فاكتملت غربة حكومة الوفاق عن أولئك المفروض أن يتوافقوا، إنهم يختلفون على كل شيء، ويجتمعون فقط على رفض ما يفرضه المجتمع الدولي عبر مؤتمر الصخيرات وغيره. هذا يحدث بعد ثورة على القذافي لم تكتمل، وتدخّل أجنبي اكتفى بعبور ثم انسحب بسرعة متنصلاً من واجبات القوى الكبرى عندما تتدخّل في بلد كليبيا يفتقد مؤسسات سياسية ذات تقاليد.
يهتم العالم بليبيا اليوم لأســباب ثلاثة: ضبط عمليات تصدير النفط، ومنع الهجرة غير الشرعية من شواطئ ليبيا، والحد من تنامي التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمها «داعش». لكن، ما من أحد يهتم حقاً بمساعدة الليبيين على التصالح بناء على المشتركات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والوطنية أيضاً، التي تجمعهم. والواقع أن نزعات التقسيم التي أطلقها البعض من داخل ليبيا وخارجها تراجعت، لأن الليبيين لمسوا بالتجربة المرة ضرورة الدولة الليبية الواحدة، فمن دونها ستكون مناطقهم عرضة لهيمنة الجيران في الجغرافيا والدول النافذة في المنطقة والعالم. فلن تترك الدويلات الليبية في شأنها خوفاً من أن تشكّل خطراً على شمال أفريقيا وأوروبا والداخل الأفريقي.
وشـــكلت سيطرة الجيش الليبي، الذي يقوده اللواء خليفة حفتر، على الهلال النفطي صدمة لإســتاتيكو النفوذ الميليشـــيوي للإســـلام السياسي الإخواني وغيره في ليبيا، فتمت دعوة حفتر إلى الشــراكة في حكومة الوفـــاق، وبدأت ميليشـــيات الإسلام السياسي تخاطبه بالكلام الناعم، لكن أحداً لم يصل إلى دعوة إلى مصالحات ليبية - ليبية واسعة بحضور القوى الكــبرى والإقليمـــية ذات الــنفوذ. وها أن الصورة لا تزال مشروخة بين شرق وغرب.
ولكن، ماذا عن الجنوب الليبي حيث معظم منابع النفط وحيث مدخل الهجرة الأفريقية غير الشرعية نحو الشواطئ الليبية في اتجاه أوروبا؟ اللقاء التالي مع المنسق العام لمجلس مشايخ وأعيان قبائل التبو الليبية الشيخ علي محمد بركة والي، يقدّم صورة أولية عن قضايا جنوب ليبيا في علاقته مع الشمال الشرقي والشمال الغربي ومع الداخل الأفريقي:

منسّق مجلس قبائل التبو الشيخ علي محمد بركة والي:
مع البرلمان والجيش وحفظ النفط لجميع الليبيين

التدخُّل الخارجي في ليبيا يستند في أحيان كثيرة، إلى معلومات خاطئة حول القوى المنتشرة على الأرض، ومن ذلك عدم تقدير كافٍ لقوى الجنوب الليبي، وفي مقدّمها قبائل التبو وجيرانهم الطوارق.
يقول الشيخ علي محمد بركة والي التباوي، المنسق العام للمجلس الأعلى لمشايخ وأعيان قبائل التبو الليبية: جدي كان سلطان التبو في شمال أفريقيا، ونحن أبناء صحراء ورعاة، من سبها الى الغرب ومنها الى الشرق وجنوباً نحو تشاد والنيجر. ثلاث جنسيات يحملها ثلاثة أبناء عمومة في ليبيا وتشاد والنيجر، لكننا في ليبيا نغلّب وطنيتنا على الانتماء القبلي على رغم اعتزازنا به. كل الثروات الليبية، ولنقل معظمها، في أراضي التبو، ونحن أمناء عليها لأنها شراكة بيننا وبين كل الليبيين في كل مناطقهم.
شاركنا في الثورة على القذافي ووقفنا منذ البداية مع الشعب الليبي، إلى أن جاء الأجانب و «الإخوان» فأرجعونا مئة سنة إلى الوراء. والآن، حقوقنا وحقوق كل الشعب الليبي مسلوبة بأيدي لاعبين سياسيين بوطننا. كلامي هذا باسم 350 ألف مواطن ليبي من التبو (ومليون ونصف المليون في تشاد، وعلى رغم أنني أستقبل رسمياً هناك، فإنني أعتبر القانون الليبي فوق الجميع ونحن مواطنون ليبيون).
نحن بشهادة المؤرخين أحفاد سكان ليبيا الأصليين، لكن معظمنا يعيش في أحواش وخيم. مع ذلك، بذلنا ونبذل الدم من أجل الوطن. لقد شاركنا في تحرير بنغازي قادمين من أقصى الجنوب، وفقدنا 450 شهيداً في مقابل 5700 شهيد من أهل برقة. «ثورة الكرامة» ليست فقط للواء خليفة حفتر، إنها ثورة الشعب الليبي كله الذي يريد لجيشه السيطرة ليحمي الوطن ويحفظ أمن المواطنين.
نريد حقوقنا ضمن القانون. قلت لرئيس البرلمان عقيلة صالح: نحن شاركنا في كل المعارك من أجل ليبيا، ضد الإيطاليين مات جدي، وجدي الآخر مات ضد الفرنسيين، وعلى مدار تاريخ ليبيا نبتغي حياة كريمة وكرامتنا كمواطنين. لقد عرض علينا الفرنسيون، ومعهم الأميركيون، استقلالاً في الجنوب فرفضنا لأننا جزء من شعب ليبيا الذي يضم في ما يضم التبو والطوارق والأمازيغ. وسبق أن رفضت كما أرفض الكلام على أقليات ومكونات، لأن ذلك يمهد لتحطيم مجتمعنا، والأفضل لنا ولغيرنا الانتماء على أساس المواطنة المتساوية.

الثروات النفطيّة
كان التبو حاضرين في «مفاجأة» سيطرة الجيش الليبي على الهلال النفطي، فابراهيم الجدران الذي كان أبرز ممثلي الميليشيات الإسلامية في السيطرة على موانئ تصدير النفط، انكشف دوره فانسحب المسلّحون التباويون من حوله، وحتى شيخ قبيلة الجدران سحب تأييده له وأيّد تسلم الجيش الموانئ.
والجيش الليبي يضمّ جنوداً وضباطاً من التبو ساهموا مع زملائهم في «تحرير» الهلال النفطي واستبعاده من الصراع على الثروات، الذي تعزّزه ميليشيات مسيطرة على طرابلس ومتحكّمة بمعظم القادة السياسيين هناك. وتحمي قبائل التبو منابع النفط في مناطقها، والتي كانت تضخ نحو 1.5 مليون برميل يومياً في الأحوال العادية. إنهم يحمونها، كما يقول الشيخ علي، ويريدونها ملكاً للشعب الليبي لا لميليشيات حاولت غير مرة غزوها فتصدّى لها التبو.

الهجرة غير الشرعيّة
على رغم وجود قاعدة عسكرية فرنسية شمال النيجر تبعد من الحدود الليبية أقل من مئة كيلومتر، فإن تسلُّل المهاجرين غير الشرعيين نحو ليبيا لا يحظى، كما يبدو، باهتمام الجيش الفرنسي هناك. والمهاجرون هؤلاء، يقول شيخ التبو، يعبُرون من مالي والنيجر إلى ليبيا وصولاً إلى شمالها، وتتعهّد انتقالهم عصابات تهريب البشر المعروفة والمجهولة.
يقول إن قبائل التبو تبذل جهدها في الحد من هذه الظاهرة، لكن التحكُّم بالمساحات الصحراوية الواسعة يفوق قدرتها، ويقترح أن يوفّر المجتمع الدولي للتبو مساعدات عسكرية، خصوصاً الآليات، ليستطيعوا الحد من هذه الهجرة، ويرى ضرورة التنسيق في ذلك مع الحكم في ليبيا، في جميع مؤسساته.
ويسأل: كيف يكتفي المجتمع الدولي بالتدخُّل في الساحل، ولا ينتبه إلى مصدر الهجرة غير الشرعية الأفريقية عبر حدود الجنوب الليبي، ويعبّر عن شكوكه في امتناع الجيش الفرنسي عن الحد من الهجرة، على الأقل في المساحات القريبة من قاعدته العسكرية، ويتساءل: هل الغرض هو تشجيع الهجرة الأفريقية إلى ليبيا وإبقاء المهاجرين غير الشرعيين فيها، بمنع إبحارهم إلى أوروبا؟
النفوذ الفرنسي في مناطق من جنوب ليبيا، يدفع الى السؤال عن موقف باريس الآن. يقول شيخ التبو: لا يزالون يغروننا بالتقسيم والاستقلال في الجنوب، وهذا تحريض على الفتنة في ليبيا. لا نتصل بالفرنسيين، ورفضنا دعوات من جهات دولية للبحث في مستقبل ليبيا، لأن هذا شأن الدولة الليبية التي لا نريد تجاوز شرعيتها الممثلة بالنسبة إلينا في البرلمان الشرعي في طبرق. لكن، للأسف، هناك قبائل وشخصيات ووجهاء مدن يتجاوزون الشرعية ويتحاورون مع الأجانب. والمؤسف أيضاً، تردّي الوضع الليبي سياسياً واقتصادياً نتيجة عدم وضوح معالم كيان الدولة. المطلوب حسم مسألة الحكومات المتناحرة، علماً أن غالبية المواطنين، خصوصاً في طرابلس، يؤيدون شرعية البرلمان والمؤسسات التابعة له، وتحديداً الجيش الوطني. هذا الجيش حاضر في معظم مناطق ليبيا وليس فقط في الشرق، فيما يهيمن على طرابلس «إخوان» ومقاتلون وغرباء وهاربون من السجون.

المصالحة والمواطنة
أشرنا الى حرب التبو والطوارق في أوباري، جنوب ليبيا، التي استغرقت سنتين، فعزاها الشيخ علي إلى من سماهم مرتزقة من شمال مالي والنيجر أتى بهم «الإخوان» لاحتلال منابع النفط، فهزمناهم ودفعناهم الى الانسحاب، ولا علاقة لهؤلاء بالطوارق الليبيين. نحن إخوة مع طوارق أوباري والحرب مفتعلة. الثروات النفطية نحميها وهي ملك للشعب الليبي كله وليس لفئة محددة تريد الاستيلاء عليها والتحكم بها.
وردّ المنسق العام لقبائل التبو الليبية على اتهامات وُجّهت إليه بالتخلي عن حقوقهم الدستورية، فأوضح أنه سحب مندوبي التبو من اللجنة الدستورية لأنها أرادت تصنيفهم كأقلية. وشدّد: نحن مواطنون ليبيون وأصل ليبيا التي تضم عرباً وأمازيغ وطوارق وتبو. عندنا تراث ثقافي نريد تثبيته، لكننا نرفض وصفنا كأقليات لأنه يستدرج غزواً أجنبياً بادعاء حمايتنا.
هدف المجلس الأعلى لقبائل التبو لمّ شمل الشعب الليبي وأن يعود كل مواطن إلى أرضه، أعني بذلك النازحين في الداخل والخارج. المطلوب مصالحة وطنية شاملة، فنحن ستة ملايين ليبي، ومن بيننا حوالى مليوني متشرّد في الداخل وخارج الوطن. كيف نبني ليبيا من دون هؤلاء، خصوصاً أن الحروب المتلاحقة تحصد أرواح الليبيين وليس من يحاسب على الجرائم.
ويؤكد الشيخ علي أخيراً، دعم قبائل التبو شرعية البرلمان والجيش الوطني، وحتى الحكومة المنبثقة منه برئاسة عبدالله الثني، أو أي حكومة يرتضيها البرلمان والجيش. كما يؤكد أيضاً الدعوة الى تثبيت لغة التبو والطوارق والأمازيغ. وعن الانتماء القبلي العابر الحدود: التبو قبائل واحدة قسّمها الاستعمار، مع ذلك نؤكد الانتماء الى ليبيا ولا نسمح للتبو غير الليبيين بالتدخُّل في شؤونها. الوطنية عندنا تعلو على الانتماء القبلي الذي نحترمه في إطاره.
محمد علي فرحات
نشرت للمرة الأولى في الحياة