ترامب والجنون النووي والردع الروسي

03.03.2018

منذ السبعينيات وفي واشنطن عمل جاد لبناء أسلحة نووية تكتيكية تستخدم في الحروب التقليدية، وتتمتع بكونها خفيفة الحمل والقدرة على الإطلاق كقذائف وصواريخ تقليدية تُحمل على شاحنات أو يُحمل بعضها على منصات قابلة للنقل بواسطة عربات مدرّعة، ويصلح بعضها للحمل ناقلات خفيفة، وتبلغ قدرتها التدميرية بين 100 طن و1 كيلوطن يمتدّ أثرها لدائرة محيطها بين 1 و 100 كلم، بالقياس للقنابل الاستراتيجية التي تبلغ قدرتها التدميرية ما فوق الـ10 كيلوطن من الـ «تي أن تي»، ولا يمكن إطلاقها إلا من منصات ثقيلة ثابتة أو غواصات ضخمة أو طائرات نقل عملاقة، ويبلغ مدى تأثيرها عشرات ومئات الكيومترات أحياناً، والنقاش حول استعمال هذه الأسلحة التكتيكية جاء مترافقاً مع البحث عن كيفية حسم الحروب التقليدية عندما تكون على الضفة الموازية قوة لا يُمكن إلحاق الهزيمة السهلة بها، والخشية من دخول صراع نووي إذا ما تمّ اللجوء إلى سلاح نووي استراتيجي. ورغم هذا النقاش بقيت الخشية من التورّط في مواجهة نووية بسبب هذه الأسلحة سبباً لتفادي استخدامها.

 منذ العام 2010 وظهور الضعف في الوضعية السياسية والعسكرية الغربية في الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الفشل في حربي العراق وأفغانستان، والتحضير للمواجهات التي عرفتها المنطقة بعد العام 2011، وتصاعد مع الفشل في سورية خصوصاً، بحيث بلغت البحوث والدراسات والمقالات المنشورة في مواقع أميركية وغربية حول هذه الفرضية المئات، وأغلبها لضباط كبار سابقين خدموا في الحروب التي عرفتها المنطقة، وبقي الكلام عنها متصاعدا ليخفت مع التموضع الروسي عسكرياً في سورية ودخول موسكو بشكل نشط على خط الحرب، ليعود مجدّداً مع التقدّم الذي يحققه الجيش السوري في استعادة الجغرافيا السورية، والقلق الأميركي من مواجهة اللحظة التي حذّر منها السفير الأميركي السابق في روسيا روبرت فورد، حيث يسقط الكانتون الكردي ويصير على واشنطن حزم حقائبها.

 السيناريو المتداول يقوم على ضربات تدميرية للمواقع العسكرية السورية، خصوصاً المطارات التي تشكل نقاط تجمّع للقوات وتحيطها شبكات الدفاع الجوي، وتنطلق منها الطائرات، والحديث عن جوار حمص ودير الزور المفتوح على البادية خصوصاً، كمواقع تفتح الطريق للجماعات المسلحة لربط الغوطة بالتنف عبر البادية، والإمساك مجدّداً بخط الحدود السورية العراقية، من ضمن موجات قصف صاروخي بالستي لعشرات المواقع المدنية والعسكرية الاستراتيجية التي تخصّ الدولة السورية وتلك التابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني، ما يجعل خيار الحسم العسكري صعباً على سورية وحلفائها، ويتيح وضع المشروع الأميركي بتقاسم نفوذ واقعي للجغرافيا السورية، وإنهاء فرص قيام دولة سورية موحّدة، على الطاولة مجدّداً، وفقاً لما تضمّنته وثيقة الخمسة التي وضعتها واشنطن ووقّعت عليها فرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، و«إسرائيل» ضمناً، التي سيكون لها نصيب من عمليات القصف والاستهداف لردّ الاعتبار لهيبتها المهدورة مع إسقاط الدفاعات الجوية لطائرتها المميّزة الـ«أف 16».

القراءة الروسية لهذا السيناريو لا تنفصل عن المعلومات التي نشرها الروس ويعيدون نشرها يومياً عن سيناريو مدبّر لاستخدام الجماعات المسلحة أسلحة كيميائية واتهام الدولة السورية بها لتبرير سيناريو الضربة، وتسويقها على مستوى الرأي العام، كضرورة لتحمّل تبعاتها، ولجم الردّ الروسي عليها. ولذلك كانت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي لم يسبق لرئيس روسي وفي أيام الاتحاد السوفياتي أن نطق بمثلها، لجهة حجم ونوع التحدّي والتهديد، باللجوء لصواريخ نووية تكتيكية طوّرتها موسكو، لا تلتقطها الرادارات ولا يمكن إسقاطها، إذا قامت واشنطن باستهداف روسيا أو أيّ من حلفائها، سواء بصواريخ بالستية أو بضربات نووية تكتيكية، وتوضيح الناطق بلسان الكرملين عن تصريحات بوتين، وسورية، وعدم وجود معاهدات شاملة معها، تخفيفاً للتوتر الناتج عن كلام بوتين، يأتي كالكلام الأميركي الذي سبق التوضيح عن عدم قيمة التحذيرات الروسية والتهويل بنوع السلاح الجديد، لأنّ الرسالة وصلت.