اتفاق المناطق الأربع .. ترابط ملف الطاقة مع انتهاء الحرب السورية

05.05.2017

من الواضح اليوم أن مسار أستانة "الروسي بامتياز" بات المسار الأهم في الملف السوري في بعد سلسة من الانتكاسات في أستانة 2 وأستانة 3 ومسار جنيف وصولاً لشبه انهيار المسار التفاوضي ككل بعد العدوان الأمريكي على مطار الشعيرات في (7\4\2017) ,ولكن مخرجات أستانة 4 تفرض علينا طرح سؤالين جدّيين  :
الأول ماذا يعني اتفاق مناطق "تخفيض التصعيد" في أستانة 4 !؟
الثاني ماذا بعد اتفاق مناطق "تخفيض التصعيد" في أستانة 4 !؟
ولابدّ للإجابة من العودة لفهم السبب الأبرز للحرب على سورية وهو خطوط الطاقة، حيث أن مخرجات هذا المؤتمر بالذات توضّح أن الملف السوري أصبح ملفين مترابطين جغرافيّاً ومنفصلين تفاوضيّاً بالوقت ذاته :
الملف الأول : (غرب الفرات) وبدأ يتبلور تدريجياً بمخرجات أستانة 4. هذا التبلور ظهر من خلال المقترح الروسي بمناطق "تخفيف التصعيد". وهو استكمال للدور الروسي في إيجاد صيغة توافقية مع الدول ذات الأهمية الإستراتيجية المباشرة للمصالح الروسية وهي إيران التي تمثل ثاني أكبر احتياطي للغاز في العالم بعد روسيا والتي بدأت مؤخراً التعاون مع قطر أيضاً بموضوع استثمار حقل غاز "الشمال"، والثانية تركيا التي تمثّل بيضة القبّان بالنسبة لأمن الطاقة الأوروبي بعد سورية التي تعيش حالةً من عدم الاستقرار تمنع الاستثمار ومد خطوط الطاقة عبر أراضيها.

الملف الثاني : وهو الأخطر وهو ملف "الجغرافيا السورية وبالذات شرق الفرات" واحتمالات التقسيم أو الفدرلة وفقاً لقواعد لعبة خطوط الطاقة، فمناطق "تخفيف التصعيد" هي مناطق غرب الفرات وهي تلوي الذراع الأمريكي الإسرائيلي الخليجي التركي جزئياً في موضوع "المناطق الآمنة" سواء في شمال أو جنوب سورية، لكن يبقى الجزء الثاني من الجغرافية السورية وهو شرق الفرات وإن كان قليل الأهمية من ناحية الاحتياطات الطاقية ولكنّه يحمل  ثلاث سمات تعطيه أهمية إستراتيجية بالغة :
الأولى وهو الأقل أهميّةً (ديموغرافية) من خلال التواجد الكردي الذي يسمح بإيجاد كيان شبيه بالكيان الإسرائيلي يهدد الأمن القومي التركي والمصالح الإيرانية الروسية، ويسمح للأمريكي التحكم بالمنطقة، ويجعل حتى الأكراد في حالة من التبعية للولايات المتحدة الأمريكية.
الثانية (جغرافية) حيث يمكنه أن يكون منصّةً لقطع التواصل الجغرافي بين إيران والعراق وسورية ولبنان وبالتالي المساهمة في إضعاف حزب الله وضمان أمن إسرائيل، وهذا ما ورد في مقترحات وزير شؤون الاستخبارات الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" للإدارة الأمريكية في وثيقة تضمّنت خمسة بنود تطلب اعترافاً أمريكياً بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، إضافةً إلى ضرورة تكثيف الجهود الأمريكية الإسرائيلية المشتركة لمنع قيام تواصل جغرافي من إيران عبر العراق فسورية ومنها إلى لبنان.
الثالثة وهي الأهم على المستوى الاستراتيجي كون الصراع في سورية بالدرجة الأولى هو صراع خطوط الطاقة حيث تمثل منطقة شرق الفرات ممراً لخط غاز نابوكو من قطر مروراً بالسعودية فالأردن فسورية ومنها إلى أوروبا مما يعني بدوره فك قبضة الطاقة الروسية على أوروبا وهو مطلب أمريكي قطري إسرائيلي بامتياز، خصوصاً في محاولات التفلّت من مسار نابوكو البرّي الوحيد عبر سورية وذلك بالسعي لاستكمال هذا المسار من خلال الأراضي التي يسيطر عليها الكيان الإسرائيلي عن الطرق البحرية.
بمعنى أن المسار الثاني يكتسب خطورته من منطلقين :
الأول (إقليمي ضيّق) : حيث أن المحور المعادي لسورية والذي كان خارج أستانة وبالذات (السعودية و إسرائيل) قد تمنع أو تعرقل إنشاء مناطق "تخفيض التصعيد" خاصةً فيما يتعلق بجنوب سورية والغوطة الشرقية، وقد بدأت بوادر ذلك تظهر من خلال البيان الصادر من الغوطة الشرقية بعد الإعلان عن مخرجات أستانة 4، إضافةً للتململ الإسرائيلي من موافقة ترامب على تشكيل مثل هذه المناطق ممّا يعني انتشار ضباط إيرانيين على الحدود السورية مع فلسطين المحتلة إضافةً أن اعتبار الغوطة الشرقية منطقة "تخفيف تصعيد" تعني عرقلة الطيران الإسرائيلي من شن غارات في العمق السوري و وهذا ما تضجّ به الآن وسائل الإعلام الإسرائيلية.
والبعد الثاني (إقليمي استراتيجي) : إذ أن ما سيحصل في شرق الفرات وصولاً لشرق وجنوب شرق سورية سوف ينعكس بشكل مباشر على جبهة جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلّة مما يرفع من احتمال نشوب حرب بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله في حال قطع الخط البري من إيران إلى لبنان , خاصةً أنّنا نرى اليوم عملية عسكرية بطيئة على محور "الحرمون -القنيطرة" من قبل الجيش السوري وحزب الله بهدف وصل جبهة جنوب لبنان بجبهة جنوب سورية ممّا يعني تحطيم الأمل الإسرائيلي الأردني المشترك بإقامة منطقة آمنة في جنوب سورية، وأيضاً ظهر ذلك من خلال السعي المتسارع للولايات المتحدة للسيطرة على الحدود السورية العراقية بزج المزيد من قواتها في شرق الفرات، وعرقلة وصول الحشد الشعبي إلى هذه الحدود من جهة والحديث الذي سمعناه مؤخراً عن إنشاء غرفة عمليات في التنف للبدء بعمليات عسكرية برعاية أمريكية باتجاه دير الزور، ممّا يعني توجّهاً أمريكياً واضحاً نحو عزل سورية من الجهة الأخيرة المفتوحة استراتيجياً لها بعد تطويقها من باقي الجهات واحتمالية تحويل هذه المنطقة إلى منطقة معزولة استراتيجياً أو منطقة حرب استنزاف للجميع لا تنتهي.

أي باختصار إن منطقة شرق الفرات والحدود السورية العراقية مرتبطة بشكل مباشر بجبهة جنوب لبنان إضافةً لجنوب سورية، و أي تغيير في شرق سورية لابدّ سينعكس على هاتين الجبهتين أو الجبهة الموحّدة المقبلة بالدرجة الأولى، ويفتح الباب أمام احتمال نشوب حروب على مستوى أكبر قد تنخرط فيها دول إقليمية، خاصةً بعد محاولات الالتفاف على مسار نابوكو البرّي من قبل الإسرائيليين ودول الخليج وتركيا وذلك ما ظهر بشكل جلي خلال شهر آذار بالاتفاقية الإسرائيلية الأوربية (24\3\2017) لتزويد أوروبا بالغاز الإسرائيلي وما يصل إليها من دول الخليج، إضافةً للتقارب الإسرائيلي التركي الأخير في قمة اسطنبول للمجلس الأوروبي (27\4\2017) ستتكلّل قريباً بعودة السفراء بعد قطيعة منذ حادثة سفينة مرمرة لفك الحصار عن غزّة.
كل ما سبق يساعدنا على الإجابة على السؤالين المطروحين باحتمالين :
الأول (وهو الأرجح) بأن الروس طرحوا مبادرة مناطق تخفيض التصعيد لتحقيق أهداف على عدة مستويات، وهي الالتفاف على المشروع الأمريكي البريطاني الإسرائيلي الهادف لغزو عسكري مباشر في جنوب سورية على مستوى الميدان السوري مما يسمح للسوريين تلافي الصدام العسكري المباشر مع الأمريكان والبريطانيين، أما على مستوى الإقليم يهدف الروس لإعادة الاعتبار لمسار أستانة كما في أستانة 1 ممّا يسمح بإعادة توطيد العلاقة مع الأتراك المتخوفين من العلاقات الأمريكية الكردية واحتمالات سماح واشنطن بنشوء كيان كردي في شمال سورية يهدد الأمن القومي التركي، وبذلك يضمن الروس كسب معركة سيطرة الطاقة على أوروبا خاصةً في ظل تحسّن في العلاقات الروسية الألمانية بارتفاع ملحوظ في حجم التبادل التجاري بنسبة 43% في الربع الأول من عام 2017 رغم العقوبات المفروضة.
ولكن هذه الخطوة غير كافية من قبل الروس بل هي مؤقتة وتتطلّب سعياً روسيّاً لجذب تركيا بشكل أكبر إليها، إضافةً لضرورة إيجاد قناة اتصال بين السوريين والأتراك بصيغة ما مستثمرين في الورقة الكردية التي تتفق مواقف تركيا وسورية إلى حد بعيدٍ فيها.
وهذا الاحتمال يعني أن آفاق الحرب مفتوحة إلى أجلٍ غير مسمّى حتى الآن
الاحتمال الثاني (وهو الأضعف) في ظل التكتّم الأمريكي على تحركاته بعد نقل ترامب مركز الثقل في القضايا الإستراتيجية من الخارجية إلى البنتاغون، أي الحديث عن توافق روسي أمريكي بضرورة إنهاء هذا الصراع بشكل توافقي من خلال تسليم غرب الفرات لروسيا مقابل شرق الفرات للولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان هذا الاحتمال يحقّق مصالح تركيا من ناحية الطاقة لكن سيصطدم برد الفعل الإيراني الرافض لكسر التوازن الإقليمي لصالح السعودية و إسرائيل وتركيا على حساب مصالحه.
ويبقى هذا الاحتمال ضعيفاً في ظل التحركات الأمريكية الأخيرة في شرق سورية والذي يرجّح المزيد من التصعيد بهدف السيطرة على الحدود السورية العراقية لضمان أمن إسرائيل وقطع التواصل البرّي السوري اللبناني مع العراق وإيران وتمرير خط نابوكو بالتوازي مع الالتفاف الإسرائيلي عبر البحر المتوسط باتفاقيات الطاقة الأخيرة.