أسوأ الأصدقاء.. أفضل الأعداء: التجارة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا

19.07.2016

من المرجح أن تظل العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا مستقرة لسنوات عديدة، وحتى لو انخفض الحجم الكلي للتجارة الثنائية تدريجيا. سينخفض اعتماد الاتحاد الأوروبي على روسيا من أجل أمن الطاقة، في حين أن روسيا ستصبح أقل اعتمادا على مصادر التمويل الأوروبية وفي مجالات الصناعة والبنية التحتية.
على الرغم من التأرجح بين التعاون والمواجهة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا على مدى الخمسة وعشرين عاما الماضية، فقد ظلت العلاقات الاقتصادية بين اللاعبين الرائدين في أوروبا واقعية ومستقرة نسبيا.
وعلى الرغم من استمرار التوتر السياسي والعقوبات الاقتصادية المتبادلة، يمكن أن نتوقع من الاتحاد الأوروبي وروسيا أن يبقيا شريكين تجاريين مهمين في السنوات القادمة بسبب القرب الجغرافي والطبيعة التكاملية لأسواق الصادرات والواردات: تستند التجارة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا إلى حد كبير على الهيدروكربونات الروسية (والتي تشكل 85-90٪ من جميع واردات الاتحاد الأوروبي من روسيا) والسيارات الأوروبية والمعدات (التي تشكل أكثر من 65 في المائة من كل الواردات الروسية من الاتحاد الأوروبي).

وكان الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي، الذي وصل إلى الحد الأعلى عام 2010، قد تراجع إلى مستويات عام 1995 بحلول عام 2014. وعلى الرغم من الزيادة الأخيرة في الاستهلاك بسبب البرد وخاصة عام 2015، فإن طلب الاتحاد الأوروبي يتراجع ببطء على الغاز الطبيعي بسبب تراجع الإنتاج الأوروبي، لكن من المتوقع  أن يستمر الاتحاد الأوروبي في استيراد الغاز الروسي في المستقبل القريب. حسابات روسيا هي أن تورد حوالي 30 إلى 40 في المائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، وارتفع حجم الغاز الروسي المستورد من الاتحاد الأوروبي بنسبة 17 في المائة منذ عام 2005.
سيستمر النفط الروسي أيضا كعامل هام في التجارة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا في السنوات القادمة. الطلب الأوروبي على النفط الروسي انخفض بنسبة 17 في المائة منذ عام 2005 ويتوقع أن يستمر في الانخفاض بنسبة 0.5 في المائة سنويا على مدى السنوات الخمس المقبلة، الاتحاد الأوروبي لا يزال يعتمد بشكل كبير على النفط المستورد وفي عام 2013 استوردت دول الاتحاد الأوروبي 83 في المائة من النفط الذي يستهلكونه.
لا تزال روسيا المورد الرئيسي للنفط إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل حوالي 29 في المائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي. اعتماد روسيا على الاستهلاك الأوروبي هو اعتماد قوى حيث تبيع روسيا نحو 75 في المائة من نفطها إلى دول الاتحاد الأوروبي.

ومع توقع انخفاض إنتاج روسيا من النفط ​​إلى النصف بحلول عام 2035، يتعين على الاتحاد الأوروبي وروسيا الاستعداد لانكماش تدريجي لهذه السوق. روسيا يجب أن تجد السلع الأخرى للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي من أجل استبدال تراجع شحنات النفط، ويجب أن تستعد مصافي النفط الأوروبية للانتقال من النفط الاورالي إلى أنواع أخرى من النفط.
على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل واضح على الطاقة الروسية، فروسيا لا تقل اعتمادا على السوق الأوروبية من خلال مجموعة واسعة من السلع والاستثمارات. روسيا تنفق أكثر من  50 مليار يورو على استيراد معدات من الاتحاد الأوروبي سنويا. معدات النقل والاتصالات ومعدات معالجة البيانات تشكل حوالي نصف هذه الواردات. معدات القطارات فائقة السرعة والطائرات التجارية تشكل أيضا جزءا كبيرا من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى روسيا.
لسنوات عديدة شكلت الاستثمارات الأوروبية أكثر من 80 في المائة من جميع الاستثمارات الأجنبية في روسيا. الألمان وحدهم يمتلكون أكثر من 25 مليار يورو أسهم في الشركات الروسية.

وقد ساعدت الأسواق المالية الأوروبية أيضا على جلب رؤوس الأموال إلى روسيا: إذ رفعت الشركات الروسية مبيعات السندات في الأسواق الأوروبية إلى 180 مليار دولار والتي تمثل أكثر من 35 في المائة من إجمالي الديون الخارجية لروسيا.
تدفق الأموال في الاتجاه الآخر ازداد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي إذ نقل رجال الأعمال والمسؤولون الروس حوالي تريليون دولار على الأقل من روسيا. تم فعل ذلك في السابق بشكل عام بطريقة غير مشروعة. حصة الأسد من هذه الأموال وصلت إلى البنوك السويسرية، ولكن يوجد أيضا لدى البنوك الألمانية والنمساوية والقبرصية حيازات روسية كبيرة.
وتقدر وسائل الإعلام الروسية أن المواطنين الروس قد اشتروا حوالي نصف مليون منزل وشقة في أوروبا (في المقام الأول في أوروبا الشرقية). على الرغم من أن هذا الرقم قد يكون مبالغا فيه، لكن من الواضح أن الروس لاعبون رئيسيون في الأسواق العقارية الأوروبية.

على الرغم من أن الخطاب المرافق للعقوبات أصبح عدائيا في موسكو وفي العواصم الأوروبية، والحكومة الروسية تقوم باستخدام العقوبات كذريعة للتدهور الاقتصادي في البلاد، فقد كان الأثر الحقيقي للعقوبات في حده الأدنى نسبيا. على سبيل المثال،  أعاق هبوط أسعار النفط تطوير مشاريع نفطية باهظة الثمن، والتقنيات الاستكشافية لم تعد روسيا قادرة على استيرادها بسبب العقوبات الأوروبية فأصبح النظام كله لا لزوم له.
وردت روسيا على العقوبات الأوروبية بحظر استيراد عدد من المنتجات الزراعية. ويوصف هذا الإجراء بأنه يهدف إلى تشجيع إحلال الواردات ومعاقبة الأوروبيين، ولكن في واقع الأمر فقد أدى إلى نقص مؤقت في الإمدادات، وإلى انخفاض كبير في نوعية المواد الغذائية وإلى ارتفاع في الأسعار.

ولأن روسيا غير قادرة على تأمين  السلع المحلية  مكان السلع المستوردة، فقد قامت روسيا بشراء العديد من المنتجات الغذائية من موردين جدد. وهناك عدد من البلدان، فضلا عن وجود مجموعات غير رسمية داخل روسيا، تبذل جهودا لتهريب البضائع إلى روسيا. كل ما عليها القيام به هو طباعة ولصق ملصقات جديدة على السلع الأوروبية.
على الرغم من أن العقوبات كان لها بعض التأثير على الاقتصاد الروسي، والذي كان يمكن أن يصبح أسوأ بكثير. حقيقة أن الأزمة الأوكرانية والدعاية المعادية المتبادلة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، لم تسبب تغيرات كبيرة في العلاقات التجارية مع أوروبا، مما يشير إلى أن العواصم الأوروبية تريد الحفاظ على علاقات سياسية منفصلة عن القضايا الاقتصادية.

ومع ذلك، في السنوات القادمة، روسيا ستقوم باستيراد سلع أقل وأقل من أوروبا بسبب الركود الاقتصادي المستمر في البلاد. وبالنظر إلى انخفاض حاد في تدفق العملات الأجنبية، روسيا سوف تحل تدريجيا سلعا صينية ذات جودة أقل محل السلع الأوروبية عالية الجودة مع مرور الوقت، وبعض المناطق الروسية ستعود إلى إنتاج بعض المعدات، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي, وقطاع السيارات، على سبيل المثال، أحد القطاعات الذي بدأت الحياة تعود له مجددا.
وسوف تستمر هذه العمليات بشكل مستقل عن التطورات السياسية، بغض النظر عما إذا انضمت أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي أو توجهت نحو روسيا. ومن المرجح أن تظل العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا مستقرة لسنوات عديدة، على الرغم من أن الحجم الإجمالي للتجارة الثنائية سيتقلص تدريجيا. سوف ينمو الاتحاد الأوروبي بشكل أقل اعتمادا على روسيا من أجل أمن الطاقة، في حين أن روسيا ستصبح أقل اعتمادا على التمويل الأوروبي وفي الصناعة وفي قطاعات البنية التحتية.