بريق البعد الاستراتيجي في العلاقات الروسية - التركية

16.01.2020

دولتان لا ننكر قويتان، أحدهما إقليمية والأخرى دولية، يصاب المراقب لسوكها وسياستها في الحيرة والتناقض في حال وقف على ظاهر الأمور، دون قيامه بعملية تغلغل فكري في الخفايا، وفي غياهب ما بين السطور، وما يتطلّبه الأمر من مقارنات منطقية في بعض المواقف.

إن الحكم على طبيعة العلاقات التركية - الروسية في يختلف حسب محددين هامين ألا وهما: الدول المعنية باهتمامهما أولاً، ثم مستوى المصلحة ثانياً، والدليل الساحة السورية حيث حليفنا الرئيسي والموثوق هو روسيا في حين عدونا اللدود الذي نهب ثروات بلادنا، وقتل المدنيين قصداً والعسريين غدراً بما يخالف القانون الدولي، هنا في هذه الساحة بالتحديد أي السورية نحكم على علاقات الطرفين الروسي والتركي بالتناقض والتضاد، فهذا بما يتعلق بالدولة المعنية. 

  أمّا فيما يتعلّق بمستوى العلاقة، فهذا المصطلح إشارة إلى الدرجة التي بلغتها العلاقات بين الطرفين، فحينما تبلغ العلاقات درجة عالية من الأهمية والتطوّر والشمولية توصف بأنّها استراتيجية خصوصاً إذا امتلك الجانب الذي تقوم فيه هذه العلاقة هذا البعد الاستراتيجي كما هو الأمر بالنسبة لتدشين روسيا وتركيا لخط أنابيب السيل التركي ("تورك ستريم") الذي سينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، هذا الإنجاز الذي يجعل بوسعنا إطلاق لقب الاستراتيجية على العلاقات الروسية- التركية.

  إنّ تركيزي هنا على مستوى العلاقات الاستراتيجية الذي تجسّد بخط تورك ستورم الذي رفع من وتيرة العلاقات الروسية – التركية إلى مستوى متقدّم، حيث تجلّى الهدف من ("تورك ستريم") في دعم مساعي روسيا لتعزيز نفوذها في إمداد أوروبا بالغاز  فيما تواجه محاولات أميركية لمحاصرتها(الهاء عائده لأوربا)، في وقت ترى تركيا في المشروع فرصة لها في تأكيد أهمية دورها كدولة ترانزيت في سوق الطاقة العالمية، بفضل خطوط نقل الغاز الطبيعي المارة عبر أراضيها من الشرق والشمال” بحسب تعبير وزير الطاقة والموارد الطبيعية، فاتح دونماز، حيث أعطى إنجاز مشروع “السيل التركي” العلاقات بين روسيا وتركيا بعداً إضافياً وهي الآخذة بالتطور، وفي هذا الإطار يقول الرئيس التركي إن المشروع يعتبر بمثابة ضامن للعلاقات الاقتصادية والسياسية بين أنقرة وموسكو، فيما كان بوتين قد أكد في وقت سابق أن المشروع “ليس موجهاً ضد أحد، وهو يحمل طابعاً بناءاً”، كذلك ضمن المشروع لموسكو تعزيز نفوذها في سوق الطاقة الأوروبية في وقت تواجه فيه محاولات للتضييق عليها عبر الغاز الصخري الأميركي أو عبر ما يثار عن مزاحمة غاز شرق المتوسط، واستعماله كورقة ضد موسكو لمواجهة نفوذها في أوروبا. 

  وبالحكم على أساس المستوى الاستراتيجي للعلاقات الروسية – التركية، فإنّه يمكن توصيف الطرفين بالمتعاونين والمتحالفين اللذين تجمعهما شبكات من المصالح، التي تجعلهما شريكان استراتيجيان لا يمرران أي شيء بدون دراسة واعية لحجم السلبيات والإيجابيات، وهنا يظهر ما أريد قوله أن اعتمادي على عامل الدول المعنية فأغلب الحالات تشير إلى تناقض وتعارض عكس الحال بالنسبة للحكم على أساس مستوى العلاقة، فتركيا وروسيا تجمعهما المصلحة وتفرّقهما المصلحة، وهذا الأمر له دلالاته أهمها أن العادي والطبيعي أن تجتمع دولتان على مصلحة وهذا شائع بكثرة.

ولكن المثير للغرابة عندما تكون المصلحة التي لعبت دور العامل الجامع هي ذاتها التي تلعب دور العامل المفرق، لأنّ هذا يدفع إلى التساؤل حول مصداقية ما تظهره الدول من عداء وتضاد وتناقض إزاء بعض الدول، المقصود دون ترك المجال للتخمين العشوائي المسيء لي ككاتب سياسي محب لحفائه ومبغض لأعدائه، روسيا في حالة تناقض مع امريكا وهي صديق عزيز لتركيا، عكس ما يراه أستاذ الاقتصاد في “أكاديمية العلاقات الدولية” بتركيا، أحمد ذكر الله، في تصريح لقناة TRT عربي، أن “تركيا وروسيا تتوحدان في ما يخصّ سعيهما للابتعاد عن الهيمنة الأميركية والأوروبية”،  فكيف يسويان الأمر بالنسبة لاختلافهما حولها بما أن لديهما ما يجمعها من عوامل الجذب والترغيب كيف؟ الجواب للكاتب: إنّ البنية الدولية تتميز بعدم اليقين في وجهة التحوّلات الجيوسياسية والجيوستراتيجية للوحدات الدولية، هي المستوى الأعلى الذي ينظّم حوار الإرادات العليا السياسية والعسكرية والدبلوماسية للدولة من أجل الإدارة الاستراتيجية الكبرى للمصالح الوطنية في بنية دولية تتميز بعدم اليقين، خصوصاً في وقتنا الراهن.