بعد دعمها حفتر.. هل تسعى موسكو لاستعادة ليبيا؟

12.12.2016

من المحتمل أن تكون روسيا قد انضمت منذ صيف 2016، للنزاع الدائر في ليبيا، بعدما كانت قد نأت بنفسها عنه في العام 2011، ما أسفر عن الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، والزج بالبلاد في حالة من الفوضى، كما أدى إلى فقدانها عقودا بقيمة مليارات الدولارات كانت قد وقّعتها مع حكومة البلاد.

في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ظهر عدد قليل من الفنيين العسكريين الروس على الأرض في برقة، بهدف إعادة تأهيل قوات اللواء خليفة حفتر، وتجديد منظومات السلاح، وتحسين الدفاعات البحرية والجوية. وتشير مصادر عدّة إلى أن مستشارين عسكريين روس يقدّمون المساعدة لحفتر انطلاقاً من برقة أو القاهرة. هذه المعطيات، إلى جانب التقارير عن قيام عبد الباسط البدري – الوسيط في فريق حفتر وسفير ليبيا لدى السعودية – بطلب أسلحة صغيرة وطائرات في أيلول/سبتمبر الماضي.

وقد عمد ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث بوتين الخاص إلى الشرق الأوسط، إلى تعزيز التدخل الروسي عبر البحث عن حليف موثوق ويعوِّل على روسيا، من أجل تقديم الدعم إليه. على الرغم من أن جميع الفصائل في النزاع الليبي تأمل بالحصول على الدعم الروسي، يبدو أن خليفة حفتر، قائد "الجيش الوطني الليبي"، هو رجل موسكو في ليبيا.

يتلقّى حفتر دعماً عسكرياً أو مادّياً من دول عدّة بدءاً من الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى فرنسا، ويفرض سيطرته حالياً على الجزء الأكبر من إقليم برقة في الشرق، كما يسيطر – منذ أيلول/سبتمبر 2016 - على معظم المنشآت النفطية الليبية. يصطف حفتر إلى جانب البرلمان في طبرق الذي يبقى الهيئة التشريعية الشرعية في ليبيا، ويمتلكان معاً مجموعة من المؤسسات، منها البنك المركزي في الشرق، التي تتصادم مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس.

المثال الأول عن التعاون كان في أيار/مايو الماضي، عندما تولّى حاكم البنك المركزي في الشرق إدارة عملية شحن أربعة مليارات دينار ليبي (2.9 مليارَي دولار) من غوزناك، المؤسسة الروسية الرسمية لسك العملة. وجد حفتر وحلفاؤه أنه لا بد من إقامة شراكة مع روسيا من أجل الحد من أزمة السيولة المتفاقمة وإظهار كفاءاتهم في حكم برقة. وقد تعرّضت روسيا للانتقادات من الدول الغربية، غير أن هذه الأخيرة رضخت للأمر عندما أدركت أنه ليس بمقدورها وقف شحن الأموال.

وقد توطّدت العلاقة خلال شهرَي حزيران/يونيو وتموز/يوليو، مع توجّه حفتر أولاً ثم عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، إلى موسكو لأول مرة للقاء مسؤولين رفيعي المستوى. لقد أراد حفتر إبرام صفقة سلاح مع الكرملين للحصول على أسلحة برية وجوية أكثر تطوراً من تلك التي ترسلها إليه حالياً مصر والإمارات.

في ذلك الوقت، كان السفير الروسي لدى ليبيا، إيفان مولوتوف، يصرّ على أنه لا يجوز تسليم أية أسلحة إلى ليبيا قبل قيام مجلس الأمن الدولي أولاً برفع حظر الأسلحة. بيد أن الموقف الروسي أصبح أكثر ليونة مع حفاظ معسكر حفتر على روابط مع الكرملين عن طريق البدري الذي توجّه، في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، إلى موسكو لينقل إليها رسالة من حفتر يناشدها فيها "شنّ عملية عسكرية ضد الإسلاميين في ليبيا مشابهة للعملية العسكرية في سورية"، وقد صرّح بوغدانوف للصحافيين أنه "سيفكّر ملياً" في أي طلب تتقدّم به السلطات الليبية من أجل "مشاركة روسيا في العمليات ضد الإرهابيين".

وفي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، توجّه حفتر من جديد إلى موسكو لإقناع روسيا بالمساعدة على رفع حظر الأسلحة عن ليبيا.

يندرج الاهتمام الروسي المتزايد بليبيا في إطار استراتيجية أوسع تهدف روسيا من خلالها إلى استعادة دور جيوسياسي بارز في المنطقة، بدءاً من سوريا حيث ألقت بثقلها كاملاً خلف الحكومة الرعية بقيادة بشار الأسد، وبدأت بملء الفراغ الذي خلّفه الانكفاء الأميركي، أو أقلّه الفراغ الذي يُعتقَد على نطاق واسع بأن الانكفاء الأميركي خلّفه هناك.

لقد رأت روسيا في تدخّلها في سوريا نموذجاً ناجحاً عن دعم حليف قوي في مقابل تعزيز نفوذها وزيادة قواعدها العسكرية والعقود ذات القيمة المرتفعة، ولذلك قد تعمد حالياً إلى تصدير هذا النموذج إلى بلدان أخرى تمتلك المقوّمات اللازمة التي تتيح لها تحقيق مكاسب استراتيجية، على غرار مصر. فالرئيس السيسي، وعلى الرغم من قبضته القوية على مصر، بحاجة ماسّة إلى الدعم في الحرب التي يخوضها ضد الإسلام المتشدّد، وكذلك من أجل منح جرعة زخم للاقتصاد المتعثّر.

وفي هذا الإطار، يكشف تعزيز الروابط الثنائية والتدريبات العسكرية المشتركة أن روسيا سعيدة بمنح السلطات المصرية المساعدة التي تحتاج إليها، والتي كانت الولايات المتحدة تقدّمها في ما مضى. لم تصدر أي تأكيدات رسمية، لكن ثمة مؤشرات قوية بأنه جرى التوصل إلى اتفاق تعمد روسيا بموجبه إلى ترميم قاعدتها البحرية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية في سيدي براني غرب البلاد، وبناء قاعدة جوية إضافية هناك بحلول العام 2019.

يشكّل الدعم الروسي لحفتر استمرارية لهذه الاستراتيجية القائمة على دعم قائد يسعى لمكافحة التشدد الإسلامي والإرهاب، ويحتاج إلى المساعدة من الروس كما أنه في موقع يخوّله تعبيد الطريق أمام روسيا لتحقيق أهدافها في المنطقة. إن كان من مؤشر نستشفّه من مصر، فهو أن التحالف الناجح مع ليبيا لن يساهم في إبرام عقود مربحة في قطاع الإنشاءات والميدان العسكري وحسب – بما في ذلك السماح للزوارق التابعة لسلاح البحرية الروسي باستخدام ميناء بنغازي، وفقاً للاتفاق الذي تم التوصل إليه مع القذافي في العام 2008، وربما استخدام قاعدة جوية على مقربة من بنغازي – بل والأهم من ذلك، من شأن هذا التحالف أن يفضي إلى تعزيز الوجود الروسي في وسط البحر الأبيض المتوسط وتوسيعه، ما يتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا والقواعد الأميركية في صقلية.

كما أن تقديم الدعم لحفتر لن يثير غضباً عارماً في واشنطن نظراً لأن الرئيس المنتخب دونالد ترامب يحبّذ الأنظمة المناهضة للإسلاميين المتطرفين. وتضم إدارة ترامب شخصيات على غرار مستشار الأمن القومي الجديد مايكل فلين معروفين باصطفافهم إلى جانب السياسات الروسية في الشرق الأوسط ويريدون إعادة تركيز المقاربة الأميركية بهدف تقليص جهود مكافحة الإرهاب والابتعاد عن الجهود الآيلة إلى نشر الاستقرار مثل العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا. وعلى النقيض من هيلاري كلينتون، ليست لترامب مصلحة في كبح التأثير الروسي في المنطقة، كما أنه غير متحمّس لدعم تشكيل حكومة وحدة في طرابلس.

هذه الأمور التي لا يعيقها شيء، قد تؤدي إلى حلول للنزاع الليبي، إذ ستعيد السلطة في البلاد إلى شكلها المركزي، كما ستسهم في إعادة إعمار ليبيا، وخروجها من الأزمات المالية، وستمنع تدخلات غربية قد تزيد الأمور سؤءا، مثل تدخل الناتو في العام 2011، والذي كان سببا لنشأة الأزمة الليبية.

وعلى الرغم من المناشدات التي نقلها مبعوث حفتر، غالب الظن أن بوتين لن يلجأ إلى تدخل مباشر وواسع النطاق في ليبيا، كما يفعل في سوريا منذ عام ونصف العام. بيد أن روسيا تعمد، في إطار مكافحة الإرهاب، إلى زيادة دعمها شيئاً فشيئاً لوكلاء موثوقين على غرار حفتر والجيش المصري الذي أرسل معدّات وأسلحة لدعم قوات حفتر. إذا مارست روسيا ضغوطاً على الأمم المتحدة لرفع حظر الأسلحة، فسيتمكّن حفتر من توسيع حربه ضد الإرهابيين،واستعادة السيطرة على المؤسسات النفطية والمالية الليبية، التي صدرت قرارات أممية بدعم من الغرب، لجعلها مستقلة، لمواصلة الاستفادة إقتصاديا من الأزمة الليبية.

حتى الآن، يبقى موقف روسيا بشأن ليبيا محاطا بالغموض، فقد وافقت روسيا على جميع قرارات الأمم المتحدة الداعِمة للعملية السياسية في ليبيا، ولا تزال، تدعم الاتفاق السياسي الليبي. وقد شدّدت منذ فترة وجيزة، خلال زيارة حفتر إلى موسكو في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، على أنها تحافظ على روابط وعلاقات مع جميع الأفرقاء الليبيين.