بعد تقدمها في ليبيا..تركيا تتخلى عن مهندس المشروع لكسب الغرب

بعد تقدمها في ليبيا..تركيا تتخلى عن مهندس المشروع لكسب الغرب
01.06.2020

جاء قرار خفض رتبة الأدميرال البحري جهاد بايجي مهندس اتفاق ترسيم الحدود البحريّة بين تركيا وليبيا، الذي اعتبر “ضربة معلّم” استراتيجية في سياق الصراع بين القوى الإقليميّة والكبرى في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.

وقد نال عليه، في 22 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، الثناء العالي من أردوغان. وقد أطلق عليه اسم محلل وباحث عسكري مؤثر عندما يتعلق الأمر بالتوجه الجغرافي الاستراتيجي لتركيا.

ردّ الأدميرال بالاستقالة، واعتبر الأمر بمثابة صدمة للمؤيّدين والمعارضين للحكومة على حدّ سواء، مما طرح تساؤلات حول السياسة المتبعة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان من جهة وماهية ما يدور داخل الجيش التركي؟

فالأمور على الصعيد الليبي ليست في مأزق، رغم تهديد قائد سلاح الجو لدى الجنرال حفتر الذي هدّد جميع المواقع والمصالح التركية في جميع المدن الليبية واعتبرها أهدافاً مشروعة للطائرات الجوية الستّ المقاتلة التي وصلت من القواعد الروسية في سورية إلى الشرق الليبي من قاعدة حميميم الجوية التي تسيطر عليها روسيا في سورية، برفقة طائرتين من طراز SU-35 الروسية. ثمة أسئلة طرحت هل قرّرت روسيا تصحيح التوازن في الصراع الليبي لمصلحة حفتر بعد أن مالت الانتصارات لصالح تركيا وتفوّقت في استعمال الأسلحة؟ يبدو انّ نشر الطائرات المقاتلة الروسية يهدف إلى محاولة انتزاع التفوّق الجويّ من تركيا.

لكن هل تخاطر روسيا بمواجهة كاملة مع تركيا؟ يرجح بعض الخبراء أن نكون مرة أخرى أمام تقارب دبلوماسي بين تركيا وروسيا يهدف إلى إيقاف الحرب حيث تعمل أنقرة وموسكو كوسيطين للسلطة في غرب وشرق ليبيا على التوالي كما أشارت المكالمة الهاتفية التي جرت بين وزيري خارجية موسكو وأنقرة. كذلك تلقت أنقرة وحلفاؤها من حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج دفعاً من الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، أنه لا يمكن وضع حفتر والسراج على المستوى نفسه، لذلك فإنّ الناتو مستعدّ لدعم طرابلس.

التوازن في ليبيا تغير بشكل كبير مع الوضع الحالي، إذ تتمتع كلّ من تركيا وروسيا بشكل مشترك بنفوذ كافٍ لتغيير المشهد العسكري. يمكن التوصل إلى نوع من الصفقة تضمن بموجبها تركيا منطقة رسم الحدود البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط. تحرص أنقرة على إحياء عقود بقيمة 16 مليار دولار مُنحت لشركات بناء تركية قبل سقوط الرئيس معمر القذافي بعد أن تعهّد السراج باحترام العقود. كما سيحقق انتصار حكومة الوفاق الوطني الاتفاقات البحرية التي تتحدّى مطالبات اليونان وقبرص بشأن شرق البحر الأبيض المتوسط التي تحتوي على احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي أما روسيا فهي ستضمن مصالحها التجارية والاقتصادية، وفرنسا ستدعم بهدوء التحركات الروسية.

لكن من أين أتت اذاً فكرة تخفيض رتبة جهاد بايجي أميرال البحرية راسم خطة ليبيا والاستراتيجية التركية في المتوسط إلى موقع أقلّ من خلال مرسوم رئاسي؟ أثار خفض الترتيب انتقادات حادة من العديد من الزوايا، وخاصة الأوساط المؤثرة في تركيا المناهضة للغرب والأوراسيين باعتباره شخصية بارزة وشعبية في تركيا ذات نفوذ وحذر متزايد تجاه الغرب.

لطالما كان بايجي مدافعاً صريحاً عن مفهوم “الوطن الأزرق”، وهي أجندة سياسية عسكرية تقترح على تركيا أن تحمي بقوة حدودها البحرية في البحر الأسود وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط بأيّ ثمن وبكلّ الوسائل.

كانت له مكانة خاصة في قتال الحكومة التركية ضدّ شبكة الغولنيين، التي اتهمتها أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016.

لكن يمكن القول إنّ الأمر لم يكن غير متوقع في الأوساط العسكرية لأن وزير الدفاع خلوصي آكار كان مستاء من إعطاء الأدميرال هذا القدر من المكانة وكان واضحاً انه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016. أصبح للمدنيين اليد العليا في العلاقات المدنيّة العسكرية. وآكار أصبح مدنياً ووزيراً للدفاع بعد تقاعده وقرار ترقيات الجنرالات والأدميرالات في يده. كما انّ الجنرالات الذين تناقضوا معه تقاعدوا أو جرى تخفيض رتبهم.

ظهر أحدث مثال في جهود أنقرة الأخيرة لتحديد السياسة تجاه الأزمة الليبية. حين عقد في أنقرة في نهاية ديسمبر /كانون الأول 2019 اجتماع لصياغة السياسات في القصر الرئاسي.

في هذا الاجتماع، كانت آراء الأدميرال الذي كان يمثل الجيش التركيّ حاسمة، حيث كانت الموضوعات الهامة ذات طبيعة بحرية. كان من المتوقع أن يمثل رئيس أركان البحرية التركية، الأدميرال جهاد بايجي الذي كتب كتاباً والعديد من المقالات الأكاديمية حول ليبيا والذي حصل على الكثير من الشعبية بين المسؤولين الحكوميين والجمهور، كذلك بسبب جهوده لتطهير الجيش من الغولنيين، لكن عندما تمّت دعوته الى الاجتماع في القصر الرئاسي لم يسمح له، وزير الدفاع خلوصي آكار بحضور اجتماع الاستراتيجية وأرسل أميرالاً آخر بدلاً من ذلك.

العلاقات الشخصية بين أردوغان وآكار قوية. ولم يكن أكار وحده المنزعج من جهاد بايجي كذلك رئيس هيئة الأركان العامة يسار جولر. وبالتالي، كان من المحتمل ان يقوم المجلس العسكري بإحالة بايجي على التقاعد إلا انّ تخفيض رتبته سلط الضوء على طبيعة العلاقات السائدة بين الجيش والأمن.

تخفيض رتب من يمكن ان يأخذوا شعبية مثال الميجور القائد السابق للقوات الخاصة بعد أن حصل على دعاية واسعة النطاق لدوره في قمع محاولة الانقلاب عام 2016 وكقائد لعملية عسكرية تركية في سورية في عام 2016. وبالمثل عومل، قائد عملية غصن الزيتون في شمال سورية، الذي دفع ثمن شعبيته عن طريق تخفيض رتبته لكنهما استمرا في موقعيهما.

لماذا صمت أردوغان تجاه هذا الموضوع؟ يرى المحللون الأتراك أنه شعر بالحاجة إلى إبعاد نفسه عن الجبهة المعادية للغرب في وقت تحتاج فيه تركيا إلى دعم شركائها الغربيين بسبب اعتمادها المتزايد على روسيا والضربات التي تحمّلها الاقتصاد بسبب جائحة كورونا.

تجري أنقرة مفاوضات حول خط المقايضة مع الولايات المتحدة والعديد من العواصم الأوروبية كذلك محاولات مع الصين واليابان من أجل التخفيف من تأثير تفشي المرض على الاقتصاد التركي، فكان على أردوغان أن ينأى بنفسه عن التأثيرات المعادية للغرب داخل الجيش التركي كبادرة حسن نية.

في الوقت الذي يسعى فيه المسؤولون المصرفيون الأتراك للحصول على دعم مالي من عدد من البلدان كانت قطر أول مَن استجاب، وسعت يوم الأربعاء 20 أيار لصفقة مقايضة إلى 15 مليار دولار، ورفعت الحدّ السابق من 5 مليارات دولار للمساعدة في تعزيز احتياطات البنك المركزي التركي المستنفدة والمساعدة في استقرار الليرة. تؤكد هذه الخطوة على العلاقات القوية بين البلدين، التي فتحت ترتيبات مبادلة خلال أزمة العملة 2018،

ولا تزال هناك تساؤلات حول مدى الدعم الأجنبي الذي سيطلبه المسؤولون الأتراك وسط الوباء، حيث يواصل القادة السياسيّون المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على الطاولة. خط المقايضة في قطر سيساعد في وقف الضغط التضخميّ على الليرة التركية على المدى القصير إلى المتوسط، لكن السلطات في أنقرة ستواصل البحث عن سبل لعكس التباطؤ الاقتصادي في الأشهر المقبلة إلا انه من الواضح أنّ الدعم سيأتي بشروط ليست الحكومة مستعدّة لقبولها.