صواريخ دفاعية في خدمة سياسات كبرى... وتغير موازين القوى في الشرق الأوسط

26.09.2018

الصواريخ الروسية الى سورية لن تكون الأخيرة من نوعها. فلن يمُّرُ وقت طويل قبل وصول أنواع أكثر تطوراً وذلك ربطاً بالاتجاهات التصعيدية للصراع الاقليمي والدولي في الميدان السوري، وهو يشتدّ كلما اقتربت سورية من الإمساك بسيادتها والاقتراب من شرق الفرات.

وحقق الروس قفزات جمبازية في مسيرتهم نحو المشاركة في إنتاج القرار الدولي وبالتالي حماية بلادهم من العدوانية الاميركية المصابة بجنون ترامب.

هذه المعطيات الشديدة المنطقية تستند الى الاحباط الذي اصاب الاميركيين والاسرائيليين وتحالفاتهم الخليجية من قدرة روسيا وتركيا على احتواء »لهيب ادلب» الذي كاد أن يتحول حرباً اقليمية لها طابع دولي كان يفترض بها ان تعيد الازمة السورية الى بداياتها. وهذا يعني ضرب جهود سنين اشتركت في جانب منها إيران مع حزب الله في دعم الدولة السورية ووضعت موسكو في الثلاث سنين الاخيرة جهوداً جوية جبارة فتكت بالارهاب على مساحات واسعة. هذا يُفضي الى التساؤل حول ما اذا كان اسقاط الطائرة الروسية في اللاذقية السورية بمكيدة اسرائيلية هو السبب الوحيد لإلغاء قواعد الاشتباك بين الكيان الغاصب وموسكو بدليل أنهما كان بوسعيهما التوصل الى اقرار قواعد جديدة تستند الى وسائل تكنولوجية أكثر تمييزاً ودقة. الأمر الذي يؤكد وجود اسباب اضافية اكثر عمقاً وهي في مثل هذه الاعتبارات تتعلق بالدور العسكري المرتبط حكماً واساسياً بنتائج سياسية. واذا كانت موسكو تشارك بشكل اساسي في حماية ثلاثة أرباع سورية وتحصر الاميركيين والأكراد في شرق الفرات. ولولا قدرة الاميركيين على الربط بين هذه المناطق مع بعض المناطق العراقية الحدودية التي تقيم فيها قواعد عسكرية لكان شرق الفرات معزولاً بشكل كامل.

ضمن هذا الإطار يجب التعامل مع احداث اللاذقية الاخيرة المنقسمة الى طرف اسرائيلي يتعامل مع سورية، كأنها لا تزال في السنين الثلاث الاولى من ازمتها، وبين طرف روسي يتوثبُ للمشاركة في تأمين »سورية السورية» كناتج لأوضاع عسكرية جرى فيها الحاق هزيمة كبيرة بالمحور الاميركي الخليجي الإسرائيلي، مع ما يعنيه هذا الامر من استعداد الدولة السورية في الذهاب بعيداً للصيانة السياسية لصمودها العسكري واصرار إيران على التصدي للنفوذ الاميركي الاسرائيلي انطلاقاً من سورية. أما حزب الله فهو من اهل البيت السوري يربح معها مكافحاً كي لا يخسرا سورية. لقد شعر الاميركيون باقتراب نهاية مشروع الشرق الاوسط »الشديد التفتت»، ففتحوا حرباً عنيفة على إيران بشكليها الاقتصادي المخيف والعسكري المرتقب. وهذا بدا قبل حادثة اللاذقية بكثير ما يؤكد أن اسقاط الطائرة الروسية والهجوم الإرهابي على الأهواز الإيرانية وحصار إيران وحشد أكبر أسطول بحري اميركي منه فقط الحاملة النووية جورج بوش التي تنقل ايضاً قائفات أف 18 و15 وصواريخ شديدة الفعالية قبالة الساحل السوري إنما تدل بوضوح شديد على تراجع المشروع الاميركي في سورية ورغبته في المساومة مع روسيا، إنما على قاعدة استعداء إيران، اليس هذا ما اعلنه مستشار ترامب جون بولتون الذي اتهم إيران بإسقاط الطائرة الروسية داعياً الى تصحيح سلوكها لأنها تدعم ارهاباً ينفذ عمليات ويقصف السعودية بالصواريخ!

الدولة السورية ذات السيادة على معظم انحائها لم تعد قادرة على القبول بتحويل أجوائها ملاعب للطيران الاسرائيلي المعتدي على مواقعها العسكرية اسبوعياً.

كان يمكن لهذه الاختراقات الاسرائيلية ان تستمر في السنين الاولى للأزمة، أما وأن العناصر الرابحة من الدولة السورية الى روسيا وإيران وحزب الله يسعون الى تحقيق النتائج السياسية، لكنها لم تعد محمولة في زمن الترجمة السياسية لمشروعين والدفاع عن دولة ثالثة مستهدفة يجتمع الاميركيون والاسرائيليون والخليجيون على محاولة تصدّيها وإسقاطها.

وللتأكيد على حقيقة الهدف الاميركي الجديد بالمساومة مع الروس عودوا الى تصريح ادلى به منذ يومين فقط وزير خارجية فرنسا لودريان الذي اعترف بانتصار الرئيس بشار الأسد، مضيفاً بأنه انتصار لا يمكن نكرانه، لكنه وعد وبإصرار بأن الغرب لن يسمح لسورية بالانتصار السياسي إلا بحل بين الدولة والمعارضة.

وهذا يُعيدنا فوراً الى ربط اسقاط الطائرة الروسية والتحشيد البحري الاميركي والاوروبي الأعنف من نوعه بانتصار سورية وحلفائها على الارهاب وأن هذا العنف الغربي ليس الا رسائل لإعادة روسيا الى دهاليز المفاوضات، لأن الغرب يعتبر أن الدور الروسي الذي ينتصر في سورية مؤهل للبدء برحلة استعادة الفضاءات السوفياتية السابقة في مرحلة الصراع على السيطرة على مكامن الغاز والاستهلاك في العالم.

هذه اذاً دعوة صريحة الى التحاصص تجري على حافة الهاوية في سفوح الشرق الاوسط.

وبناء عليه أرسل الروس بارجتين نوويتين ترابطان قبالة سواحل فلسطين المحتلة منظمين أكبر مناورات في التاريخ بالاشتراك مع حليفتهم الصين ومعلنين انهم لن يسمحوا للحصار الاقتصادي الحربي على إيران من تحقيق مبتغاه بتدميرها.

العالم اذاً يتجه وبسرعة الى بلورة تحالفات منها ما يلتحق بالاميركي لالتقاط الفتات الاقتصادي الذي يتناثر منه وهو يسطو على العالم كحالة معظم دول اوروبا أو يتغطّى به لشنّ حروب واعتداءات على منوال الكيان الغاصب الاسرائيلي.

أما الفريق الآخر السوري الروسي الإيراني بخلفية صينية وتقاطعات موسمية مع الاتراك فلديه أربعة مشاريع:

أولاً اعادة بناء الدولة السورية كاملة السيادة غير منقوصة. وهذا يشترط استعادة المناطق الشمالية والشمالية الغربية وشرقي الفرات بنظام تدريجي مستغلاً التناقضات بين الترك والكرد من جهة، وبين الاميركيين والترك من جهة ثانية، وبين السعوديين والترك والقطريين من جهة ثالثة، بالاضافة الى الكثير من التباينات الاميركية الاوروبية الكامنة.

لذلك تبدو اعادة بناء سورية سياسياً المدخل الحقيقي لانجاح مشروع التصدي للبلطجة الاميركية وتمهيد الطريق لتوازنات عالمية جديدة يحتل فيها الروس موقعاً متميزاً.

ثانياً آفاق الدور الروسي واسعة ولا تحتاج الا الى انهاء »اتفاق ادلب» وتطبيق دقيق لحماية الاجواء السورية بما تعنيه من تحصين سياسي عميق لبناء دولة سورية قادرة وآمنة وقوية.

ثالثاً: اعادة تصحيح التوازنات الاقليمية المنهارة منذ غزو افغانستان في 2001 والعراق في 2003. وهذا يبدأ من اعادة انتاج الدولة السورية المتحالفة مع روسيا وإيران القوية في التأثير على محيطها العربي الأكبر. يكفي هنا أن يدفع الإيرانيون والروس نحو تنسيق سوري عراقي فاعل، حتى تتم فرملة السياسات السعودية والتركية والبلطجة الإسرائيلية. ولهذا الامر أبعاد أخرى على علاقة بانكسار نهائي للمشروع الديني المتطرف في المنطقة، التي تتصارع فيها ثلاثة مشاريع: الدولة الوطنية والمشروع القومي والمشروع الإسلامي ويجد المشروع الاسلامي المتطرف فرصاً سانحة لسرقة أجزاء من هذه المشاريع الثلاثة فتراه يسطو على أجزاء من مكونات الدولة الوطنية منتزعاً على أساس طائفي اقساماً من القوميين متلاعباً بمشاعر المسلمين المعتدلين ومتمكناً من جذب انواع منهم.

لذلك يأتي دور الدولة الوطنية السورية صاحبة المشروعية التاريخية على قسم من الشرق الاوسط ببعدي السورية والعربية واحياناً الاسلامية قادراً على افشال المشروع الارهابي ومؤسساً لتحالفات اقليمية وعربية كبرى وانسجاماً مع الدور الروسي الصاعد.

أما عن النتيجة الرابعة فمرتبطة بتبلور حلف عالمي يبدأ من سورية وروسيا ليشمل منظمة شانغهاي بما يؤسس لخلق حالات من التمرد عند الدول المتأذية من السياسات الاميركية.

أجمعت تركيا والهند والصين واليابان والمانيا وصولاً الى كندا للوقوف في وجه مدرسة تأديب اميركية تتركز اهدافها على منع التطور الاقتصادي للأعداء وحلفائها ايضاً فيبدو الاميركي مدرساً ابتدائياً يحمل كرباجاً يجلد به من لا ينحني اقتصادياً أمام اليانكي الذي يسطو على قطارات العالم.

لذلك فإن صواريخ أس 300 ليست قيمة عسكرية على أهميتها. انها الحصانة لمشروع سياسي يتصدى لإسرائيل بخلفيتها الاميركية الترامبية معززاً سيادة سورية بأفق تشكيل تحالفات دولية تُنقِذ العالم من الجنون الاميركي.