استراتيجيات الظّل لأبوظبي.. في جيوبوليتيكا الشرق الأوسط

12.11.2017

بدون مقدماتٍ مقنعةٍ يدخل لبنان في جدلٍ حكوميٍّ وربما أزمةٍ وطنيةٍ، وبشكلٍ دراماتيكيٍّ ينقلب ابن سلمان على عائلته المالكة وليس فقط على أبناء عمّه، وبعد حربٍ إعلاميةٍ شرسةٍ وبدون مقدماتٍ أيضاً تعود العلاقة بين حماس والقاهرة، وتتشكل حكومة الوفاق الوطنّي الفلسطينية بعد خصامٍ دام لثلاث سنوات بين الطرفين، ومن دون مبرراتٍ وبخلاف الحاجة السعودية لإيقاف الحرب في اليمن تستمر المذبحة، دون أن ننسى الانقلاب الخليجي على قطر بشكلٍ دراماتيكيّ مثير، لنصل إلى السؤال الأهم ما هو الرابط الذي يجمع كلّ هذه الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط؟ ومن يحرك الأحداث ويصنع معطياتها في الظلّ؟ وهل تنتظم الأحداث تلك في القريب على شكل تسوياتٍ ضمن استراتيجية طرفٍ ما؟
تلك الاحداث ليست فوضويةً، أو ردّات فعلٍ، ولكنها أحداثٌ منظمةٌ بدأت بالظهور إلى العلن بعد مزاحمة محمد بن زايد لتميم بن حمد في لقاء الرئيس ترامب (22/5/2017) على هامش القمّة الاسلامية العربية الأمريكية بالرياض في سلوكٍ سياسيٍّ ذو مغزى عميق، فالإمارات التي بدأت تستشعر الخطر على مستقبلها الاقتصاديّ وبذات الوقت تعمل على مدّ نفوذها الاقتصاديّ والسياسيّ بعيداً عن حدود دولتها الصغيرة المساحة، بدأت في التحرك لتحصين موقعها الاقتصادي وتشبيكه مع مراكز المال الدولي، بدءاً من إزاحة الهاجس الأكبر لها وهو تيار الاخوان المسلمين الممول تركياً بعيدا عن حدودها، ومعه بدأ مشهد الأزمة القطرية الخليجية الدراماتيكي، فقطر هيّ حليف تركيا ومركز التيارات الاخوانية، والامارات العربية التي تدّعي احتلال ايران لأراضٍ لها لم تستنفر جيوشها لمحاربة ايران، ولكنّها استنفرت جيوشها وامكانياتها لحرب اليمن، ومن المؤكد أنّ إرسال الجيوش ليس مرضاةٍ لطموحاتٍ سعوديةٍ فقط، بل تقف وراءه دوافع جيو استراتيجية خطيرة، فالمتتبع لسلوك أبناء زايد السياسيّ والاقتصاديّ يتلمس بوضوح محاولتهم بناء استراتيجيةٍ بحريةٍ للسيطرة على اكبر موانئ العالم واستثمارها ومحاولتهم السيطرة على سواحل المحيط الهندي وبحر العرب وصولاً إلى البحر الأحمر، واستثمارهم أكثر من (70) ميناءٍ دوليّ في قارات العالم.

ويتعرض الثقل الاقتصادي والمالي للإمارات لمنافسةٍ حادةٍ من مركزين مجاورين جيوسياساً لها،  وهما الدوحة مالياً و الرياض اقتصادياً، والخطر السعودي على الامارات أشدّ تأثيراً على طموحات أبناء زايد من غيرهم، كيف ذلك؟ الجواب يكمن في توضيح ثلاث مشاريع جيو اقتصاديةٍ للسعودية لو تمت لتحولت الامارات واستراتيجية الموانئ الخاصة بها إلى مركزٍ تابع للسعودية، المشروع الأول "قناة العرب" والتي تحولت لاحقاٍ إلى "قناة سلمان" كبديلٍ استراتيجيّ لمضيق هرمز، وهذا يعني تحول موانئ الامارات إلى درجةٍ ثانيةٍ مقارنة بموانئ القناة الجديدة سيما من جهة اليمن، والمشروع الثاني هو جسر الملك سلمان الذي يربط القارتين الاسيوية والافريقية براً عبر سيناء، كبديلٍ استراتيجيّ عن باب المندب، التي تصارع الامارات على الاستحواذ عليه من جهة القرن الافريقي، بإنشاء قواعد عسكريةٍ فيه "قاعدة عصب" مثلا، والمشروع الثالث هو "مدينة النور" لربط اليمن بأفريقيا عبر جيبوتي بتمويلٍ سعوديّ، وهو ما تجهد الامارات للحيلولة دونه، لأنه سيحول المدينة الناشئة إلى بديلٍ ماليّ واقتصاديّ عن دبي، ومن هنا بدأت الامارات بالسيطرة على شرق القارة الافريقية، عبر استراتيجية الاستثمارات البحرية، خصوصاً اريتيريا وجيبوتي والصومال...

هذه المشاريع حتّمت على ما يبدو ضرورة احتواء المملكة السعودية من قبل الامارات، وربما تدميرها بهدوءٍإن أمكن، ومع هذه المخاوف الامارتية بدأ نجم محمد بن سلمان يصعد كاسراً كل القواعد والأعراف، وبدأت طموحاته تزداد، ليحصل بعدها اللقاء المهم بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان لدعم الأول للثاني في تولي عرش المملكة، وتسهيل إجراءات انتقال الملك برعايةٍ أميركيةٍ من الإدارة الجديدة، وهو طموحٌ كان خيالياً لولي ولي العهد آنذاك، مقارنة من ابن نايف رجل واشنطن القويّ في المملكة، وذلك مقابل دعم ابن سلمان لخيارات ابن زايد في اليمن، وتحجيم عبد ربه منصور هادي من جهةٍ، واستمرار  قتال الحوثيين والجيش اليمني من جهة أخرى، ولعلّ الهدف الإماراتي يكمن في أمرين، الأول:ضمان السيطرة على منابع النفط في منطقة الجوف اليمنية, والثاني: السيطرة على موانئ الجنوب اليمني(المخا المكلا عدن) وتدمير فكرة مشروع مدينة النور نهائيا.
هنا تقتضي الدقة والموضوعية في ربط مجموعة الأحداث المتناثرة التي تلت هذا التنسيق بين محمدي الامارات والسعودية: أزمةٌ خليجيةٌ مع قطر، اقصاء محمد بن نايف عدو الامارات في السعودية وتولية محمد بن سلمان بمباركة (500) مليار سعودي إلى ترامب، الصمت السعودي عن المجلس الانتقالي في الجنوب اليمني كخطوةٍ أولى انفصالية، طرح مشروع "نيوم" الحيويّ كبديلٍ عن مشروع جسر الملك سلمان..، وبالتالي تكون الامارات قد تخلصت من مشاريع قناة العرب وجسر سلمان و مدينة النور مبدئياً في آن، عبر ضمان سيطرتها على ميناء المخا وحضروموت، في مقابل دعم انقلاب ابن سلمان على نظام جدّه عبد العزيز، والذي سيسوق في القادم من الأيام المفاجئات الكبيرة والإيضاحات المهمة.
هنا يطرح السؤال الأكثر أهمية، ما مصلحة الولايات المتحدة في ذلك كلّه؟ ألم يكن ابن نايف حليفاً موثوقاً لواشنطن وبندر بن سلطان كان أداةً استخباراتيةً أميركية فعالة ...؟!
يبدو أن أمن "إسرائيل"  هو نقطة الارتكاز وتصفية القضية الفلسطينية هي مفتاح كل هذا اللبس ، وذلك من خلال سحب أوراق محورية في القضية الفلسطينية من يدّ السعودية لصالح دولة الامارات، التي باتت في صدارة المشهد لحسابات خاصة بواشنطن تجاه إيران، وهنا نعيد ترتيب الأحداث، حكومة وفاق فلسطينية من جهةٍ، وتوافق بين حماس والقاهرة برعايةٍ إماراتية بما يمّهد القبول بمحمد دحلان رجل الامارات وذراعها الأمني في المنطقة لرئاسة فلسطين، يلي هذه الأحداث استقالة سعد الحريري المفاجئة، وإحالة ملف التسوية إلى محمد بن زايد، الذي سيتولى على ما يبدو مسألة تسمية الرئيس الجديد للحكومة بواجهةٍ سعوديةٍ وذلك بعد ازمةٍ سياسيةٍ قد تطول ريثما تتم إجراءات تنحية أبو مازن، لتضح الصورة حال اكتمال المشهد فمحمد دحلان وبرعايةٍ إماراتيةٍ مع مصر والاردن بعد تشبيك هاتين الدولتين بمشروع "نيوم" مع السعودية سيمرران "صفقة القرن" لتسوية القضية الفلسطينية وفق التعهدات المتفق عليها بين المحمدين بن زايد وبن سلمان مع كوشنير صهر ترامب وعراب التطبيع الصهيوني العربي.
هذا المشهد الذي بدأت تضح خطوطه وملامحه كسيناريو متوقع يطرح سؤالاٍ مهماٍ كيف يمكن للمحور الاماراتي الناشئ تفادي ردّة فعل محور المقاومة على سيناريو تصفية القضة الفلسطينية؟.
الجواب يكمن في ماهية الأزمة اللبنانية الجديدة، فبمجرد طرح فكرة تزكية محمد بن زايد لرئيس الحكومة اللبنانية الجديد يعني أنّ اتفاق الطائف قد أصيب بمقتل، وأنّ المعادلة الجديدة للصراع في الشرق الأوسط التي تطمح إليها واشنطن هي تحويل طبيعة الصراع بين السعودية ومحور المقاومة لتصبح عداءٌ سعوديٌّ لإيران (طائفيّ الطابع وقوميّ الشكل)، و ليس عداء سعوديّ في مواجهة محور المقاومة خدمة لإسرائيل، بالتالي إضعاف ايران من خلال التفريغ الآيدولوجي لفكر المقاومة وطبيعة الدور الإيراني  في الأقليم، أي إذا اندلع أيّ صراع عنيف بين السعودية وايران لن تستطيع قوى المقاومة وضعه في خانة العمالة السعودية للصهاينة لأنّ مفاتيح مهمةً في القضية الفلسطينية قد سلمت للإمارات ووكلائها، وهذا الأمر خطير ، فتشتت ايران بين جبهتين الأولى في موقعها الطبيعيّ في محور المقاومة ضد "إسرائيل" والثاني في موقع غير طبيعي في صراع مع السعودية الجديدة، ومذهبة الصراع بين ايران والسعودية هو جوهر الحلم الصهيو أميركي...

كل ذلك يدفعنا لفهم طبيعة الدور السعودي القادم على أنّه فعلٌ إماراتيٌّ يركز على وضع السعودية كواجهةٍ لكلّ صراعات المنطقة وجاذبة لها، مع السيطرة على مفاتيح القضية العربية الأساسية (الصراع العربي-الصهيوني) بما يضمن لها تحقيق أطماعها الجيوبوليتيكية من خلال تدوير زوايا هذه القضية مع الأطراف الفاعلة فيه.. هذه الاستراتيجية الامارتية بانتظار ثلاث متغيراتٍ مهمةٍ تحكم مستقبلها: الأولى قدرة إيران على تخفيف التوتر مع السعودية سيما في لبنان وسورية، والثاني هو نجاح الجيش اليمني واللجان الشعبية في احباط مخطط التقسيم الإماراتي والضغط على الامارات للتراجع، والثالث مدى التشبيك الحاصل (سياسياً وعسكرياً) بين المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية وقد يكون هذا المتغير الثالث عامل الحسم باتجاه افشال سيناريو تصفية القضية الفلسطينية.