تحالف الشر الجديد ..رسائل النار الأميركية

08.04.2017

انقلابٌ تام الأركان جرى بهدوءٍ في أركان إدارة ترامب على الترامبية ذاتها، فبعد إقالة أهم مستشاري حملة ترامب الانتخابية بولمان فورت وكوريليف اندوفسكي،تواصلت حملة الانقلاب على "الشعبوية الترامبية" وتقاربها مع موسكو وتحويل هذا التقارب إلى "خيانةٍ عظمى"، وما إقالة مايكل فيلين مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق إلّا ضمن هذا التوجه (14/2/2017)، ومؤخراً تم إقالة ستيفن بانون من مجلس الأمن القومي وهو منظر "الشعبوية والاسلاموفوبيا" في تيار ترامب الانتخابي(6/4/2017), وفي كلّ هذا التحول في شكل الإدارة الأميركية كان صهر الرئيس "جاريد كوشنير" عراباً له أو في خدمة توجهه السياسي، حتى بلغ الحدّ وصف هذا الرجل بـ"رئيس الظّل" للولايات المتحدة، ليهيمن تيار (مكماستر- كوشنر) على الجناح الغربي في البيت الأبيض وهو مقرر السلم والحرب في (USA)، ومعه يصبح المقرر الفعلي والمحرك الأساسيّ لكلّ تحركات الرئيس ترامب الذي كلف صهره جاريد كوشنر مهمة إجراء تعديلات في إدارة البيت الأبيض من خلال تطبيق أفكار من عالم الأعمال، حسبما أوردت صحيفة واشنطن بوست، وتم العمل مباشرة (28/3/2017) على تدشين مكتب التطوير في البيت الأبيض الذي سيشمل إصلاح الإجراءات الإدارية وتحقيق وعود الحملة الانتخابية" في جعل أميركا عظيمة مجدداً"، وعلى ما يبدو أنّه باشر مهمته بإقالة ستيفن بانون كبير المخططين الاستراتيجيين في مجلس الأمن القومي الأميركي، وباتت الإدارة الأميركية "نخبوية" بامتياز عبر فريق عملٍ هو خليطٌ من محافظين جدد وجمهوريون شوفينيون لايجدون تناقضاً بين اعتبارهم "إسرائيل" أولوية أميركية قصوى من جهة، ونزعاتهم اليمينية المحافظة في تعريفهم الهوية الأميركية ونظرتهم لأميركا وللأحادية القطبية من جهةٍ مقابلة، وأمام هذا الفريق الأميركي "النخبوي" يبدو الرئيس أكثر خضوعاً لآرائهم بعد سلسلة متواصلة من الهزائم لحكمه أرخت ظلالها على الأداء الأميركي العام وباتت تهدد الاستقرار الأميركي بالخطر.
الحاجة إلى أموال محمد بن سلمان (200) مليار دولار.
تقوم كلّ الوعود " الشعبوية الترامبية" ومغازلة الطبقة الوسطى الأميركية في تأمين فرص العمل وخفض الضرائب على برنامج ترامب في إلغاء أو تعديل برنامج الضمان الصحي المعروف بـ"اوباما –كير" وتعديله بما يحقق وفراً قدره (300-500) مليار دولار يمكنه الاستفادة منها في تنفيذ برنامج الانتخابي، ولكنّ النكسّة الترامبية في تمرير هذا التعديل وإخفاقه حتى في إقناع قادة الحزب الجمهوري في تمريره بالكونغرس، جعل من صفقة محمد بن سلمان (15/3/2016) بوابةً لحلّ مأزقه الداخلي والذي أدى إلى انهيارٍ في نسبة شعبيته بمقدار قدره (35%).
جاريد كوشنر عراب "الناتو السني" بقيادة "إسرائيل".
بناءً على نصيحة جاريد كوشنر اليهودي المتدين والصديق المقرّب من نتنياهو، تبنى الرئيس ترامب "المقاربة الإقليمية" التي تحدث عنها نتنياهو رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، وتتضمن" سلاما شاملاً في الشرق الأوسط بين إسرائيل والدول العربية" يؤسس لسلام بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" بعد هدم أسس حل الدولتين، وكلّف كوشنر شخصياً بهذه المهمة ورشحّه كمبعوثٍ خاص لإنهاء نزاع الشرق الأوسط، وفي هذا السياق يمكن فهم الأهمية المصرية والأردنية الخاصة لدى إدارة ترامب، لأهميتهما في تمرير هكذا سلام في المنطقة.
الرئيس وصهره عالقان بحفرة.
منذ اليوم الأول لتوليه سدّة الرئاسة الأميركية والرئيس ترامب يواجه أزمةً خطيرة تتجسد في التشكيك بشرعيته نتيجة ادعاءاتٍ لقادة ديموقراطيين ومسؤولين في (CIA) عن علاقة لروسيا في التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية لصالحه، ومؤخراً ( 28‏/03‏/2017) قرر الكونجرس استدعاء جاريد كوشنير لاتصالاته بمسؤولين روس، إضافة إلى المواجهة بين إدارة ترامب والقضاء الأميركي على خلفية القرار الرئاسي بحظر دخول مواطني سبع دول عربية وإسلامية إلى الولايات المتحدة، ناهيك عن تعثر برنامجه لاستبدال الضمان الصحي، الأمر الذي دفع أسبوعية "ذيايكونوميست" إلى القول أن الرئيس ترامب "عالق في الرمال .. ورئاسته في حفرةحفرها بنفسه".
غارة (عالمية الأهداف ومحدودة التأثير) على سورية.
تحت وطأة الاحتقان الداخلي الأميركي، وأزمة "الشرعية "للإدارة الأميركية التي سبق ذكرها، اُتخذ القرار بتوجيه ضربةٍ صاروخيةٍ ضد قاعدة استراتيجية سورية كان جاريد كوشنر أيضاً عراباً لها بتحفيزٍ من المجمّع العسكريّ الصناعيّ (MIC)، في محاولةٍ من الإدارة البائسة تصدير الأزمة الداخلية الأميركية نحو الخارج، وإيذاناً بدشين مرحلة جديدة في الاستراتيجية الأميركية عنوانها (تحالف المحافظين الجدد الجديد)، لإعادة الاعتبار إلى القوة الأميركية التي تأذت كثيراً بفعل الصعود الروسيّ من بوابة الأزمتين السورية والاوكرانية، وما استخدام صواريخ التوما هوك إلّا رسائل ردٍّ على صواريخ كاليبر كروز الروسية في أحد جوانب صراع إظهار القوة المحتدم بين الطرفين، ولا يبدو توقيت تنفيذ الغارة في ذات اليوم لزيارة الرئيس الصيني بعيداً عن ذهنية وهدف المخططين الاستراتيجيين الجدد في الإدارة لإيصال رسائل إلى العالم برمتّه والى الحلف المضاد بأنّ مرحلة جديدة في إدارة الصراع قد بدأت عنوانها القوة المباشرة.
مناطق "الاستقرار المؤقت" الهدف التالي.
سريعاً تتجمع كلّ المعطيات السابقة وتتفاعل في سياقٍ واحد، غارةٌ أميركيةٌ لا تعدّ "إعلان حربٍ مباشرة" بقدر ما هي استعراضٌ للقوة، أعقبت زيارة الملك الأردني والرئيس المصري إلى واشنطن  (4/4/2017)، سبقها إعلان لوزراء دفاع حلف محاربة داعش (22/3/2017) عن تعهد الإدارة الأميركية في فرض مناطق "الاستقرار المؤقت" كأولويةٍ في سورية، من خلال حلفٍ جديدٍ لمحاربة داعش بقيادةٍ مباشرةٍ من الولايات المتحدة تكلّم عنه الرئيس المصري، تكون بوابته الجنوب السوري أيّ الحدود السورية الأردنية وصولاً  إلى التنف والبوكمال عبر "ميليشيات محلية" دربتها وسلّحتها الأردن بدعمٍ عربي، وتصبح معها صواريخ التوما هوك الأميركيّ بمثابة رسائل النار لمن سيعترض المخطط الأميركي الجديد، والذي يهدف لكسر صورة التفوق الروسي في سورية ومقدمةً لفرض الفدرلة  كأمر واقع.
نتائج عكسية وإرهاصات تصعيد.
سريعاً جرى استيعاب الغارة الصاروخية وفهم مقاصدها ودوافعها، بدءاً من تحطيم صورة التوما هوك الأميركي عبر سؤال وزارة الدفاع الروسية عن مصير (36) صاروخ تائهٍ جرى إطلاقه، ووصولاً إلى إمكانية تفعيل دفاع صاروخي سوريّ ودعمٍ في فاعلية الدفاع الجوي السوري، في نيةٍ روسيةٍ ليس للردّ على الغارة بل لتغيير ميزان التوازن الاستراتيجي بين سورية و"إسرائيل"، بما يضع إدارة ترامب وصهره كوشنر اليهودي في مأزقٍ تاريخيّ، ويعيد حسابات فكرة "مناطق الاستقرار المؤقت "إلى إطارها النظري، ومع هذا التصعيد الروسيّ في استيعاب الغارة تبقى كلّ الاحتمالات في تطور الصراع واردةً، سيما أنّ مأزق الإدارة الأميركية قد تعمق استراتيجياً بعد الغارة، إلّا إذا قرر الرئيس بوتين تخفيض سقف التوتر الحاصل ومنح الإدارة المأزومة سعر صرفٍ سياسيّ مرتفعٍ نسبياً بعد هذه الغارة في مقابل تجنب سيناريوهات أسوء.
سومر صالح –عضو المركز الدولي للدراسات الأمنية والجيوسياسية.