طموحات الرئيس بوتين الدولية.. وتحديات الجغرافيا الاقتصادية

19.05.2017

(أصبح الاقتصاد والمصالح الاقتصادية للدولة هي الهدف الرئيسي في مجال المنافسة العالمية، وأنه يتزايد استخدام مجموعة واسعة من القيود الاقتصادية من قبل الدول الأجنبية لتحقيق أغراض جيوسياسية ومحلية) بهذه الكلمات لخصت دائرة الصحافة التابعة لمجلس الأمن الروسي رؤية روسيا للصراع الدولي، فلا مكان للتنافس الأيديولوجي كما كان سابقاً في حقبة الحرب الباردة، ولا نية للتوسع العسكري لأغراض عقائدية في مواجهة مشاريع مضادة، بل إنّه الاقتصاد محرك الاستراتيجيات، وعلى هذا الأساس أقر الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين استراتيجية الأمن الاقتصادي لروسيا في الفترة حتى عام 2030، والتي تهدف حسب نص الوثيقة" إلى مواجهة تحديات وتهديدات الأمن الاقتصادي، والوقاية من الأزمة في احتياطات المواد الخام و المجالات الصناعية، والمجالات العلمية-التكنولوجية والمالية، وكذلك لمنع تدهور مستوى المعيشة"، وهذا يدلل على أنّ بوتين يجهز روسيا لمرحلة انتقالية حتى العام 2030 ريثما تستعيد مكانتها الدولية في عالم متعدد الأقطاب أو أقله لا مكان للقطبية الأحادية.

و تعد هذه المرحلة هي الأصعب منذ العام 1991، حيت ستستعر الحرب الاقتصادية على روسيا وربما أكثر، فاستعادة مكانة روسيا ليس مرتبط فقط بإبراز العضلات العسكرية على أهميتها طبعاً، فتحديث (80 % ) من الجيش الروسي يعد أساساً للانتقال نحو المنافسة الدولية، ولكنه غير كاف، فروسيا قوة دولية صاعدة وراغبة في إحداث التغيير في بنية النظام الدولي ولكنها غير قادرة بمفردها على إحداث هذا التغيير، وهي بحاجة الى تحالفات متينة مع قوى صاعدة أخرى كالصين التي تعد بدورها قوة دولية صاعدة ولكنها غير راغبة بهذا التغيير، وأي تحالفات سياسية أو حتى حوارات عميقة تجريها مع الولايات المتحدة مثلاً لا تستند إلى شبكة آمان اقتصادية فهي حكماً عرضة للتقلبات والتجاذبات السياسية.

لذلك رأينا تشبيكاً اقتصادياً روسياً صينياً بمئات المليارات من الدولارات وآخره خطوط الطاقة الروسية الى الصين، بينما العلاقة الاقتصادية الروسية الأميركية لا يبنى عليها لتأسيس حوار أو تفاوض حقيقي يفضي الى نتائج مستقرة على عكس العلاقات الصينية الأميركية، فهل الاقتصاد الروسي الذي يستند إلى موارد الطاقة بشكلٍ مكثف يؤهل القيادة الروسية لقيادة منافسة دولية شرسة على إحداث تغيير في نسقها الدولي؟.

حقيقة، أرقام الاقتصاد غير مشجعة أو تبعث على التفاؤل فتراجع الاقتصاد الروسي في عام 2016 ككل بنسبة 0.6%،  ونموه بنسبة 0.5% على أساس سنوي 2017، سيعرقل المهمة الروسية الدولية، التي يعتمد اقتصادها بنسبة (50 % ) على واردات قطاع الطاقة، وبدرجة مهمة على صادرات سوق السلاح الدولي حيث حافظت روسيا في السنوات الست الاخيرة على المركز الثاني عالميا كأكبر مصدر للأسلحة بعد الولايات المتحدة الأميركية، حيث جاوز المبلغ الإجمالي لتلك لمبيعات 15 مليار دولار، وتم توقيع عقود جديدة بنحو 14 مليار دولار لمدة خمسة سنوات قادمة، ناهيك عن اعتماد الاقتصاد الروسي على سوقي الطاقة والسلاح كقاعدتين رئيستين له وبدرجة أقل على صادرات روسية من المعدن الخام ، وتواجه هذه الأسواق وفرة في العرض، وهو أمر ليس إيجابياً بدرجة كبيرة نظراً لحجم تأثير المنافسة والصراع الدولي عليهما، وهو ما عانى منه الاقتصاد الروسي مؤخراً بفعل السياسات السعودية بزيادة انتاج النفط الخام وتخفيض الأسعار في حرب الطاقة على روسيا منذ العام 2015، في نموذج يحاكي أواخر الحقبة السوفيتية.

وفي سوق الغاز الدولي تجري حروب في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لمد أنابيب غاز الى اوروبا لكسر الهيمنة الروسية على تلك السوق، سواء بخطوط شرق المتوسط الى اوروبا مباشرة او إعادة احياء خط نابوكو في تركيا، وفي المقابل أيضاً تفعيل خط أنابيب المغرب العربي–أوروبا(MEG)، لنقل الغاز الافريقي الى اوروبا، وهو ما اضطر شركة غاز بروم الروسية الى خوض معارك استثمارية ضخمة لتلافي هذه المشاريع سواء في مصر حقل ظهر او المغرب، وهو ما نجحت به الى حد الآن، ولكنه يبقي الاقتصاد الروسي غير مستقر.

وبالتالي إذا ما ارادت روسيا الانتقال إلى وضعية جديدة في النظام الدولي ينبغي لها تجاوز عقبات الاقتصاد بشقيه الداخلي والخارجي، والداخلي أهم من الخارجي، حيث تخوض روسيا صراعات ومنافسات دولية على أماكن تمركز الجغرافيا الاقتصادية الحيوية الدولية كسورية والمغرب وباب المندب وسابقا القرم، وتجري ارهاصات لصراع مع الولايات المتحدة على الاسكا والقطب المتجمد، ولا يخفى سراً القول أنّ حلفاء روسيا الإقليميين ينافسونها في ذات قطاع الطاقة وهو أمر يعقد الحسابات الاقتصادية الروسية لصالح إبقاء هذه التحالفات ايران مثلاً، وبالانتقال إلى الوضع الاقتصادي الداخلي، فالأمر شديد الحساسية في روسيا، فخلال ربع القرن الماضي، أفلس عدد من المصانع الكبيرة و لأسباب مختلفة و ذلك بحسب الاحصاءات الصادرة عن وزارة الصناعة و التجارة في روسيا الاتحادية و بتعبير آخر اختفت مصانع عن الخارطة الاقتصادية لروسيا مثل  مصانع السيارات الثقيلة ومؤخرا انسحب من 3 إلى 6 مصانع للسيارات، وذلك بسبب نقص الطلب على بعض موديلات السيارات، يذكر أن شركة "GM" قد غادرت العام الماضي السوق الروسية، و لحقتها شركة "تويوتا" اليابانية التي تخلت عن إنتاج موديل "لاند كروزر برادو"، وشركة "سانغ يونغ" الصينية التي أوقفت تجميع سياراتها في الشرق الأقصى الروسي، و أدت عمليات الافلاس التي جرت على مدى العامين الماضيين(2015/2016) تقريباً الى تعطيل مصانع انتاج رافعات سكك الحديد و المعدات الاخرى المرتبطة بها "كيروف  "KMZ 1" الحكومية, و هي كانت المنافس الوحيد لمصنع  لايبزيغ النمساوية، التي تسعى منذ تسعينات القرن الماضي للحصول على موطئ قدم في السوق الروسية سواء في توفير المنتجات الجاهزة أو افتتاح مصانع تجميع دون نقل تكنولوجيا أنواع رئيسية من الملحقات والمكونات، والتي بطبيعة الحال لا تتناسب مع الجانب الروسي، و فاوضت هذه الشركة النمساوية/الالمانية الجهات الحكومية التي تمثلها شركة سكك الحديد الروسية من أجل تحديث و تطوير مئات الرافعات القديمة و ذلك بحسب المعلومات الصادرة عن مجموعة العمل التي قامت بالتفاوض، و توقفت العديد من الدول في آسيا وأوروبا عن دعوة "KMZ 1" للمشاركة في مناقصات لتوريد وإصلاح السيارات من هذه الفئة، و في المحصلة أن إغلاق مؤسسة "ك أم زد- 1 مايو " لا يشكل خطر كارثي على الاقتصاد الروسي فحسب بل على الأمن القومي في روسيا الاتحادية ككل لحساسية هذا القطاع الحيوي في روسية ،ومن هنا نرى أن رافعات السكك الحديدية تلعب اليوم وفي المستقبل دوراً هاماً في تطوير الخطوط الحديدية، ومرافق  لوجستية أخرى، بل أكثر من ذلك خاصة عند حدوث أي حالة طارئة  في مثل هذا القطاع الهام لأي دولة, وهو نموذج معرض للتكرار في روسيا، في قطاعات أخرى.

وعلى الرغم من بعض المؤشرات الإيجابية في الاقتصاد الروسي، لكنّه مازال في حاجة ماسة إلى إصلاحات هيكلية تضمن النمو الاقتصادي المستقر، وتحفيز الصناعات الوطنية الروسية، لتوفير مقومات الصمود لهذه الصناعات أمام منافسة صعبة بمواجهة الشركات المتعددة الجنسيات التي بدأت بغزو الأسواق الروسية بعد انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، فمنذ العام (2014)،و الاقتصاد الروسي يعاني حالة ركود، تشكل عراقيل في وجه الرغبة الروسية في بلوغ القطبية الدولية المتعددة التي تكرر ذكرها على السنة ممثلي روسيا في مجلس الامن بمناقشات تخص الازمتين السورية والاوكرانية، وخصوصاً أنّ موسكو مقبلةٌ على سباق تسلح نوعي وليس كمي فالقوة والتطور الذي يبديه السلاح النوعي الروسي سيحفز الولايات المتحدة على اطلاق هكذا سباق، فمشاريع  عسكرية روسية ضخمة كالغواصة ليوبارد النووية الحاملة لصواريخ كاليبر كروز، إضافة  الى سعي روسيا لامتلاك الغواصات النووية ذاتية القيادة وحاملة الطائرات الروسية النووية المستقبلية شتورم، واحتمالا دخول الولايات المتحدة في سباق تسلح ضد هذه المشاريع الروسية، تحتاج إلى بنى اقتصادية مستقرة وإلّا ستنعكس سلباً على الاقتصاد الروسي، سيما أنّ محاولات أميركية حثيثة لإقحام موسكو في حروب استنزاف عسكرية في سورية وأوكرانيا وربما تتطور الى أفغانستان قريباً.
ختاماً.. فالدبلوماسية الاقتصادية الروسية قد تنعكس سلباً على الاقتصاد الروسي مالم يتم دعم بنى الاقتصاد الروسي من جهة والمستثمر الروسي من جهة أخرى الذي يعاني التمييز ضده في أسواق الاستثمار الدولية، فهل ستحل رؤية السيد بوتين للأمن الاقتصادي تلك الإشكاليات وتذلل العراقيل؟ نعتقد أن كثيراً من شعوب الأرض المستضعفة تأمل ذلك.. لمساعدة روسيا على تحقيق التوازن الدولي الذي يتطلب بنية اقتصادية روسية متينة.