بريكست والتجارة الحرة

29.06.2017

كان التعامل مع استفتاء  الاتحاد الأوروبي بطيئا ومفاجئا لسببين رئيسيين: الأول (وهو سبب واضح) أنه لا أحد على مقربة من مقاليد السلطة يريد فعلا أن يغادر الاتحاد الأوروبي، والثاني هو الاعتقاد بأن بريطانيا يجب أن تضمن صفقة تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي بعد خروجها منه .  ويعتقد جميع الاقتصاديين تقريبا، حتى بول كروغمان، أن العالم بأسره بدون رسوم جمركية سيكون أفضل. وسيكون بمقدور كل بلد أن يتخصص في المجال الذي يتمتع فيه بميزته النسبية (وهي حالة تكون فيها تكلفة الفرصة البديلة أقل من تكلفة أي بلد آخر في إنتاج تلك السلعة)، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وزيادة الابتكار وزيادة الرفاهية بوجه عام. ويشمل هذا الأمر أيضا الحالات الإقتصادية الزراعية لدول العالم الثالث مع الحالات الإقتصادية للدول العالمية الرائدة مثل المملكة المتحدة وهذا المبدأ التجاري سليم من الأخطاء. 

لماذا تعد التجارة مفيدة للعباقرة وللأغبياء معا:
تخيل أن المحامي باري يمكن أن يعمل فقط ثماني ساعات في اليوم ولكل ست ساعات من العمل في المحكمة يجمع أوراق تستغرق ساعتين من وقته لاتمامها. فإذا كان يدفع له 100 جنيه استرليني في الساعة لعمله في المحكمة فهذا يعطيه بأقصى قدر دخل يومي يصل لحوالي 600 جنيه استرليني. دواين الغبيي (يمثل شريحة المغفلين) يحتاج إلى يوم كامل لاتمام العمل في نفس الكمية من الاوراق. التي يحتاج باري لاتمامها في ساعتين . قد يبدو أن باري ليس لديه ما يكسبه من التعامل مع دواين، ولكن إذا استأجره المحامي لاستكمال أوراقه فإنه سيسمح له بالعمل ساعتين إضافيتين في المحكمة مما يكسبه 200 جنيه إسترليني إضافي يوميا. وبالتالي، فإن كل محامي يحتاج إلى توظيف شخص مثل دواين بأجر أقل من 200 جنيه استرليني في اليوم، وسوف يكون كلا الطرفين أفضل حالا حتى في حال كان أحد الطرفين أقل إنتاجية بشكل كبير من الطرف الآخر. ولذلك، لا ينبغي أن تكون هناك أي زيادة مصطنعة في تكاليف التجارة بين البلدان لأنها سوف تؤخر التخصص المفيد.

الصفقات التجارية هي عقود اغتصاب طوعية:
ومع ذلك، فإن العالم الخالي من التعريفات الجمركية هو مجرد خيال حتى الآن. كيف يمكن للمملكة المتحدة أن تستجيب إذا كان الاتحاد الأوروبي يقرر تعريفات جمركية ضخمة على صادرات السيارات البريطانية إلى أوروبا القارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ .. ربما هم يفعلون ذلك في محاولة منهم لحماية شركات صناعة السيارات الخاصة بهم، مثل فوكس فاجن. وإذا  فعلوا ذلك، فإنه يمكن أن يؤدي إلى عجز ما، وبالتالي فإن الحجة تقول إن صادرات المملكة المتحدة تعتمد على الاتحاد الأوروبي إذ أنه يعد أهم سوق للصادرات في المملكة المتحدة و يشكل 44٪ من إجمالي الصادرات  وستكون الاستجابة الواضحة من قبل الحكومة البريطانية هي الانتقام من خلال فرض رسوم جمركية على الواردات من الاتحاد الأوروبي إلى المملكة المتحدة.

ومع ذلك، يمكن أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التصعيد، ولكن التعريفات الجمركية أعلى على كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بالنسبة للمنتجات الغير مرغوب فيها بشكل واضح. وبالتالي، يبدو أن الحل هو اتفاق للتجارة الحرة - يتفق فيه البلدان على إلغاء التعريفات الجمركية على بعضهما البعض في الوقت نفسه بحيث لا يمكن لأي بلد أن يكسب فعلا من خلال الاحتفاظ ببعض التعريفات الجمركية في حين أن البلد الآخر يلغيها. وهذا يبدو كالحصول على بطاقة بريدية  " نحن الموقعين أدناه نوافق على عدم فرض أي تعريفات على صادرات كل من البلدين"، ويبدو ذلك أنه الحل الأمثل، ولكن في الممارسة العملية فإن اتفاقات التجارة الحرة هي أقرب إلى عقود الاغتصاب الطوعي: إذا كانت بالفعل اتفاقات تجارة حرة فلماذا تحتاج إلى كل هذه العقود والصفحات  - فمثلا الاتفاق بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي يمتد إلى 152 صفحة مزدوجة الأعمدة. ومن المؤكد أنها ليست مجرد اتفاقات للتجارة الحرة إنما صفقات تجارية تدار من أجل الحفاظ على مصالح الشركات ذات الصلة بالسياسة. وكما أشار ستيفان كنسيلا ، فإن الميت الآن هو  اتفاق "التجارة الحرة" عبر المحيط الهادئ الذي كان بالأساس  وسيلة لتصدير قوانين الملكية الفكرية الأمريكية إلى جنوب شرق آسيا؛ لم يكن الأمر مفاجئا لجمعية السينما الأمريكية (MPAA) التي كانت من أكثر الداعمين لهذه الصفقة.

التعريفات الجمركية نعني الانتحار الاقتصادي:
إذا كانت اتفاقات التجارة الحرة  صادقة كما وعد السياسيون، فكيف ينبغي للمملكة المتحدة المضي قدما في حالة وضع تعريفات جمركية على صادرات المملكة المتحدة من قبل الاتحاد الأوروبي؟ 
لجعل هذا أسهل للفهم دعونا لا نتصور البلدان ولكن اثنين من المدن: مانشستر وإدنبره. لنفترض أن رئيس إدنبرة وضع الرسوم الجمركية على الواردات من مانشستر: من سيتأذى؟ من الواضح أن هذا الأمر سيجعل الواردات من مانشستر أكثر تكلفة في أدنبره من ذي قبل، مما يؤدي على الأرجح إلى انخفاض المبيعات والأرباح لمصدري مانشستر. ومع ذلك، لا يوجد شيء يمنع مصدري مانشستر من التحول إلى أسواق أخرى مثل غلاسكو. ومن الواضح أن هذا سيكون أقل ربحية نسبيا منه في  أدنبره، لأنها كانت السوق الرئيسية، ولكن على الأقل يعطيهم خيارا آخر على عكس المستهلكين في أدنبره والذين تتمثل خياراتهم إما بشراء سلع مانشستر مع التعريفات أو شراء السلع من ادنبره التي من المرجح أن تكون مكلفة – ليس هناك مهرب من الأسعار المرتفعة  وليس لديهم أي خيار آخر لتفادي الرسوم الجمركية -. من ناحية أخرى، فإنه لا فرق على الإطلاق بالنسبة لمستهلكي مانشستر لأنهم يمكن أن يستهلكوا كل ما كانوا يستهلكون قبل التعريفات.
قد يناقش المدافع عن التعريفات الجمركية فيقول: إن التعريفات تضر بمستهلكي إدنبره ولكنهم مستفيدون أيضا لأن هذا الأمر سيعود بالفائدة على المنتجات المحلية فالسلع الأجنبية التي كانت رخيصة سابقا هي الآن أكثر تكلفة بسبب التعرفة الجمركية. وبما أن الإنتاج يسبق بالضرورة الاستهلاك، فإن الشركات المحلية المزدهرة ذات الوظائف العالية الأجر ستعمل على توليد الثروة من أجل تحسين مستويات المعيشة - ويمكن أن تنخفض هذه التوقعات بشكل كبير في غياب التعريفات الجمركية. 

وباختصار، تساعد التعريفات الجمركية الشركات في منافسة مباشرة مع الأجانب ولكن بالتأكيد سيتسبب ذلك بزيادة الأسعار لجميع المستهلكين وتكاليف الإنتاج لكثير من الشركات المحلية - ومع ذلك الشركات الأجنبية يمكن أن تبيع في أسواق أخرى لتجنب التعريفات الجمركية. 
هل سيكون من المنطقي بالنسبة لمانشستر أن تضع تعريفة انتقامية؟ طبعا صعب، لأن ذلك سيؤدي إلى زيادة الأسعار بالنسبة للمستهلكين والعديد من المنتجين المحليين في مانشستر: إن هذا الأمر يشبه صراخ شخص يقفز من أعلى المنحدر وينادي "أريد الحياة!". 

الصلب (الفولاذ)  الصيني جيد:
وهناك اعتراض آخر يستحق النظر فيه فيما يخص التجارة الحرة من جانب واحد حيث الحكومات الأجنبية تدعم بشدة صادراتها مما يجعلها أرخص بكثير من المنتجات  المحلية، على سبيل المثال الصلب (الفولاذ) الصيني. وهذا يخلق منافسة غير عادلة مما يحد من أي فرصة لصناعة الصلب (الفولاذ) في المملكة المتحدة أن تنافس  في الأسعار، الأمر الذي سيسبب البطالة وأيضا سيمنع المملكة المتحدة من إنتاج السلع الاستراتيجية التي تحتاج لإنتاجها محليا في حالة الحروب.
تخيل، أنه وبدلا من الصلب (الفولاذ) الرخيص، قدمت الحكومة الصينية للمملكة المتحدة هدية مجانية سنوية من الفولاذ (حولي 100,000 طن ) ، فهل من شأن ذلك أن يجعل المملكة المتحدة أسوأ حالا؟ متى كانت آخر مرة جعلتك هدية مجانية أسوأ حالا؟ 
أساسا، الصادرات المدعومة هي هدية جزئية من دافعي الضرائب الصينيين. وسوف تقلل من تكاليف مدخلات الصلب ( الفولاذ) بالنسبة للشركات مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تخفيض الأسعار على المستهلكين في المملكة المتحدة.

نلاحظ أيضا أن البطالة الناتجة عن  المنافسة الأجنبية لا تختلف  من حيث المبدأ عن البطالة الناتجة عن شركات الصلب (الفولاذ)  المحلية الأكثر كفاءة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن إعادة توزيع العاطلين عن العمل حديثا في أماكن أخرى لإنتاج منتجات جديدة ومختلفة لم تكن موجودة من قبل؛ إذا لم يتمكنوا في نهاية المطاف من القيام بذلك و بأجر لائق، فإن ذلك يعود  إلى الروتين والتعقيدات الحكومية . هذا يزيد من الحواجز ويقلل من عدد الشركات في السوق مما يقلل من الطلب على العمالة وبالتالي يقلل الأجور - بالإضافة إلى ذلك فإن النقود الورقية (النقود الورقية التي لا تدعمها سلعة مثل الذهب أو الفضة) والبنوك المركزية تستغل الكثير منها لصالح القلة . 
وأيضا، في حين أن حجة الأمن القومي من أجل الحماية قد تبدو معقولة إلا أنها تفشل في فهم أن التجارة نفسها تعزز السلام: فمثلا سيقل احتمال الحرب والقتل بين الإسرائيليون والعرب في الضفة الغربية إذا كانوا شركاء تجاريين رئيسيين إذ أنه سيكون لديهم الكثير ليخسروه. لقد اعتقدت منذ فترة طويلة أن الغزو الأرجنتيني لجزر فوكلاند في عام 1982 كان ليصبح أقل احتمالا ما لم تكن المملكة المتحدة قد انضمت إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية في وقت لاحق حيث أن المملكة المتحدة كانت سوق تصدير مهم جدا بالنسبة للأرجنتين: فشريحة اللحم الأرجنتيني حتى بدايات عام 2000 كانت ضريبتها بنسبة 75٪ من خلال التعريفة الخارجية المشتركة.
وعلاوة على ذلك، إذا قال المرء إن الصادرات المدعومة منافسة غير عادلة، فماذا يمكن أن تكون المنافسة العادلة؟ كيف يمكنك التمييز في الواقع بين الميزة النسبية القائمة على السوق والميزة الحكومية المستحدثة؟ وحتى لو تمكنت من التمييز بينهما، فلماذا نتوقع أن تفرض الحكومة ضريبة على المستوى الصحيح؟ فالحكومة تعتبر احتكارية قانونية (أي المنظمة الوحيدة التي يمكن أن تعمل قانونا في سوق معينة ومنطقة جغرافية معينة)، وبالتالي فهي تعاني من النتائج العالمية للاحتكار القانوني: ارتفاع الأسعار وانخفاض الجودة. تخيل لو كان كلاركس محتكر قانوني في مجال إنتاج الأحذية: أحذية ذات نوعية رديئة، وخيارات محدودة، وأسعار مرتفعة. وبالمثل، ستضع الحكومة معدلات تعريفة جمركية سيئة. وعلاوة على ذلك، بل والأسوأ من ذلك وفي حال قررت الحكومة أنه  يمكنك على الأقل صنع الأحذية الخاصة بك، لا يمكن أن يكون لديك التعريفات محلية للصنع - وهذا أيضا يجيب على الاعتراض النهائي على التجارة الحرة من يوم (فوكس داي/ Vox Day )الذي يتضمن ما معناه أن الصادرات المدعومة يمكن أن تكون شكلا من أشكال الرفاهية للبلد المستورد، وأن الاستمرار في تقديم الدعم لرجل يتخذ قرارات خبيثة لن يرشده نحو الفضيلة: فمن الممكن أن يحقق هذا الأمر رفاهية للناس ، ولكن الحكومة ستجعل الوضع ككل أسوأ بكثير.

الانفرادية (الأحادية) هي الخيار الوحيد:
لذلك، فإن الحل الوحيد الذي يمكن أن تتبعه السياسة العامة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو الانتقال إلى التجارة الحرة من جانب واحد مثل هونغ كونغ وسنغافورة: إذ يجب أن تكون للمملكة المتحدة تعرفة جمركية  صفرية على السلع الأجنبية بغض النظر عن التعرفة الجمركية  المفروضة على السلع البريطانية. ومن شأن ذلك أن يؤدي على الفور إلى خفض أسعار السلع من خارج الاتحاد الأوروبي، حيث سيخفض سعر قصب السكر بمقدار النصف (يخضع للضريبة بنسبة 100٪ في إطار التعرفة الجمركية الخارجية المشتركة) ويؤدي إلى دفعة كبيرة لمصافي التكرير. كما أنه سيكون مثالا يحتذى للبلدان الأخرى التي يمكن أن تستفيد منها أيضا من اعتماد تجارة حرة أحادية الجانب، نأمل  أن يؤدي  ذلك إلى  مستقبل تجارة حرة حقا.