بسبب روسيا والناتو... واشنطن تهدد برلين بسحب قواتها من ألمانيا

23.08.2019

صرح السفير الأمريكي في برلين "ريتشارد غرينيل" إنه إذا لم تقم ألمانيا بزيادة مساهماتها في ميزانية الناتو، فسوف تسحب واشنطن الجيش الأمريكي إلى بولندا، تاركةً الألمان دون حماية في مواجهة "التهديد الروسي". لماذا كان رد الفعل الألماني غير متوقع وما الذي سيؤدي إليه؟

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وألمانيا في العام الماضي اضطرابات خطيرة، وتزداد الخلافات باستمرار. لم يكن أحد يشك قبل بضع سنوات في أن ألمانيا هي واحدة من أكثر حلفاء الولايات المتحدة موثوقية في أوروبا، ولكن سياسات واشنطن سببت الانقسام.

لعب خط أنابيب الغاز الروسي "نورد ستريم 2" دوراً كبيراً في هذا. كانت ألمانيا، مثلها مثل أوروبا كلها، متضامنة مع الموقف الأمريكي عندما يتعلق الأمر بالعقوبات ضد روسيا. وطُلب من الألمان دعم العقوبات التي لم يكن لها تأثير سلبي على الاقتصاد الألماني. كان مطلوباً من الألمان موقف سياسي معين يعتمد على التصريحات المعادية لروسيا، وأيضاً طُلب منها تخصيص إقليم معين لنشر أكبر وحدة عسكرية أمريكية في أوروبا.

اعتقدت ألمانيا في نفس الوقت أنها، كحليف، قدمت بالفعل أهم التنازلات للأميركيين، مما سمح لها بنشر أسلحة نووية أمريكية على أراضيها. ومع ذلك، أصبح من الواضح أن واشنطن بحاجة إلى المزيد. لم تستطع برلين تحمل الأمر، ولأول مرة بدأت تتحدث عن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تعد حليفة لألمانيا.

لم تحاول واشنطن حتى الاتفاق مع شريكها الاستراتيجي. وبدلاً من ذلك، تحولت الولايات المتحدة إلى محاولة تخويف برلين بفرض عقوبات جديدة وإجراءات عقابية. أزعج آخر تصريح للسفير الأمريكي في ألمانيا الكثير من الألمان، وقد أظهر البوندستاغ بالفعل عداء لواشنطن.

ألمانيا عزلاء

تم كما هو متوقع توجيه تهديدات جديدة من قبل السفير ريتشارد غرينيل. فكان أول مسؤول أمريكي يقول صراحة إن ألمانيا ستواجه حتماً عقوبات لدعم خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 الروسي. وأثارت هذه التهديدات رد فعل عدائي بين العديد من السياسيين والمسؤولين في برلين، لكن مكتب أنجيلا ميركل لم يجرؤ على اتخاذ تدابير جذرية خوفاً من أن تسبب صراعاً مباشراً مع واشنطن.

واصل غرينيل الضغط على برلين. وقرر يوم الجمعة 9 آب الضغط على الألمان مرة أخرى لأنهم لم يتعجلوا بالامتثال لتعليمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيادة المخصصات لحلف الناتو إلى 2 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لبلاده.

وقال غرينيل في مقابلة مع DPA والتي تم نشرها بعد ذلك من قبل جميع وسائل الإعلام الألمانية تقريباً: "في الواقع، من الإهانة ببساطة الاعتقاد بأن دافعي الضرائب الأمريكيين يجب أن يواصلوا دفع أكثر من 50000 دولار أمريكي لإقامتهم في ألمانيا، بينما يواصل الألمان إنفاق دخلهم على الاحتياجات المحلية". ومع ذلك، لم يتوقف الأمر عند هذا التوبيخ وبدأ السفير بالتهديدات. وأشار إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تسحب قواعدها وقواتها من ألمانيا وإعادة نشرها في بولندا، تاركة الألمان العزل في مواجهة التهديد الروسي. وأعربت بولندا وفقاً لغرينيل عن اهتمامها بنشر فرقة أمريكية موسعة على أراضيها.

برلين ليست محرجة

رد ديتمار بارش زعيم حزب اليسار في البوندستاغ على السفير الأمريكي من خلال صحيفة هانوفرشه ألجماينه تسايتونج.

وقال: "إذا سحب الأمريكيون جنودهم، فعليهم أيضاً سحب الأسلحة نووية معهم. وبالطبع، سيتم سحبها إلى بلادهم، وليس إلى بولندا، لأن هذا سيكون تصعيداً دراماتيكياً آخر للعلاقات مع روسيا، وهذا لا يلبي المصالح الأوروبية والألمانية".

ووافق بارش على أن دافعي الضرائب الأمريكيين ليسوا مطالبين بالدفع للجنود الأمريكيين في ألمانيا، ولا لدفع تكاليف نشر الأسلحة النووية هناك. وهكذا، فإنهم يعلنون بالفعل في البوندستاغ بشكل متزايد صراحةً أن ألمانيا لا تحتاج حقاً إلى "الحماية" ضد موسكو.

في الوقت نفسه، هناك كل الأسباب للاعتقاد بأن مثل هذه المشاعر في ألمانيا هي بالفعل حقيقية. وتم تبني رأي مماثل في الحزب البديل لألمانيا.

تزايد الخلافات

كتبت صحيفة وول ستريت جورنال بالفعل، وفقاً لوزارة المالية الألمانية، أن البلاد تمتلك الآن ميزانية عسكرية تبلغ 43 مليار يورو (49 مليار دولار)، وهو ما يعادل حوالي 1.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي. سيرتفع الإنفاق الدفاعي الألماني في عام 2020 إلى 1.37 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن بعد ذلك (وهذا هو الأهم) ستبدأ برلين في خفض الإنفاق: إلى 1.33 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، و 1.29 ٪ في عام 2022 و 1.25 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023.

سيكون في هذه الحالة من الغباء بالنسبة لواشنطن أن تتوقع تخصيص 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي لحلف الناتو. ومن بين الأسباب التي ذكرها الاقتصاديون، أولاً وقبل كل شيء، تباطؤ النمو الاقتصادي الألماني. وقال وزير الدفاع السابق في البلاد، أورسولا فون دير لين، إن برلين، رغم أنها وعدت واشنطن بزيادة مساهماتها، ستفعل ذلك وفقًا لقدراتها. كان هدف أنجيلا ميركل هو زيادة الإنفاق الدفاعي تدريجياً على مدار عشر سنوات. لذلك، من المقرر أن تزيد هذه السنة إلى 1.34 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وبحلول عام 2025 - إلى 1.5 ٪. لكن الأميركيين بحاجة إلى كل شيء في وقت واحد.

تواجه ألمانيا مهمة تحديد المدى الذي تتمتع به بسيادتها الخاصة والحق في إدارة سياسة مستقلة. كانت آخر مرة أظهرت فيها برلين الرفض منذ وقت ليس ببعيد، ورفضت المشاركة في العملية الأمريكية لضمان سلامة الشحن في مضيق هرمز. أرادت واشنطن جر برلين إلى مواجهة نشطة مع إيران، لكن الألمان لم يوافقوا على ذلك، ورفضوا التخلي عن نورد ستريم 2.

إذا ذكرنا جميع المشاكل في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، فإن حجم التناقضات أصبح كبيراً. أصبح من المعروف في عام 2013، وبفضل الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، إدوارد سنودن، أن هاتف أنجيلا ميركل قد تم استغلاله من قبل وكالات الاستخبارات الأمريكية. ثم قام الألمان بالتكتم هذه القضية، حتى لا يفسدوا العلاقة، وأيضاً لأنهم لم يجدوا دليلًا على ذلك.

الآن أصبح موقف الولايات المتحدة تجاه ألمانيا واضحاً. فهي تريد أن تلتزم ألمانيا بدفع "الجزية" من أجل الحماية" من روسيا، ويجب أن تتخلى عن نورد ستريم 2 تحت تهديد العقوبات، ويجب أن تفقد المزايا الاقتصادية، ويجب أن توفر أراضيها لنشر أنظمة الدفاع الصاروخي والقواعد العسكرية والأسلحة النووية. ويتعين أخيراً على الألمان الموافقة على العقوبات المفروضة على روسيا وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وأي دولة أخرى، لأنها مفيدة جداً لواشنطن.

لذلك، هل الألمان مخطئون حقًا، والذين بدورهم يتجاهلون مطالب واشنطن؟ هذا هو السبب في تزايد الانتقادات للسياسة الألمانية من قبل الولايات المتحدة، ولا تزداد المعارضة في برلين فحسب، بل أيضاً حجم دورها في الشرق، وكذلك القدرة على تعزيز السياسة الأوروبية الموحدة بدلاً من سياسة شمال الأطلسي.