بين الصراع الإقليمي وتغير الموازين... الدولة اللبنانية وحزب الله شراكة لمواجهة التهديدات

19.04.2018

إنّ فهم ما طرأ على هوية النظام الدولي القديم وعلاقاته وأنساقه وتوازناته يكتسب أهمية قصوى في تحليل سياقات وقواعد وقوانين وفواعل النظام الجديد الذي من سماته أيضاً صعود القوى غير الدولتية التي كان لها إسهامات فعّالة في بناء المناعة الوطنية للدول في المنطقة وإجهاض الفتن وصد الاعتداءات الخارجية. ولبنان، هو واحد من هذه البلدان الذي خضع لضغوط مستمرة من قبل دول ومنظمات خارجية ، ولم يكن بإمكانه أن ينأى عن نفسه عن ديناميات الصراعات الإقليمية ولا تحجيم انعكاسها على الاستقرار الداخلي، خصوصاً الحرب التي دارت في سورية، بالاستناد فقط إلى مبدأ السيادة القليدي الذي يطلب من أجهزة الدولة العسكرية وحدها القيام بمهمة الدفاع ومواجهة الحركات الإرهابية.

وبمعزل عن عجز الدولة اللبنانية عن تقديم خيارات وبدائل حمائية ووقائية فعّالة، فإنّ التحولات التي شهدتها المنطقة وأثّرت على البيئة اللبنانية تتجاوز قدرة الدولة ومؤسساتها على حشد الإمكانيات العسكرية والسياسية لضبط حالة الاضطراب والاحتراب والسيولة والفوضى التي ضربت المنطقة والتي يقول عنها ريتشارد هاس الرئيس الأسبق لمجلس العلاقات الخارجية في وزارة الخارجية الأمريكية:"  في عالَم الفوضى، يقف الشرق الأوسط منفرداً. فالآن، تَنحَلّ خيوط نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى في قسم كبير من المنطقة". فكان تدّخل حزب الله في سورية هو لسدّ فراغات القوة التي برزت مع تفكك النظام الإقليمي وضمور قوة الحليف السوري الذي كان يُشكل حلقة أساسية من حلقات الدعم والإسناد والاستقرار له وللبنان.

صحيح أنّ بنية الدولة تُقاس بمدى وجود تماثل وتقارب وتعاون وتكامل في السياسات بين القوى غير الدولتية والدولة نفسها، وفي الحالة التي ندرسها بين حزب الله والدولة اللبنانية، وهذا مالم يحصل إلا في معركتي جرود عرسال والقلمون بسبب تواجد مسلحي جبهة النصرة وتنظيم داعش الإرهابيين على الحدود وداخل الأراضي اللبنانية، وتوفر الظروف الموضوعية الملحّة، ووعي صنّاع القرار في لبنان لا سيما رئيس الجمهورية بأهمية المحيط الخارجي على الأمن والاستقرار في الداخل. ولكن هذا السياق الجديد غير المعهود وبفعل التعقيد العالي في الارتباطات بين القوى المحلية والخارجية، قد يبدو متعارضاً من زوايا متعددة مع سيادة الدولة نفسها واستقلاليتها الخاصة.

 إنّ التحولات السريعة التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة دفعت الدول إلى إعادة تعريف جديد للسيادة، فهذا المفهوم الذي تعرّض لكثير من الالتفاف على قيمه وحدوده بدوافع منها الإيجابي ومنها السلبي،  ما عاد بالإمكان التعامل معه وفق صيغة نهائية ناجزة خصوصاً مع وجود محرّكات للتغيير تؤثر بصورة جذرية ومستمرة على السياسة والجغرافية والثقافة .. ويعني ذلك أنّ تحقيق الدول لمصالحها يفترض تدابير وطنية على قدر كبير من التنوع والمرونة  وطرح رؤى جديدة لتجسير الهوة بين النظرية التي هي في الأساس غير ناجزة والواقع المتحرك الذي يطلب استجابات غير تقليدية .  وفي لبنان يجب أن تقرّ النخبة المتمسكة بمبدأ "سيادة الدولة المهيمنة على كل شيء"، أنّ هذا المبدأ ليس مبدأً فوقياً لا يخضع لإجراءات التعديل والتطويع والتكييف، وإنما مفهوم معياري يعكس رؤية شعب يسعى في المقام الأول للحفاظ على وجوده، وتعزيز مصالحه المتعلقة بالأمن والاستقرار والانتظام العام، وهذا يتطلب أحياناً هوامش وتوافقات على إدارة استخدام العنف في ظروف محددة، وسياقات خاصة في توظيف القوة عبر فاعل محلي تغدو معه ممارسة القوة ورقة رابحة أقل كلفة وتعقيداً فيما لو كانت الدولة ذاتها هي من تلجأ إليها. وبإزاء التحديات الراهنة التي يعيشها لبنان وتعقّد القضايا داخله ومن حوله فإنّ قدرة السلطة اللبنانية على استعمال سيادتها تدنّت بشكل كبير، وإمكانيتها للتدخل لضبط التفاعلات الداخلية أو الحد من آثار الأزمة السورية مع التشقق الذي طال معظم طبقات النظام الإقليمي كانت ستكون معدومة لو لم يشارك حزب الله ويصنع المعادلات ويتخذ الخطوات المساندة لها.

ولا شك أنّ أهم ما يمكن الاستفادة منه من خلال التجربة السورية هي في اسخدام استراتيجية مرنة من قبل بعض المسؤولين في السلطة وتطوير قدرات ومهارات تواصلية وتشاركية مع قوى المجتمع وعلى رأسها (حزب الله) لضمان مصلحة شعب يُواجه بشتى أنواع التهديد السياسي والعسكري والهوياتي!
فإنّ السؤال المهم  لمواجهة التنوع الكبير في الضغوط والمصالح الداخلية والخارجية يفترض أن يستند إلى مقاربة بنائية تأسيسية بحيث ينجح اللبنانيون بعزل وتحييد النقاش الذي لا طائل له في الظروف الراهنة حول "حصرية السلاح بيد الدولة"، وحول السلطة التي تعاني من نقصٍ في سيادتها ، بتحويل الجهد الحقيقي للبحث في عملية إدارة السلاح نحو العدو المشترك. فكما تتعاون الدول فيما بينها وتنسق جهودها لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة، يجب على السلطة اللبنانية أن تلتفت إلى الداخل ضمن وجهة نظر رشيدة مستنيرة تسعى عبرها لبناء شراكة مع القوى المحلية ولو تم التوسع في القوانين وكسر التقاليد، فليس هناك وصفة ناجزة لمواجهة التهديدات سوى القوة المتمحضة بالحق إلى أبعد مدى !