ترامب يكشف السبب الوحيد للبقاء في الشرق السوري والأوسط

07.12.2018

منذ وصوله الحكم قبل عامين، لم يوفر ترامب مناسبة واحدة، ليكشف فيها السر والدافع الجوهري، والسبب الأساس لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والذي يدفعها "للبقاء" في الشرق الأوسط عامة، والشرق السوري خاصة.

ترامب، وفي خطاب له نهاية آذار الماضي، معلنا حينها نية بلاده الانسحاب من سوريا، لسبب تحقيق واشنطن الغاية من وجودها في شرق الفرات، والذي حدده يومها قائلا "بالتخلص من داعش"، وترك الأمر "لشركاء" واشنطن الآخرين، ومبررا ذلك بالقول "لقد حققنا الهدف من وجودنا إلى حد كبير".! فما الذي حصل حتى الآن؟ ولماذا لم يتم هذا الانسحاب "المزعوم"؟

إذا كانت داعش قد هزمت في كل من سوريا والعراق، بشكل كبير وشبه نهائي؟ وإذا كان الإرهاب الذي اجتاح سوريا خاصة، والمنطقة عامة، قد تمت السيطرة عليه، وتم تحرير معظم المناطق والمدن، التي سيطر عليها هذا الإرهاب خلال السنوات الماضية، في كل من سوريا والعراق ولبنان؟ فلماذا المماطلة والمراوغة الأمريكية في البقاء؟ 

الجواب ببساطة هو إسرائيل، فرغم ماهية كل التطورات الحاصلة، والتي تصب في عكس الصالح الأمريكي، يوما بعد يوم، فالأمر يتمثل وباختصار "بإسرائيل"، حسبما صرح ترامب في 27 الشهر الفائت، لصحيفة واشنطن بوست، متسائلا:

"هل سنبقى في تلك المنطقة؟ هناك سبب واحد للبقاء هو إسرائيل؟"، ومؤكدا أن النفط كسبب للوجود الأمريكي "تتضاءل" أهميته، والإنتاج الأمريكي "أكبر" من أي وقت مضى، ما يعني الوصول فجأة إلى نقطة "لن نحتاج إلى البقاء فيها هناك" أي الشرق الأوسط، على حد تعبيره...! 

ترامب، كان قد بين ذلك أيضا، في 22 الشهر الفائت، وفي خضم الجدل الأمريكي- الأمريكي، والعالمي، على خلفية مقتل الصحفي السعودي جمال الخاشقجي، وما رافق القضية من تبعات، قائلا: "إذا نظرتم إلى إسرائيل، فإن إسرائيل ستكون في ورطة كبيرة من دون السعودية، فماذا يعني ذلك؟ هل تريدون أن تغادر إسرائيل المنطقة"؟

إن تعمد تشتيت الانتباه، وحرف الأنظار، عن السبب الرئيس للدوافع الأمريكية في البقاء في منطقة الشرق الأوسط، وفي الشرق السوري خاصة، يبدو أنه ما عاد يجدي نفعا، مع وجود شخص كالرئيس الحالي ترامب في البيت الأبيض، وهذا ما يفسر ربما الصراعات الداخلية، التي تخوضها إدارته، في وجه المناهضين لها، ضمن البيت الأمريكي الواحد.

فالوجود الأمريكي في شرق الفرات، هدفه المضمر والمعلن، بات اليوم هو حماية أمن وبقاء إسرائيل، قاعدة الغرب المتقدمة في هذا الشرق، والتي على ما يبدو كل يوم يمضي، تصبح عبئا أكبر، وحملا ثقيلا، على من أوجدها وعلى من تعهد حمايتها..!

ولكن المستهجن في الأمر، هو ربط واشنطن خروج قواتها من شرق الفرات، بخروج القوات الإيرانية، و"الاستشارية" فقط، بحسب التصريحات الدائمة للدولة السورية، وذلك تلبية للرغبة الإسرائيلية، التي تستشعر الخطر جراء هذا الوجود الإيراني.

فهل حقا هذه هي أمريكا الدولة العظمى، التي تقايض وجودها، بوجود قوات أو مستشاري إيران الدولة الإقليمية؟ 

وهل حقا باتت عقدة إسرائيل الوحيدة اليوم في سوريا هي طهران؟ 

إذا، ماذا عن "كورنيت" المقاومة الفلسطينية في غزة مؤخرا؟ 

وماذا عن عملية "درع الشمال" ورحلة البحث عن "أنفاق" حزب الله المقاومة اللبنانية، التي بدأتها تل أبيب مؤخرا أيضا؟

وماذا عن الردع الصاروخي الذي واجهته تل أبيب عشية 29 الشهر الفائت، في محاولة أولى لها، وفاشلة، لمعرفة فعالية صواريخ"S-300" ، بعد أن استلمتها الدولة السورية من موسكو منذ شهرين، على خلفية إسقاط الطائرة الروسية  "إيل-20" مساء 17 سبتمبر/أيلول الماضي.

إن محاولات الإدارة الأمريكية الحالية جميعها، تصب في هذا الهدف الوحيد، كما يبدو، سعيا للحصول على صك ضمان، بعدم شن حرب على إسرائيل، قد تكون حرب زوالها بحسب كل المعطيات.

فواشنطن أكثر الواعيين اليوم للقوة التي بات يمتلكها محور المقاومة، مضافا لها القوة المتعاظمة جراء الشراكة الإستراتيجية القائمة مع القطبية الروسية العالمية الجديدة، والتي لم تدع فرصة، منذ قرارها الاستراتيجي بتلبية دعوة الدولة السورية، نهاية تشرين الأول ٢٠١٥، والتدخل بقواتها الفضائية إلى جانب الجيش السوري، في مواجهة موجة الإرهاب العالمية التي عصفت بها. لتراكم بذلك القوة يوما  بعد يوم، حتى بات يتوازى الآن ردعها السياسي، مع سياستها الردعية، التي أعلنتها كقوة عظمى وقطب عالمي في محور محاربة الإرهاب.

وما كل ما تقدم عليه واشنطن، مع تحالفها الدولي غيرالشرعي، في شرق الفرات، من قصف متكرر بات شبه يومي على مناطق وقرى عربية في مدينة دير الزور، ومن اعتداءات طالت مؤخرا مواقع للجيش السوري في منطقة السخنة، ومن دعم لبقايا المسلحين التابعين لتنظيم داعش، والاستمرار في بيع الوهم "الكنتوني الفيدرالي" للانفصاليين الكرد، وتأخير معركة إدلب قدر الإمكان، على أنها أوراق قوة! 

ما هي إلا أوراق فوضى، وجملة مناورات لا تعدو كونها "تكتيكية" آنية، لكسب مزيد من الوقت، على أمل أن يستجد شيء ما، في أروقة ما، في مكان ما، تحصل بموجبه واشنطن على ضمانات مصيرية، بما يخص حماية أمن، وضمان بقاء إسرائيل، الدافع الوحيد لبقائها في هذا الشرق السوري والأوسط، بحسب ترامب...! إسرائيل المتخبطة، والتي تعيش اليوم أحلك ظروفها وأوقاتها، ولكن؛ نعتقد أنه لا طائل من كل ذلك، فالمنطقة اليوم غير أمس ...