واشنطن تستخدم حرب العملات لزعزعة استقرار إيران

27.04.2018

يعلن المحافظون الجدد الموجودون حول الرئيس الأمريكي، ولا سيما رئيس الأمن القومي الجديد "جون بولتون" ووزير الخارجية "مايك بومبيو"، أن إيران في نظر واشنطن يجب أن تغير النظام أو على الأقل أن تخفف العقوبات الاقتصادية والفوضى. تهدد أمريكا بعدم تجديد الاتفاق النووي الإيراني في أيار، وهي خطوة يعارضها الموقعون الآخرون، وخطوة من شأنها أن تدفع إيران إلى أزمة اقتصادية عميقة في الوقت الذي لا يمكنها أن تتحملها.

انخفضت قيمة العملة الإيرانية في الأسابيع الأخيرة بشكل كبير، مما أدى إلى إثارة الشكوك حول شراء الدولار في الأسواق السوداء وظهور أزمة محلية متنامية. وتشير الدلائل من خلال تهديد ترامب بعدم تجديد الاتفاق النووي الإيراني، وفرض عقوبات رسمية جديدة، إلى أن هناك لعبة قذرة جارية من جانب حلفاء واشنطن الرئيسيين وهم السعودية والإمارات العربية المتحدة لإضعاف العملة الإيرانية.

كانت هناك موجة من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في كانون الأول من عام 2017، ركزت على ضعف الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة. وبعد ذلك، وبعد أن اتهمت الحكومة في البداية التدخل الأجنبي واعتقلت الآلاف، اضطرت إلى الاعتراف بأن الشكوى الاقتصادية كانت مشروعة وينبغي معالجتها. ومع ازدياد التضخم بنسبة 14% في عام 2017، على الرغم من رفع العقوبات الغربية، وازدياد بطالة الشباب بنسبة 25%، تعهدت حكومة حسن روحاني بالتعامل مع الأزمة الاقتصادية.

حرب العملات بدأت

بدأت الاحتجاجات تتقلص تدريجياً، ولكن ما يحدث الآن هو أكثر خطورة على استقرار إيران. إنه شكل غير واضح من أشكال الحرب المالية من قبل واشنطن. وهذا يثير الذعر لدى الإيرانيين مما يدفعهم إلى التخلي عن العملة الإيرانية في محاولة يائسة للحصول على الدولار مع وصول الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته منذ ثورة الخميني عام 1979.

وكان السبب الرئيسي وراء هبوط الريال الأخير هو إعلان الرئيس الأمريكي ترامب أنه يميل لعدم التصديق على الالتزام بالمعاهدة الإيرانية النووية في 12 أيار. وعندما وقع ترامب على المعاهدة النووية آخر مرة في كانون الثاني، هدد بعدم الموافقة ما لم يتم الاتفاق على تحسينات جذرية مع الأوروبيين وإيران تشمل إزالة الصواريخ الباليستية الإيرانية وإيقاف دعمها لحزب الله، وهي قوة مهمة في الحرب السورية.

بدأ الريال في الانخفاض مقابل الدولار الأمريكي في شهر شباط. وكانت التقارير في ذلك الوقت تشير إلى أن البنوك في الإمارات، والتي هي حليف وثيق لكل من واشنطن والسعودية، كانت تؤخر عن عمد معالجة مدفوعات نفط إيران على الرغم من حقيقة أن إنتاج النفط وصادراته قد ارتفعت بشكل ملحوظ منذ رفع العقوبات جزئياً. الميزان التجاري لإيران رابح، فقد صدّرت البلاد نفط بقيمة 50 مليار دولار و40 مليار دولار من الصادرات غير النفطية في حين استوردت ما قيمته 50 مليار دولار من السلع والخدمات في العام الماضي. ارتفع إنتاج النفط من 2.6 مليون برميل في اليوم في عام 2012 في ذروة العقوبات، إلى 3.8 مليون برميل في اليوم الآن.

قبل أيام من الضربة العسكرية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سوريا بسبب مزاعم كاذبة عن الأسلحة الكيميائية، كان الريال يسقط في أسواق التبادل الحر في البلاد. وكان الدولار يساوي في 11 نيسان 60000 ريال إيراني، في حين كان في أيلول العام الماضي يساوي 36000 ريال إيراني. وقام الآن روحاني بتثبيت سعر مزدوج ودمج سعر السوق مع سعر البنك المركزي الرسمي، وضبطه عند سعر 42000، في خطوة يائسة للسيطرة على هذا السقوط. كما انخفض الريال في الأسبوعين السابقين بنسبة 20% بسبب ضوابط البورصة.

القصف على سوريا

من الواضح في هذه المرحلة أن الهدف الأساسي من الاستعداد الكامل للقصف الأمريكي – البريطاني – الفرنسي الغير قانوني للأهداف السورية في 14 نيسان، كان صنع تغيرات كبيرة في اللعبة والعلاقات السورية الروسية الإيرانية. الهدف الحالي لكل المحافظين الجدد الذين يديرون سياسة ترامب وحكومة نتنياهو في إسرائيل، هو إخراج إيران من سوريا. وقالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة المحافظة الجديدة "نيكي هالي" في اليوم الثاني للضربة العسكرية في 15 نيسان، في حديثها لقناة فوكس الإخبارية أن الولايات المتحدة ستخرج من سوريا عند استيفاء ثلاث شروط: "وقف استخدام الأسلحة الكيميائية، وهزيمة داعش بالكامل، ومراقبة الإيرانيين". وهذا يعني أن القوات الأمريكية تخطط في هذه المرحلة لإقامة طويلة في سوريا.

على الرغم من الضربة العسكرية الأخيرة، فإن المرحلة الآن مهيأة للجماعات الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة لتفجير هجوم كيميائي كاذب آخر لتبرير ضربات مدمرة جدا على سوريا على غرار بلغراد في عام 1999. وماذا كانت تقصد "هالي" بقولها مراقبة الإيرانيين؟

وكانت النتائج الواضحة للعقوبات الثقيلة الجديدة ضد روسال والشركات الروسية الأخرى، بالإضافة إلى انخفاض الروبل في الأيام الأخيرة، إلى جانب قضية سكريبال، وتليها التقارير الزائفة للخوذ البيضاء حول استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة، كلها كانت تهدف لتخفيف الدعم الروسي للوجود العسكري الإيراني في سوريا. وقال ترامب في كلمته التي ألقاها حول الغارة الجوية على سوريا في 13 نيسان: "لدي الليلة أيضاً رسالة إلى إيران وروسيا"، ثم ركز على روسيا قائلاً: "على روسيا أن تقرر ما إذا كانت ستستمر في هذا الطريق المظلم أو تنضم إلى الأمم المتحضرة كقوة للاستقرار والسلام".

ووفقاً لموقع Oilprice.com، فإن وضع العملة الإيرانية يتفاقم بسبب الإجراءات المعتمدة من قبل الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة لعرقلة إعادة الدولارات من صادرات النفط الإيرانية. وقال حاكم البنك المركزي الإيراني "ولي الله سيف": "إن الأعداء خارج حدودنا يُغذون هذه القضية بمختلف الأِشكال ويعملون لجعل الظروف أكثر صعوبة بالنسبة للشعب".

هل تتجدد عقوبات الخزانة الأمريكية؟

إن تنظيم القصف الذي قادته الولايات المتحدة على سوريا، بغض النظر عن الأهداف التي تم ضربها أو لم يتم، فقد مهد لمرحلة التصعيد الكبير من أجل العقوبات الجديدة ضد إيران، وبالتالي زعزعة استقرار كبيرة، وهو أمر لم يكن ممكناً في 2009.

وما يتبلور اليوم من جانب واشنطن هو الاستعداد لإطلاق موجة جديدة من العقوبات الاقتصادية والمالية على إيران.

وصرح وزير الخزانة الأمريكي "ستيفن منوشين" أمام الكونغرس الأمريكي في 12 نيسان قبل يومين من الهجمات على سوريا، أن هناك إمكانية لإعادة فرض العقوبات على إيران، في الوقت الذي يزعمون فيه أن الولايات المتحدة لم تنسحب من الاتفاقية النووية الإيرانية. فقد قال أمام جلسة استماع مجلس النواب: " إذا قرر الرئيس عدم التوقيع على تنازل، فهذا لا يعني بالضرورة أننا سننسحب من الاتفاقية. وما يعنيه ذلك هو أن العقوبات الأولية والثانوية ستعود إلى مكانها الصحيح". وقال دبلوماسيون أوروبيون لوكالة "رويترز" أنه حتى إذا قررت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا البقاء في الاتفاقية، فإن الشركات الغربية ستنسحب من إيران بسبب التهديد بالعقوبات الأمريكية". وهذا سيعني فرض طوق اقتصادي مدمر على البلاد.

وأضاف "منوشين" أنه من الممكن فرض عقوبات قوية جداً على إيران، فقد قال: " إذا لم يوقع الرئيس فإن العقوبات ستعود لمكانها الصحيح، وأعتقد أن العقوبات الأولية والثانوية سيكون لها تأثير مهم على الاقتصاد الإيراني، وهذا أمر يتم التفكير فيه وموازنته". وأصبحت وزارة الخزانة الأمريكية جزءاً من مجلس الأمن القومي وتتحدث عن العقوبات الذكية.

وقال "منوشين" للكونغرس إن وزارة الخزانة تعمل على فرض عقوبات مستقلة تماماً عن الصفقة النووية، مما يجعل اللعبة بعيدة عن كون لها علاقة بالبرنامج النووي الإيراني، بل لها علاقة بإيران التي تشل نفسها اقتصادياً وتزعزع استقرارها. وإذا نظرنا عن كثب إلى الجولة الأخيرة من عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على الشركات الروسية الرئيسية، فمن الواضح أن واشنطن تشعر بالجرأة بحيث لم يعد عليها أن تبرر بأي طريقة جادة فرض العقوبات على بلد ما.

ضغطت وزارة الخزانة الأمريكية في عام 2012 خلال إدارة أوباما، على دول الاتحاد الأوروبي والتي أمرت بعد ذلك شركة "سويفت" والتي هي جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك في جميع أنحاء العالم، بقطع جميع خطوط الائتمان مع البنوك الإيرانية بما في ذلك البنك المركزي، الأمر الذي وجه ضربة مدمرة لقدرتها على كسب الدولارات لصادرات النفط الإيراني وغيرها. كان ذلك غير مسبوق واستمر لمدة أربع سنوات حتى تم إعادة إنشاء روابط "سويفت" في أعقاب الاتفاقية النووية لعام 2016.

عندما تتحدث وزارة الخزانة الأمريكية عن عودة العقوبات الأولية والثانوية إلى مكانها الصحيح، فمن الواضح أن البعض في واشنطن يخطط للضغط على الاتحاد الأوروبي مرة أخرى لقطع خطوط "سويفت". ويمكن أن يكون التبرير هذه المرة هو وجود إيران في سوريا. 

وبالنظر إلى الحالة الضعيفة للاقتصاد الإيراني، فإن إلحاق ضرر هائل بهذا الاقتصاد من قبل أعدائه وهم الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل لن يتطلب هجوماً عسكرياً (وهو أمر صعب على أية حال). وسيكون الوضع المحتمل كما كان الحال في يوغوسلافيا في عام 1989 بسبب الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها الولايات المتحدة، ويمكن أن تقوم واشنطن بإعادة إطلاق منظماتها الديمقراطية غير الحكومية تحت مظلة مؤسسة وطنية للديمقراطية أو مؤسسات سوروس، في محاولة لتقسيم الإيرانيين ونشر الفوضى. 

ومن الواضح الآن، مع تخلي واشنطن ولندن عن أي تظاهر بقواعد القانون الدولي لتبرير أعمالها الحربية، فإن إيران تواجه جولة جديدة من الحرب الاقتصادية. ويمكن أن تصبح الأمور سيئة أكثر بعد 12 أيار، وسوف يستهدف ذلك إيران، وبالتالي مبادرة طريق الحرير الصيني، والتعاون الاقتصادي مع روسيا. وإذا نجح هذا الأمر فمن المؤكد أن المزيد من الاستهداف لروسيا والصين سيكون في المرحلة التالية. وإذا فشلت القوى الاستراتيجية الأوراسية الرئيسية في تعزيز تعاونها المتبادل على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فسيصبح الأمر أسهل على واشنطن لفرض هيمنتها بلا منازع. ولن يكون هذا أمراً جيداً بالنسبة لاحتمالات السلان العالمي.