وصول مضادات الطيران إلى سوريا: هل تكون أفغانستان أخرى؟

20.05.2016

يفتخر «الجمهوريون» في أميركا بأن قرار الرئيس ريغان بإدخال صواريخ «ستينغر» إلى الميدان الأفغاني، خريف العام 1986، كان السبب المباشر في دفع السوفيات إلى اتخاذ قرار الانسحاب، ليبدأ الانهيار السوفياتي المهول. وفي الحقيقة فإن قرار القيادة السوفياتية بوضع جدول زمني للانسحاب، بعد شهرين تقريباً على استخدام «ستينغر»، يدعم مصداقية مزاعم «الجمهوريين». بالمحصلة تولدت، وترسخت، في الأذهان معادلة بسيطة مفادها: «ادعم الميليشيات بمضادات طيران فستلقى الجيوش النظامية هزيمة نكراء»، أو على الأقل هذه هي المعادلة التي تم الترويج لها خلال الأزمة السورية.

اعتبر حكماً أن اتخاذ واشنطن قراراً بالسماح بدخول مضادات الطيران سيكون مؤشراً على تغيير حاسم في الموقف الأميركي، وبداية النهاية في سوريا. يصعب تقديم تعقيب موضوعي على هذه المقولة من دون المرور على تفاصيل السردية الأفغانية.

أولاً، لم يكن القرار الأميركي بتسليح المقاتلين الأفغان بصواريخ «ستينغر» قراراً سياسياً بالدرجة الأولى، ولم يكن يمثل تغييراً جذرياً في سياسة الإدارة الأميركية إزاء الوجود السوفياتي في أفغانستان. كان القرار، بالدرجة الأولى، عسكرياً وتكتيكياً. فمن ناحية أولى كان التروي الأميركي بتقديم هذه الصواريخ امتثالاً لإرادة حليفهم الباكستاني محمد ضياء الحق، الذي كان يردد طوال النصف الأول من الثمانينيات أن المنهج الأفضل في تسليح الأفغان هو باتباع مقولة «إبقاء الإبريق في حالة غليان»: أي تقديم فقط ما يكفي من السلاح لاستمرار النزيف وتجنب القيام بما «يجعل الإبريق يفور» فيندفع السوفيات ليهاجموا باكستان مباشرةً. كما أن المعنيين في الولايات المتحدة قد درسوا، طوال تلك السنوات، سيناريوهات عدة لتزويد «المجاهدين الأفغان» بحماية من الطيران، قبل أن يستبعدوها لاحقاً واحداً تلو الآخر ويتبنوا خيار تقديم «ستينغر». حيث دُرس مثلاً خيار تقديم «المزيد» من صواريخ SA-7 السوفياتية الصنع، التي قُدمت منذ البداية للأفغان، أو تقديم صاروخ Redeye الأميركي المُتقادم، ولكن الاثنين كانا بفعالية ضعيفة أمام إجراءات الحماية للطائرات السوفياتية. دُرس أيضاً، لفترة طويلة، خيار تقديم منظومة الدفاع الجوي الألمانية Oerlikon ذات المدافع الرشاشة، ولكنها بوزنها الذي يقارب سبعة أطنان لم تكن خياراً مناسباً لحرب العصابات في أفغانستان. لهذه الأسباب، تأخر القرار الأميركي بتسليم «ستينغر»، ولكنه كان الخيار الوحيد الباقي.

ثانياً، يضاف إلى ذلك أن صواريخ «ستينغر» دخلت الخدمة في الجيش الأميركي للمرة الأولى في العام 1981 ولم تعمم على الوحدات المختلفة في الجيش الأميركي إلا في العام 1984. في ذلك الوقت، كان «ستينغر» تقنيةً حديثة العهد متوفرةً فقط بكميات قليلة لا تكفي لتقديمها لمقاتلي عصابات، من دون الحديث طبعاً عن حلفاء أميركا الآخرين الذين كانوا ينتظرون نصيبهم من التقنية الحديثة. فضياء الحق نفسه، عندما قبل أخيراً بتقديم «ستينغر» للأفغان، اشترط أن يحصل الجيش الباكستاني عليها أولاً، وهذا ما حصل فعلاً، صيف العام 1985، قبل أكثر من عام من وصولها للأفغان.

ثالثاً، خشيت هيئة الأركان المشتركة الأميركية من أن انتقال تكنولوجيا أميركية حديثة إلى ميدان صراع في العالم الثالث قد يسمح بوقوع هذه التقنية في الأيدي الخطأ التي قد تستخدمها لأغراض أخرى، أو أنها قد تصل للسوفيات أنفسهم فيتمكنون من القيام بهندسة عكسية تستنسخ «ستينغر»، أو تسمح لهم بتصميم إجراءات حماية منه. كانت المفاجأة الكبرى أن ما دفع العسكريين الأميركيين لتجاوز تحفظاتهم هذه هو تأكدهم من أن السوفيات قد حصلوا على أسرار «ستينغر» منذ العام 1984 (راجع، مثلاً، صفحة 178 من كتاب «The Secret War in Afghanistan» لـ Panagiotis Dimitrakis). وهنا يعلق فريد إيكل، أحد كبار موظفي وزارة الدفاع الأميركية في تلك الحقبة، ساخراً أنه لولا حصول السوفيات على تصميم «ستينغر»، لكانت الولايات المتحدة أقل رغبةً بتقديمه للأفغان.

إذاً يمكن القول إن القرار الأميركي بتسليح «المجاهدين الأفغان» بصواريخ «ستينغر» لم يكن تحولاً في الموقف السياسي الأميركي بقدر ما كان، بالدرجة الأولى، محصلة تراكم عوامل عسكرية وتكتيكية عديدة. وبالحديث عن العوامل العسكرية، ما مدى نجاح «ستينغر» في وجه الطائرات السوفياتية، وماذا ترتب عن هذا النجاح؟ جُرِب «الستينغر» للمرة الأولى في 25 أيلول 1985، أطلقت خمسة صواريخ لتسقط ثلاث مروحيات «مي 24». ويُزعم أنه مسؤول عن إسقاط 150 طائرة خلال السنوات التالية. كان سلاح الطيران السوفياتي حيوياً لاستمرار العمليات العسكرية، في المسرح الأفغاني الشديد الوعورة، والذي تغطي الجبال التي يزيد ارتفاعها عن 2000 متر ثلاثة أرباع مساحته، ويصل ارتفاع بعضها إلى 7500 متر. كانت مروحيات وطائرات الدعم الأرضي، «السوخوي 25»، مجبرةً على التحليق بين الجبال، ما جعلها فريسةً سهلة لكمائن «المجاهدين». كان سلاح الجو ضرورياً ليس لمطاردة الأفغان بل بالدرجة الأولى لتأمين خطوط الإمداد الحيوية الطويلة، الممتدة من الأراضي السوفياتية، عبر الأراضي الأفغانية التي تزيد مساحتها عن 650 ألف كيلومتر، والتي ينتشر في كل بقعة منها أفغانٌ يعتبرون السوفيات كفاراً لا حل من قتالهم. ساهمت صواريخ «ستينغر» في زيادة النزيف السوفياتي وحصل هذا في لحظة تلت وصول زعيم سوفياتي جديد مهووس بالتغيير والابتعاد عن سياسات أسلافه، كان من بين أهم نيات ميخائيل غورباتشوف منذ اللحظة الأولى لتسلمه القيادة، في آذار 1985، أن ينسحب من أفغانستان، حتى قبل أن يصل «ستينغر» إلى باكستان أو أفغانستان. وغورباتشوف نفسه، قبل أن يتولى القيادة، هو من حض المارشال سيرغي أخرومييف، رئيس أركان الجيش السوفياتي، على مصارحة أعضاء القيادة السوفياتية، ربيع العام 1984، بأن حرب أفغانستان لا يمكن أن تُربح.

بالمقارنة مع سوريا، تظهر التفاصيل أعلاه فروقاً جوهرية. ليس في موسكو اليوم قيادة جديدة تبحث عن الانسحاب. القيادة اليوم، سواء الحلقة الضيقة أو الواسعة، تدرك أن المواجهة لا زالت في بدايتها وهذه المواجهة هي جزء من مسعاها لإنهاء أحادية القطبية في العالم. تضاريس سوريا لا تشبه تلك في أفغانستان، والواقع والميدان السوريان اليوم لا يشبهان ما كان في أفغانستان. الحرب في سوريا برية بالدرجة الأولى، والغطاء الجوي هو نقطة تفوق إضافية، و «ستينغر» الأميركي، الذي لم يصل إلى سوريا بعد، أو «FN-6» الصيني، الذي وصل، لا تجدي مثلاً في مواجهة الصواريخ الجوالة أو القاذفات الاستراتيجية، التي استخدمت بكثافة في سوريا. والأهم أن غالب شعب سوريا تعب ويريد نهاية للحرب.

وعلى أي حال، من الجدير بالذكر أن هناك في الولايات المتحدة من يزعم أن إدخال صواريخ «ستينغر» إلى أفغانستان لم يسرع بإنهاء الحرب، بل أطالها عندما حرم السوفيات من خيار الانسحاب الذي يحفظ ماء وجههم، فكانت النتيجة أكثر من عامين إضافيين من الحرب، كان الخاسر الأكبر فيهما الشعب الأفغاني. بعيداً عن التكهنات، إن وصول الصواريخ المضادة للطيران اليوم إلى سوريا سيدفع الروس لمتابعة القتال أيضاً. باختصار، هناك ما هو إيجابي وما هو سلبي؛ الإيجابي هو أن الهزيمة كما يروج لها البعض لن تحصل، أما السلبي فهو أن الحرب ستطول.

جريدة "السفير"