بين حلم "الدويلة" القومية والحقيقة ... الوهم الانفصالي الكردي السوري إلى أين؟

15.12.2018

أعلن الرئيس التركي قبل أيام قليلة عن نيته شن عملية جديدة على الأراضي السورية شرق الفرات، بقوله "أنّ عمليتنا شرق الفرات تبدأ خلال يومين"، محددا أنّ هدف هذه العمليه ليس "الجنود الأميركيين"، وإنّما "الإرهابيين" أيّ الأكراد بالنسبة له، كما هو معلوم الجميع.

وما أن أعلن أردوغان نيته هذه، حتى سارع ما يسمى "المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، التابع للوحدات الكردية الانفصالية، لإعلان النفير العام، مطالبا التحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن بالتحرك، والتي بدورها حذرت عبر المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية الكابتن شون روبرتسون، تركيا من أنّ "أيّ هجوم" قد تشنه ضد "حلفائها الأكراد" في شمال سوريا سيكون "غير مقبول"..!

حقيقةً اللافت في الأمر ليس كل ما سبق؛ إنما اللافت في الواقع، هو الدعوة الجديدة التي أطلقها ما يسمى "المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، عبر بيانه الذي نشرته مؤخرا وكالة أنباء "هاوار" إلى الحكومة السورية، لأن تتخذ "موقفا رسميا ضد هذا التهديد"، لأنّ أردوغان يريد أن يحتل "جزءاً" من سوريا، وهذا يعني "اعتداء على السيادة السورية"، وفق ما جاء في البيان..!

وهذه هي المرة الثانية أو الثالثة ربما، التي يوجه بها هذا "المجلس" مثل هذه الدعوة إلى دمشق، ما يفتح الباب أمام عدة تساؤلات، تهدف للبحث عن إجابة، لكل ما يصدر عن هذا "المجلس" ودعاته، من أفعال وتناقضات..! 

وهي كالتالي:

أولا- إذا كان التوغل التركي، هو رغبة في احتلال أجزاء من الأرض السورية، واعتداء على سيادتها، فهل الوجود الأمريكي بقواعده وقواته، والأراضي التي باتت تحت سيطرته، هو وجود "للتنزه" في منطقة شرق الفرات وغيرها؟ وهل يحترم بوجوده هذا السيادة السورية؟

ثانيا – إذا كنتم "بمجلسكم" هذا، وفي كل مرة تتعرضون فيها لاعتداء جديد، من أردوغان أو غيره، تدعون دمشق للدفاع عنكم، كما حصل في مدينتي عين العرب وعفرين سابقا، وفي كل المناطق السورية الآخرى ذات الغالبية الكردية، وأنتم "بمجلسكم" هذا أيضا، كنتم أول من منع وألغى أي تواجد شرعي (مدني أو أمني أو عسكري) لهذه الحكومة، التي تناشدونها اليوم، وفي كل يوم الدفاع عنكم، فكيف يستوي هذا الأمر مع ذاك الفعل؟ ومع ذلك هذه الحكومة ذاتها، هي التي مدت لكم يد العون - ولازالت - إبان التوغل التركي في هذه المناطق، داعمة إياكم عدة وعتيدا، كما بات يعلم الجميع ...

ثالثا- هل تعتقدون بأن أمريكا، حينما تفاضل بين علاقتها بتركيا، وعلاقتها معكم، سوف تختاركم، وتتخلى عن أردوغان؟ وأنه يقدم على أي عمل، دون تنسيق كامل مع واشنطن؟

إذا؛ ماذا يعني تصريح المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون سوريا جيمس جيفري، وقبل أيام فقط من خروج أردوغان وإعلان نيته شن عمليته الأخيرة هذه، وعقب الاجتماع الذي عقده فريق العمل المشترك الثالث التركي - الأمريكي في العاصمة التركية أنقرة، في السابع من الشهر الجاري، قائلا: "دائما نؤكد أن عملنا مع قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش مؤقت، وتكتيكي".؟ ومؤكدا أنّ الولايات المتحدة تجري "تدقيقا أمنيا"، من خلال وفائها بالتزامها بمغادرة "المسلحين الأكراد" منبج، وعدم "وجودهم" ضمن المجالس المحلية، والموظفين العسكريين المحليين هناك.! فماذا يقرأ ذلك من قبلكم؟ وهل أنتم اليوم أمام تصعيد أمريكي ضد تركيا، أم  أنتم أمام صفقة في هذه الحالة؟

رابعا- ماذا عن مصداقيتكم لدى أنفسكم ومن يتبعكم؟ ولدى الدولة السورية؟ التي طالما فتحت الباب لكم كمواطنين سوريين، وليس كـ انفصاليين! ماذا عن مصداقيتكم لدى من أوهموكم - ولازالوا - بأنهم حلفائكم الذين تعولون عليهم ليلا نهارا؟

خامسا- وأخيرا، أليس حري بمن يريد الانفصال، ويسعى لإقامة كيانه وحلم "دويلته" القومية الخاصة، أنّ يكون قادرا على حماية نفسه من كل ما يتعرض له من أخطار وأهوال، دون الحاجة لمساعدة أحد؟

في الختام: تفاقمت ولا زالت تتفاقم المسألة الكردية في الشمال والشرق السوري، حتى غدت الشغل الشاغل للقاصي والداني، الأشقاء الأكراد على اختلاف نواياهم وارتباطاتهم ومعسكراتهم، يبدو أنهم أصبحوا وحيدين في الميدان، كما هو متوقع، وربما من بنى لهم وهماً "نيو جرسي" شرق الفرات، أغرقها أو كاد ...!

لذلك فإنّ أقل فعل أو خطوة واجبة، على من يقر بأنّ السيادة وحدها للدولة الوطنية السورية فوق أرضها، هو أن يعلن ذلك جهارا نهارا، ضاربا بعرض الحائط كل ما عداه، من علاقات ورهانات على الأمريكي وغيره.

فلا يكفي المرء أن يكون مقاتلا فقط، ولا أن يصعد جبال قنديل، أو حتى سطح القمر، إنما يكفيه أن يختار حربه وساحته، التي لا تخالف السياق الجغرافي والتاريخي والإنساني الذي وجد فيه، ونعتقد، أنّ أي حرب وساحة اليوم، لا تكون بجانب الجيش السوري ومعه، فهي حتما خاسرة، وخارج هذا السياق وضده، فالوقت الآن، يمر سريعا نحو النصر، الذي تحققه بخطى ثابتة الدولة السورية وحلفاؤها، فهل أنتم وبدون "مجلسكم" هذا فاعلون؟!

مهران نزار غطروف / كاتب عربي سوري.

الجمعة 14 /12/ 2018