دراسة مقارنة بين هرتزل وأحد مفكرى الصهاينة غير اليهود

دراسة مقارنة بين هرتزل وأحد مفكرى الصهاينة غير اليهود
19.10.2019

تيودور هرتزل

وُلد تيودور هرتزل عام 1860 لأب تاجر ثري.

والتحق هرتزل  الصغير بمدرسة يهودية وعمره ست سنوات لمدة أربعة أعوام انقطعت بعــدها علاقته بالتعليم اليهودي. ولذا لم يُقدَّر له أن يَدرُس العبرية، بل لم يكن يعرف الأبجدية نفسها.

والتحق بعد ذلك بمدرسة ثانوية فنية، ومنها التحق بالكلية الإنجيلية 1876 وعمره 15 سنة (أي أنه التحق بمدرسة مسيحية بروتستانتية، ولعله تَلقَّى تعليماً دينياً مسيحياً هناك)، وأنهى دراسته عام 1878.

وحصل على دكتوراه في القانون الروماني عام 1884 وعمل بالمحاماة لمدة عام، ولكنه فضل أن يكرس حياته للأدب والتأليف. ومع هذا، ظلت عقليته أساساً عقلية قانونية تعاقدية، فنشر ابتداءً من عام 1885 مجموعة من المقالات، وكتب بعض المسرحيات التي لم تلاق نجاحاً كبيراً

وفي عام 1891، التحق هرتزل بصحيفة نويا فرايا براسا أوسع الصحف النمساوية انتشاراً، وأُرسل إلى باريس للعمل مراسلاً للصحيفة هناك (حتى عام 1895) حينما عُيِّن رئيساً لتحرير القسم الأدبي في الصحيفة وبقى في عمله حتى وفاته.

أفـكار هـرتزل

هرتزل ليـس صاحب فكـر وإنما صاحب أفكار وانطباعات متناثرة  في نصوص كثيرة لا يتسم معظمها بالذكاء أو التسلسل المنطقي أو الوضوح أو التماسك، فهو ينتقل من نقطة إلى أخرى ثم يعود إليها، ولا يتعمق في أيٍّ من النقاط التي يطرحها. ولذا فيمكنه أن يطرح حلاًّ للمسألة اليهودية بكل جراءة دون إدراك لتضميناته الفلسفية والعملية. وسنحاول في هذا المدخل أن نجمع شتات أفكاره فيما يشبه النسق المتكامل.

1 ـ  الشعب العضوي المنبوذ.

يذهب هرتزل إلى أن معاداة اليهود أساسية في الحضارة الغربية لا مجال للتخلص منها، فهي إحدى الحتميات العلمانية التي تعلَّمها هرتزل من داروين وغيره، ولذا فهو يقابل الظاهرة بكثير من الهدوء والتجرد ويفسرها على عدة أسس:
(أ)  أساس تاريخي اجتماعي.

تَطوَّر اليهود داخل الغيتو وأصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى المسيحية التي لن تتردد في أن تلقي بهم للاشتراكية، فاليهود قوة مالية مستقلة ونفوذ اقتصادي رهيب. ولذا، فإن الشعوب المسيحية تدفع عن نفسها هذه السيطرة "فليس بمقدورهم أن يخضعوا لنا في الجيش والحكومة وفي جميع مجالات التجارة". وتتضح حداثة هرتزل في هدوئه وهو يستنتج مشروعية معاداة اليهود، فهي "شكل من أشكال الدفاع عن النفس" والمعادون لليهود بطردهم إياهم كانوا ببساطة يدافعون عن أنفسهم.

السبب الكامن وراء معاداة اليهود، إذن، سبب موضوعي اجتماعي بنيوي هو المنافسة التجارية. ولكن هرتزل يضيف سبباً آخر هو "التعصب الموروث"، وهو سبب ذو بُعد تاريخي. ولعل هرتزل كان يعني بذلك أن المنافسة التجارية في المجتمعات الغربية البورجوازية كان يجب ألا تؤدي بالضرورة إلى معاداة اليهود. ولكن بسبب التعصب المـوروث، أو بسـبب أنماط الإدراك التقليدية الموروثة عن العصور الوسطى، أدَّى نجاح اليهودي في المجتمع البورجوازي إلى رفضه.

(ب)  أساس عرْقي.

كان هرتزل يرى أحياناً أن اليهود عرْق مستقل، ولذا فقد تحدَّث عن أنوفهم المعقوفة المشوهة وعيونهم الماكرة المراوغة. وكثيراً ما تحدَّث عنهم من خلال الأنماط العرْقية التقليدية الشائعة في أدبيات اليهود.

وقد قرأ هرتزل كلاسيكية دوهرنج عن معاداة اليهود عام 1882 فتركت فيه أثراً عميقاً. ويبدو أنه اعتقد صحة ما جاء فيها أو تقبَّلها بشيء من التحفظ.

(جـ)  أساس أثنيي ثقافي.

كان هرتزل ينظر لليهودي (في عمله المسرحي الجيتو الجديد) من خلال الأنماط الإثنية لأدبيات معاداة اليهود، فاليهودي متسلق اجتماعياً وتاجر في البورصة وشخص يعقد زيجات من أجل المنفعة والمصلحة المالية. واليهود شخصيات كريهة خارجية طفيلية تشكل خطراً على القوميات العضوية في أوربا. وقد كان هرتزل يرى أن اليهود، بماديتهم الموغلة وألمانيتهم الفاسدة (اليديشية)، يقومون بإفساد الروابط العضوية التي تربط أعضاء الفولك الألماني بعضهم ببعض، وتزخر يومياته بالمقارنات التي يعقدها بين الشخصية الألمانية المنفتحة الصحيحة والشخصية اليهودية العليلة.

2 ـ  نفع اليهود والحل الإمبريالي.

إذا كان اليهود شعباً عضوياً منبوذاً، فإن أوربا منذ عصر النهضة اكتشـفت نفع اليهود وإمكانية حوسبتهم لصـالح الحضارة الغربية، وهذا ما يفعله هرتزل في دولة اليهود. فهو أيضاً يكتشف إمكانية نفع اليهود وتوظيفهم لصالح أي راع إمبريالي يقوم بوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

ويبدو أن هرتزل كان يرفض في بادئ الأمر «الخروج» على الطريقة الصهيونية الاستيطانية، شأنه في هذا شأن يهود الغرب المندمجين ويجب ألا ننسى أن عملية التحديث في الغرب متلازمة تماماً مع العملية الاستعمارية، ولا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى. فتراكم رؤوس الأموال الذي يُسمَّى «التراكم الرأسمالي» الذي جعل تشييد البنية التحتية الهائلة في الغرب ممكناً، هو في واقع الأمر «تراكم إمبريالي»، فهو نتاج العملية الاستعمارية التي بدأت بالاحتكار الارتكالي وانتهت بالتقسيم الإمبريالي للعالم. كما أن كثيراً من مشاكل التحديث الغربية من بطالة وانفجار سكاني وسلع زائدة، تم حلها عن طريق الاستعمار، أي عن طريق تصديرها للشرق، واكتشاف هرتزل الطريقة الغربية الإمبريالية الحديثة لحل المشاكل، أي تصديرها وفَرْضها بالقـوة على الآخر، يشـكل الانتقال النوعي في فكره وحياته.

جــذور العنـف الصهـيوني في أفكـار هـرتزل

طوَّر هرتزل الخطاب المراوغ ودعا كل الأطراف (العالم الغربي ويهود العالم بشقيه الغربي والشرقي) لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.

هرتزل، بمراوغته، لا يتحدث قط عن العنف في الوثائق العامة، إلا من إشارة عابرة للمكانيين في دولة اليهود، وهي إشارة يمكن أن تُفهَم على أن المقصود بعث عسكري وليس بالضرورة عنفاً ضد العرب. والتفسير نفسه يمكن أن ينطبق على خطابه للبارون دي هيرش حين ذكر خطته التي تهدف لأن يخلق شيئاً نافعاً "جنود وكوادر الجيش الذي سيبحث عن الأرض ويكتشفها ثم يستولي عليها.

وفي عام 1902، كتب هرتزل لتشامبرلين عن مصير السكان الأصليين في قبرص إن وقعت في الدائرة الصهيونية الحلولية المقدَّسة الفاتكة: "سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهـم بكل سـرور نظـــير سعر جيد ثم يهاجرون إلى أثينا أو كريت"، أي أن الاستيلاء على الأرض وإخلاءها من سكانها هو الافتراض الكامن في كتاباته.

فالعنف رابض بين السطور، يتحين الفرصة لكي يتحقق، وينتظر اللحظة المواتية كي ينهمر الرصاص ويسقط النابالم. ومما يجدر ذكره أن هرتزل لا يستبعد استخدام العنف ضد اليهود أنفسهم (إن رفضـوا الخضوع للرؤية الصهـيونية).

موقـف هـرتزل مــن التيـارات الصهيـونية قبله

لعل أهمية هرتزل في تاريخ الصهيونية هي أنه حوَّل الصهيونية من مجرد فكرة إلى حركة ومنظمة، وبلور العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية باعتبارها ممثلة ليهود أوربا وبين الحضارة الغربية، ومن ثم فقد خَلَق الإطار اللازم لعملية التوقيع التي تمت في وعد بلفور.

كما  أنه طالب أثرياء اليهود بالتوسط لدى قيصر ألمانيا وأن تقوم القيادة اليهودية بتمويل عملية الخروج وأن تُقنع القيصر بأهميتها، وذلك حتى تتم عملية الخروج على نطاق واسع وبشكل منظم ومنهجي ورشيد.

ولكن روتشيلد رفض اقتراحه لأسباب بيَّنها روتشيلد نفسه في تاريخ لاحق:
1 ـ أن هرتزل سيثير عداوة البدو (أي العرب).
2 ـ أنه سيثير شكوك الأتراك (أي الدولة المهيمنة على الشرق)، وخصوصاً أن تركيا معادية لروسيا. وروسيا لن تسمح بسقوط فلسطين في يد اليهود (وهنا يدرك روتشيلد أهمية القوى العظمى).
3 ـ  سيثير هرتزل غيرة المستعمرات المسيحية والحجاج (المسيحيين) ـ وربما تكون الإشارة هنا إلى مستعمرات فرسان الهيكل وغيرها من المستعمرات.
4 ـ  قد يؤدي هذا إلى هَدْم المستوطنات اليهودية هناك (أي جهود الإنقاذ التي يقوم بها يهود الغرب والتي تضمن لهم الهيمنة).
5 ـ  سيثير هرتزل أعداء اليهود لأن أطروحته الصهيونية ستبين أن اليهود المندمجين منافقون في ادعائهم حب أوطانهم، ولذا سيطالب المعادون لليهود بعودة اليهود لوطنهم القومي.
6 ـ  كما أشار روتشيلد إلى قضية التمويل، فمن سيمول 150 ألف شحاذ من الذين سيصلون إلى فلسطين؟

لــورد شافتسـبري (1801-1885)(صهيوني غير يهودي)

أولا :نشأته
هو أنتوني أشلي كوبر، لورد شافتسبري السابع. واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، ومن أهم المصلحين الاجتماعيين. يقول عنه المؤرخ الإنجليزي تريفليان إنه كان يُعَدُّ أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين. ولذا، فإننا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في فكره كما كانوا محط اهتمامه الشديد. وكان دائما
ثانيا أفكاره  :-
1 - أنه ثمة علاقة عضوية بين هذا الشعب  (الإسرائيلي) وبين بقعة جغرافية محددة هي فلسطين. ولهذا، فإن بَعْثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك. كما أن عودتهم إلى هذه البقعة أمر ضروري حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى العودة الثانية للمسيح وخلاص البشر. وبرغم الديباجات الدينية فإن شافتسبري،
2 - شأنه شأن مسيحيي عصره العلمانيين، كان يؤمن بأن الوسيلة الإنسانية يمكن أن تحقق الأهداف الربانية (وهذا عكس الموقف المسيحي واليهودي التقليدي). وقد عبَّر شافتسبري عن هذه الازدواجية في الخطاب في عبارته: "إن أي شعب لابد أن يكون له وطن، الأرض القديمة للشعب القديم"، وهي صيغة علمانية خافتة لشعار "الأرض الموعودة للشعب المختار". ثم طوَّر هذا الشعار ليصبح "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"، فهو إذن صاحب الشعار الصهيوني الشهير.
3- وفي عام 1876، كتب شافتسبري مقالاً آخر طرح فيه مرة أخرى أفكاره الصهيونية بدقة ووضوح بالغين، فقد أكد أن سوريا وفلسطين ستصبحان شديدتي الأهمية من الناحيتين الجغرافية والتجـارية بعـد فترة وجيزة. وبعد الحديث عن الأمجاد الغابرة القـديمة،
4- استطرد فى أفكاره قائلا : "إن فلسطين في حاجة إلى السكان ورأس المال، وبإمكان اليهود أن يعطوها الشيئين معاً، وإنجلترا لها مصلحة في استرجاعهم لأنها سـتكون ضربة لإنجـلترا إن وُضع منافسـوها في سوريا. لكل هذا، يجب أن تحتفظ إنجلترا بسوريا لنفسها كما يجب أن تدافع عن قومية اليهود وتساعدهم حتى يعودوا فيكونوا بمنزلة الخميرة لأرضهم القديمة. إن إنجلترا أكبر قوة تجارية وبحرية في العالم، ولهذا فلابد لها أن تضطلع بدور توطين اليهود في فلسطين... وهذه ليست تجربة مصطنعة... إنها الطبيعة... إنه التاريخ".
5- وقد قام شافتسبري بعدة محاولات لتحويل صهيونيته الفكرية إلى صهيونية سياسية، فتحدَّث مع بالمرستون عن استخدام اليهود كرأس حربة لبريطانيا في الشرق الأوسط. ففتح بالمرستون قنصلية في القدس (وهذه بداية الصهيونية الاستيطانية) بناءً على إلحاحه على ضرورة مقاومة مصالح الدول الأخرى وحتى تجد بريطانيا من تحميه (فقد كانت فرنسـا تحـمي الكاثوليك وكانت روسـيا تحمي الأرثوذكس). وعُيِّن وليام ينج قنصلاً لتقديم الحماية لليهود والطوائف المسيحية
6- قدَّمها شافتسبري إلى بالمرستون (25 سبتمبر 1840) أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية وأكثرها شفافية (إذ تتضح فيها الصيغة الصهيونية الأساسية بكل وضوح وجلاء) لاسترجاع اليهود وحل المسألة الشرقية وتطوير المنطقة الممتدة من جهة الرافدين حتى البحر الأبيض المتوسط (وهي البلاد التي وعد الإله بها إبراهيم حسب أحد تفسيرات الرؤية التوراتية). ويؤكد شافتسبري في مقدمة المذكرة أن المنطقة التي أشار إليها آخذة في الإقحال بسبب التناقص في الأيدي العاملة، ولذا فهي تتطلب رأس مال وعمالة. ولكن رأس المال لن يأتي إلا بعد توفير الأمن. ولهذا، فلابد أولاً من اتخاذ هذه الخطوة
7- أكد  في كتاباته دائماً أن روح العودة موجودة عند اليهود منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الأمة اليهودية أمة عضوية تحن إلى وطنها ولابد أن تحصل علىه، إلا أنه يُلاحَظ أن اليهود الحقيقيين الذين يقابلهم في الحياة تنقصهم الوحدة التي يفترض هو وجودها حسب رؤيته الإنجيلية الحرفية. وعلى كلٍّ، فإنه يذكر في أحد خطاباته إلى بالمرستون أن اليهود "غير متحمسين للمشروع الصهيوني، فالأغنياء سيرتابون فيه ويستسلمـون لمخـاوفهم، أما الفقراء فسيؤخرهم جَمْع المال في بلاد العالم، وسوف يفضل بعضهم مقعداً في مجلس العمـوم في بريطانيا على مقعـد تحت أشـجار العنب والتين في فلسطين. وقد تكون هذه أحاسيس بعض الإسرائيليين الفرنسيين، أما يهود ألمانيا الكفار فيُحتَمل أن يرفضوا الاقتراح".

وعلى هذا، فإن شافتسبري قد اكتشف المشكلة الأساسية في الصيغة الصهيونية الأساسية وهي أن المادة البشرية المُستهدَفة لن تخضع بسهولة لأحلامه الإنجيلية الحرفية الاستيطانية ولن تقبل ببساطة أن يتم انتزاعها من أوطانها.
موقف شافتسبري من اليهود:
1-  كان شافتسبري يخلط بين العناصر الاجتماعية والدينية والتاريخية، ولذا فقد كان يرى اليهود باعتبارهم شعباً مستقلاً وجنساً عبرياً يتمتع باستمرارية لم تنقطع، أي أنه يدور في إطار فكرة التاريخ اليهودي.
2-  بما ان اليهود وحسب التراث المسيحي هم قتلة المسيح، لذا نجد صورتهم سلبية في كتابات شافتسبري، فهم جنس من الغرباء، متعجرفون، سود القلوب، منغمسون في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل.
وأنهم خطاءون ويتوجب عليهم العودة إلى الإيمان بالمسيح , لان هذه العودة ستؤدي إلى عودة المسيح الثانية وخلاص البشر.
3-  لاحظ شافتسبري أن هذا الشعب يمكن توظيفه في خدمة الإِمبراطورية الإنجليزية للأسباب التالية:
أ.  اليهود مادة استيطانية جيدة , فهو جنس معروف بمهارته ومثابرته الفائقة، ويستطيع أعضاؤه العيش في غبطة وسعادة بأقل شيء، فهم قد عانوا العذاب عبر العصور الطويلة.
ب. اشتهر اليهود بحب المال وعرفوا بالبخل والجشع رغم امتلاكهك لرؤوس ألاموال.
ج. لاحظ شافتسبري أن ثمة علاقة بين هذا الشعب وهذه البقعة الجغرافية ( فلسطين ) فاستيطانهم لا يمكن أن يتم إلا هناك، كما أن وجودهم في هذه البقعة يمثل عنصراً حيوياً في الرؤية المسيحية للخلاص. وكما قال: إن أي شعب لا بد أن يكون له وطن. الأرض القديمة للشعب القديم. ثم طور هذا الشعار ليصبح وطن بلا شعب، لشعب بلا وطن.

أوجه التشابة بينهم

1 -  هرتزل طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وهو ما فتح الباب لتهويد الصيغة الأساسية. وقد يكون الخطاب المراوغ أحد أهم إسهاماته في عملية تطوير الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية، فهرتزل يقدم حله للأطراف المعنية بصياغة مراوغة تجعل من الصعب على أي طرف رفض الصيغة، إذ أنها ستُرضي الجميع وستتعايش داخلها التناقضات، وهي صيغة منفتحة جداً تسمح بكل التحورات والتلونات
أما لــورد شافتسـبري
خطاب شافتسبري خليطاً مدهشاً من العناصر الاجتماعية والأساطير الدينية حيـث تَداخَل في عـقله الوقت الحاضر والزمان الغابر والتاريخ المقدَّس
2 – كل منهما  يطمح الله إرساء دعائم الصهيونية والوطن القومى لليهود بعيدا عن العنف الظاهر
هرتزل حاول وَضْع أساس الحضارة الغربية في فلسطين وأكد على المساواة بين اليهود وغير اليهود فيها. عن طريق معاهدة ينص أحد بنودها على ذلك، وسوف يشجع هذا الوضع الشعب اليهودي العضوي المعروف بعاطفته العميقة نحو فلسطين حيث يحمل أعضاؤه ذكريات قديمة في قلوبهم نحوها. وهذا الشعب اليهودي العضوي "جنس معروف بمهاراته وثروته المختبئة ومثابرته الفائقة.

شافتسبري بدأ في وَضْع الأساس العملي لتحقيق حلمه في استرجاع اليهود إلى فلسطين تحت رعاية إنجلترا البروتستانتية، فساهم في جهود تأسيس أسقفية ألمانية إنجليزية تهدف إلى استرجاع اليهود. وقد اختير حاخام يهودي مُتنصِّر أسقفاً لها.

في عام 1876، كتب مقالاً طرح فيه أفكاره الصهيونية بدقة ووضوح بالغين، فقد أكد أن سوريا وفلسطين ستصبحان شديدتي الأهمية من الناحيتين الجغرافية وهذا ما يطمح الية لتكوين وطن قومي يهودى.

3 –هرتزل و رغم ابتعاده عن الثقافة اليهودية، نجده متأثراً بعقيدة الماشيَّح المخلّص، ونجد أن ذكرها يتواتر في مراسلاته ومذكراته بأسلوب ينم عن الإيمان بها وإن كان الأمر لا يخلو من السخرية منها في آن واحد.. وقد اسـتخدم هرتزل كلمـة «الخروج» التوراتية ليشـير إلى مشروعه الاستيطاني، الأمر الذي يدل على أن الأسطورة التوراتية كانت تشكل جزءاً من إطاره الإدراكي.

أما لـورد شافتسـبري يؤكد في كتاباته دائماً أن روح العودة موجودة عند اليهود منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الأمة اليهودية أمة عضوية تحن إلى وطنها ولابد أن تحصل علىه، إلا أنه يُلاحَظ أن اليهود الحقيقيين الذين يقابلهم في الحياة تنقصهم الوحدة التي يفترض هو وجودها حسب رؤيته الإنجيلية الحرفية.

أوجة الإختلاف بينهما :

1 - هوية هرتزل التي كانت تقف بين عدة انتماءات دينية أثنية متنوعة (ألمانية ـ مجرية ـ يهودية ـ بل مسيحية) دون أن ينتمي لأيٍّ منها أو يُستوعَب فيها. فإذا نظرنا لانتمائه اليهودي، فإننا نجد أنه يرفض الدين اليهودي والتقاليد الدينية اليهودية.
أما من الناحية الثقافية، فإن هرتزل كان ابن عصره، يجيد الألمانية والمجرية والإنجليزية والفرنسية
أما لــورد شافتسـبري
ويُلاحَظ أن الديباجة الدينية عنده قد اختفت تماماً وأن الديباجة الجغراسية (موازين القوى ـ الإمبراطورية ـ الموقع الجغرافي ـ الأهمية التجارية العسكرية) هي الأهم.
إن شافتسبري قد اكتشف المشكلة الأساسية في الصيغة الصهيونية الأساسية وهي أن المادة البشرية المُستهدَفة لن تخضع بسهولة لأحلامه الإنجيلية الحرفية الاستيطانية ولن تقبل ببساطة أن يتم انتزاعها من أوطانها.
أما هرتزل فقد عانا خيبت الأمل ولم يتحقق حلمه قبل وفاته