دلالات المناورات البحرية بين روسيا وإيران والصين

03.01.2020

 انطلقت المناورة البحرية الثلاثية الروسية والإيرانية والصينية بوصفها  حدثٌ مستجد طارئٌ على صعيد العلاقات بين القوى الثلاث، واللافت للانتباه أن الإعلان عن بدء المناورات من قبلها؛ قد أقترن بتخصيص الظروف التي تمر بها إيران كعلامة فارقة لهذه المناورات، مما يوحي بأن أغلب الدلالات التي حملتها هذه المناورات، جاءت تصب في الخانة الإيرانية، بالشكل الذي يوحي أيضاً بتطوّر في مستوى العلاقة بين إيران كقوة إقليمية وبين الصين وروسيا كقوتين دوليتين، بالشكل الذي يُنذر بنشوء تحالف استراتيجي أو شراكة استراتيجية بينها، خصوصاً في ظل ما تمرّ به إيران من مضايقات أمريكية لها سواء اقتصادية أو سياسية أو أمنية، ممّا يدفعنا إلى التساؤل في حدود التغيير في مستوى العلاقة بين هذه الدول الثلاث فيما إذا كنا نبالغ أم أن المعطيات الواقعية تؤيّد هذا التخمين، الذي يجب البحث فيما يؤيّده أو يفنّده.

  لقد جاء التصريح الصيني واضحاً، حيث أوردت وزارة الدفاع الصينية في يوم الخميس 26 ديسمبر/كانون الأول/ 2019م، أنّ الصين وإيران وروسيا ستجري مناورات بحرية مشتركة بدأت يوم الجمعة 27 ديسمبر/كانون الأول 2019م، في المحيط الهندي وخليج عُمان وسط تصاعدٍ للتوترات بين طهران وواشنطن، ولعل إيراد هذه العبارة (وسط تصاعدٍ للتوترات بين طهران وواشنطن) كان ملفتاً للانتباه في ظل الإعلان الظاهري الكامن وراء المناورات والذي حدّده "وو تشيان" المتحدّث باسم وزارة الدفاع الصينية تعميق التعاون بين القوات البحرية للدول الثلاث.

   الغريب هنا ما حصل من تناقض في التصريحات، عندما قال  وو تشيان "أن المناورات تعاون عسكري طبيعي وليست "مرتبطة بالأوضاع في المنطقة"، لنكون بذلك أمام احتمالين أحدهما : خطأ وسائل الإعلام في نقل المعلومة، أو تناقض دبلوماسي، يجعل المتلقي لا يعوّل عليه.

جاءت المناورات فيما يخص الطرف الإيراني في سياق جملة من الأحداث التي تم ربطها بإيران من جملتها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب بلاده من اتفاق إيران النووي الذي أبرمته عام 2015م مع ست دول وإعادة فرض عقوبات عليها، مما أصاب الاقتصاد الإيراني بالشلل، مما أسفر عن زيادة التوتر بين الطرفين الأمريكي والإيراني، كذلك هجوم استهدف منشأتي نفط سعوديتين في سبتمبر/أيلول، واتهمت واشنطن والرياض طهران بالمسؤولية عنه، وهو ما تنفيه إيران أيضاً، واقتراح الولايات المتحدة تشكيل مجموعة بحرية بقيادتها؛ الأمر الذي أعتبر تهديداً مباشراً لطهران من قبل الطرف الأمريكي، إضافة إلى سياسات العزل التي طبقتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ضد إيران، ومحاولات العبث بالأمن الداخلي لإيران، الأمر الذي وضع إيران في موقف الباحث عن السبل لفك الحصار والعزلة المفروضة عليها، فكان أحد هذه السبل الاستنجاد بالأقوياء(الصين) والارتماء بأحضانهم(الروس) دون تخلّي الفارسي عن حذاقته وحذره وكرامته المعهودتين منذ قدم التاريخ، نجم عن هذه الظروف أن أصبحت المياه المحيطة بإيران محوراً للتوترات الدولية، فالكل يخاف على حصّته في المضائق الدولية، ويقلقه الهدوء والقوة الإيرانية وتهديدها بإغلاقها(المندب وهرمز) عند تعرّضها للخطر، حيث تمارس الولايات المتّحدة ضغوطاً لوقف مبيعات النفط الإيراني، وتحرّكاتها في المضائق المذكورة آنفاً.

وبالاستناد إلى مجمل هذه الظروف، يمكن استنباط الدلالات الأتية التي قد تقود استنباط الأهم والأدق، أولها التشديد على الأهمية الجيوسياسية لخليج عُمان كممر مائي حساس، إذ أنّه متصل بمضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو خُمس تدفّقات النفط العالمية، والمتّصل بدوره بالخليج، وثانيها توجيه رسالة للطرف الأمريكي وحلفائه الخليجيين فيما يخص فك العزلة، وفتح شرايين ضخ الطاقة الإيرانية، وضمان سلامتها ، وسيادة إيران كدولة واستقرارها بالقوة الدبلوماسية والعسكرية، رسالةٌ مفادها: "نحن لسنا وحيدين وقادرين على التحرّك بالشاكلة التي تغيظكم ، وبما يضمن حماية أمننا واستقرارنا". بما أنّ المناورات في وقت يشهد توترات شديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فقد جاءت ضمن سياق تأمين الملاحة، والفكرة المحورية لها تتمثّل بـ "الحفاظ على الأمن في الممرات المائية".

وبخصوص الترويج أن الهدف من المناورات هو لتعزيز الخبرة في أمن التجارة الدولية في المنطقة، فإنّ هذا صحيح، ولكن لماذا لم يكن نطاق المناورة وأطرافها أوسع وأكثر من ثلاث أطراف بما أن هذا شأن جماعي؟  الجواب هو التحزب والتحالفات، على سبيل المثال فيما يخص إيران إنّ الصين ترتبط بعلاقات دبلوماسية وتجارية وفي مجال الطاقة مع إيران، لكن تربطها كذلك علاقات جيدة بالسعودية المنافس الإقليمي لإيران، وهنا السؤال لماذا لم تقم الصين بإشراك السعودية إذا كان سبب المناورات تأمين التجارة الدولية –على نطاق واسع كما يفهم- خارج نطاق التحالفات والتحزبات، وهنا علامات استفهام توحي بأنّ تأمين التجارة يخطط له من منظور كل حلف سياسي على حدا بحيث لا يتم إلغاء دوره وحصته من قبل الأطراف والأحلاف الأخرى، فالسعودية – استطراداً- محسوبة على الطرف الأمريكي الذي لا يخفى أنّه عدو الطرفين الصيني والروسي في حقيقة الأمر بمعزل عن مهازل التمثيل والفبركة الدبلوماسية في ظاهر الأمر لا باطنه.

   وفي نهاية المطاف، واستناداً إلى جملة الظروف السابقة وما اشتّق منها من دلالات، يمكن القول أنّ النتيجة هي الغوص في جملة من الأسباب الخفية التي تتوارى خلف الأهداف المعلنة، فمصلحة الدول الثلاث، وحماية أمنها القومي بأبعاده كافة، وتأمين أمنها واستقرارها كدول وسيادتها كشعوب، وإثباتاً للهوية عبر محدّد القوة الحارسة للمصلحة والتي تحصّل اليوم عبر التحالف بين هذه القوى الثلاث روسيا إيران الصين لمواجهة القوة الأمريكية، وهنا الواقعية مطلوبة فالدول الثلاث حتى وإن أتحدت، فلن تستطيع تشكيل قطب مواز للقوة الأمريكية ولا رادع  عندما يتعلّق الأمر بالتحدّي والمجابهة، ولكن من باب إثبات الذات، وحجز مكان عل الساحة الدولية، وتحصين نصيبها من التجارة الدولية، وضمان فتح قنوات ومنافذ في حال إطباق الخناق على أحد الأطراف الثلاثة، فإنّ هذا ممكن لها، فهي غير قادرة على إلحاق هزيمة بأمريكا، ولكن الأمريكي عاجز عن إزالة هذه الأطراف أو تهديدها تهديداً وجودياً.

  بالنسبة للحيز المكاني للمناورة، فإنه يمكن القول إنّ المحيط الهندي يعد ثالث أكبر محيط في العالم وتطل عليه دول مهمّة جداً ويتضمن المضائق المهمة الثلاث وهي باب المندب ومالاجا هرمز التي تعد بمثابة المثلث الذهبي بالمنطقة.

   والنتيجة الأبرز لهذا المقال كخلاصة: إن رفع التعاون بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة وبين القوتين الصينية والروسية من جهة أخرى؛ يجعل من العلاقات بين هذه الأطراف ترتقي إلى مستوى تحالف استراتيجي يتضمّن التموضع في جبهة دولية موحّدة، ضد الجبهات الأخرى، ويترتب عليها تنسيق عال المستوى في الجوانب المتعدّدة العسكرية والأمنية والاقتصادية، وغير ذلك فالغرض الأساسي هاهنا يتمثّل في عامل المصالح الحيوية لكل طرف على حده، وعامل الأمن والاستقرار، وكسر إرادة أي طرف دولي يحاول الهيمنة وتضييق الخناق وإغلاق المنافذ سيما في مناطق النفوذ المتنازع عليها، ولقد جاءت هذه المناورات كمؤشر على ارتقاء علاقات الأطراف الثلاثة إلى مستوى تشكيل حلف استراتيجي.