روسيا والإرهاب في الشرق الأوسط.. التهديدات المحتملة وسبل المكافحة

07.10.2016

من وجهة نظر روسيا، الإرهاب الحديث، الذي يستخدم أحدث الأدوات التكنولوجية، يمثل أخطر تهديد للسلام والاستقرار. فهو بشكل سهل نسبيا يخترق الحدود، ويجلب الدمار والخوف. الهدف الرئيسي للمنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط، مهاجمة كل شيء لا ينسجم مع المفهوم القديم للصلات والعلاقات المجتمعية.

ويمكن شرح حساسية موسكو الخاصة تجاه التطرف والإرهاب، بحقيقة أن هذه الظواهر لها بعد سياسي داخلي. فطوال تاريخها، اضطرت روسيا للتعامل مع مظاهر الإرهاب. فهي تعد مسقط رأس "الإرهاب المنظم"، الذي شهد تطورا ملحوظا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

في روسيا الحديثة، كان ظهور التهديد الإرهابي، متصلا في المقام الأول بالحرب في الشيشان. ومع ذلك، في المرحلة الحالية، يسهل على المتطرفين إيجاد أتباع لهم، من بين عدة ملايين من السكان المسلمين في روسيا: وفقا للبيانات الرسمية، في بداية عام 2016 توجه إلى سوريا 2719 من المواطنين الروس، بما في ذلك حوالي 200 - من منطقة الفولغا، و130 – من قبردينو بلقاريا، و500 - من الشيشان و900 – من داغستان.

التوسع الجغرافي المحلي في تجنيد "جند الخلافة"، في حد ذاته ظاهرة مثيرة للقلق. وبالإضافة إلى ذلك، ضحايا الدعاية الجهادية، يصبحون العمال من آسيا الوسطى المتواجدين في روسيا، والذي يعيشون حياة منغلقة على جاليتهم، بالإضافة إلى المعتقلين المعزولين عن العالم الخارجي في السجون. والشباب الذين يعانون من عدم وجود فرص لتحقيق الذات في غياب الحراك الاجتماعي، وغيرها من الجماعات المعرضة للخطر.

ومما يثير القلق بشكل خاص، وكقاعدة عامة، احتمال عودة المتشددين المشاركين في الحرب في الشرق الأوسط إلى ديارهم. وستسهم في ذلك، هزيمة الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق نتيجة ضربات الجيوش الوطنية بدعم من قوات التحالف الدولي.

كما أن هناك ظاهرة لا تقل خطورة، وهي تعبئة الناس الذين ينتمون إلى "مجموعات التضامن" في الأراضي الروسية، وهم عادة ليسوا من الجهاديين الأيديولوجيين، مع ذلك، في سياق البحث المستمر عن الهوية، يمكن أن يصبحوا فريسة سهلة للإرهابيين.

محاربة داعش - البحث عن توازن المصالح
جرت العادة على اعتبار الطرق الرئيسية لمكافحة الارهاب، عسكرية. في الوضع الحالي، مع الأخذ بعين الاعتبار النشاط والمطالبات الإقليمية لهذه المجموعة في منطقة الشرق الأوسط، تتم محاربة داعش أساسا بقوة السلاح.

في نفس الوقت، لم يتم تشكيل ائتلاف لمحاربة التنظيم. وفي حال دخول القوات البرية الأمريكية (وحتى التركية أو السعودية، على الرغم من قلة احتمالات حدوث السيناريو الأخير) يمكن أن تحدث تغييرات خطيرة للغاية في ميزان القوى، من غير الضروري أن تتطور في اتجاه مزيد من التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا، و بين أعضاء الائتلافين الإقليميين.

يمكن أن نلاحظ أنه في الوقت الراهن، تعتبر روسيا في المنطقة، المقاتل الأكثر ثباتا وفعالية ضد داعش. فمعظم المشاركين في الصراع السوري من قوى خارجية، لا تبدو المعركة ضد الإرهاب أولوية بالنسبة لهم. ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب مفيدا من أجل التغلب على انعدام الثقة.

ورغم ذلك، في ظل الظروف الراهنة، لا يبدو أن هناك أسبابا تشير إلى أن التعاون يمكن أن يصبح عاملا مساعدا للتعاون بين القوى الكبرى خارج سوريا، وفي مناطق أخرى وغيرها من القضايا. وعلاوة على ذلك، حتى الالتزام الرسمي من الأطراف بمحاربة الإرهاب الدولي، لا يؤدي إلى خلق تحالف واسع بين المجموعات، بل يشتت القوى. الائتلافات الخاصة بالولايات المتحدة، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، تعمل وفق اعتبارات سياسية، مما يدخل اللهجات الخاصة إلى عملية النضال المشترك، ويخلق مخاطر محتملة مرتبطة بغياب التنسيق.

في النهاية، كل قوة إقليمية لها أجندتها الخاصة، وفي إطارها، تحمل مسألة مكافحة التطرف طابع "أداة". المملكة العربية السعودية قلقة إزاء المشاكل مع إيران وحلفائها في المنطقة (وهي أسست تحالفا إسلاميا لا يشمل القوى الشيعية). إيران، من جانبها، تسعى إلى الاستفادة من الوضع لتعزيز مكانتها في الشرق الأوسط. بالنسبة لتركيا – الأمر الأكثر أهمية هو المشكلة الكردية، وأنقرة مستعدة لتقديم الدعم للجماعات العرقية والدينية، بما في ذلك الإرهابية، لتحول دون نمو نشاط الأكراد وإضعافهم. الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترأس ائتلافا لمحاربة داعش، لا تسعى إلى توسيع نطاق التدخل العسكري، استنادا إلى ضرورة النظر في موقف حلفائها في الشرق الأوسط. وأخيرا، إسرائيل الآن قلقة من احتمال نقل أنواع جديدة من الأسلحة إلى قوات حزب الله، أكثر من قلقها من تهديد داعش. تنفيذ إجراءات فعالة ضد الإرهاب أمر مستحيل دون الوصول على التوازن بين مصالح جميع أصحاب المصلحة.

انعدام قواعد موحدة لتعريف الإرهاب
عدم وجود تعريف موحد ومتفق عليه دوليا للإرهاب هو أيضا مشكلة في تطوير تكتيكات واستراتيجيات لمكافحة هذه الآفة. بشكل عام، مختلف الجماعات الإرهابية كانت دائما مسيسة بنسب مختلفة. وهذا ينطبق، قبل كل شيء، على المجموعات الوطنية، التي، تبعا للحالة، يمكن اعتبارها "مقاتلة من أجل الحرية".

على سبيل المثال، بعض الدول تعتبر حماس وحزب الله منظمات إرهابية، والبعض الآخر لا يعتقد ذلك. لا يوجد لدى اللاعبين الدوليين والإقليميين، إجماع في تقييم العمل مع المجموعات السورية - جيش الإسلام وأحرار الشام، التي تعتبرها روسيا، على الرغم من تنوعها، إرهابية. المتشددين في كثير من الأحيان من المنظمات الإرهابية انضموا إلى جماعات لا تعتبر رسميا إرهابية. ولا يزال كل الجيش الجهادي في هذا المعنى، متحركا جدا، وتحت الضربات العسكرية، قادر على التنقل بسهولة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.

في حالة التداخل المعقد وعدم تطابق المصالح المختلفة للجهات التي تحارب الإرهاب الدولي، هناك ميل للنظر لائتلاف من جنود الجيش السوري وقوات تابعة للحرس الثوري الإيراني ومقاتلين من حزب الله، الذين يخوضون نضالا حقيقيا ضد الإرهابيين بدعم من قوات الطيران الروسي، كوحدة شيعية، أو معادية للسنة. في سياق الصراع بين الأديان تكثف انتقاد روسيا من قبل عدد من الدول والمجتمعات السنية. عدم إشراك هذه الأخير في النضال ضد تنظيم داعش، الذي يستغل بنشاط العامل الطائفي "السني"، يمنع إنشاء جبهة واسعة ضد المنظمة إرهابية، الخطير للغاية.

ومن الواضح أن العملية السياسية في سوريا، في هذه الحالة، ليس فقط من شأنها أن تساعد على إيجاد حل وسط بين اللاعبين السياسيين الرئيسيين في هذا المجال، ولكن أيضا ستخلق قدر أكبر من الثقة بينهم، لذلك مواجهة داعش، تحتاج إلى زيادة التعاون بين سلطات إنفاذ القانون ووكالات الاستخبارات.

الأساليب "الناعمة" لمكافحة الإرهاب
دور خاص في هذه الظروف بدأت بلعبه أشكال مكافحة الإرهاب"الناعمة"، بما في ذلك الأيديولوجية والاقتصادية. وهي تشير إلى تعاون المجتمع الإسلامي في كل العالم، بما في ذلك الجزء الروسي، الذي يملك تجربة فريدة من نوعها من التعايش السلمي بين الجماعات العرقية والدينية المختلفة.

في الممارسة العملية، هذا قد يعني ليس فقط معارضة التوجه والفكر العدواني لداعش بالقيم الإنسانية الحقيقية للإسلام، ولكن أيضا بزيادة المستوى العام للتعليم العام. فعند مواجهتهم لقدر كبير ومجموعة متنوعة من المعلومات، لا يمكن للشباب الوصول إلى تصور كاف للأمثلة الكلاسيكية لثقافة العالم، والتي على مدى عدة قرون، شكلت المبادئ الأخلاقية للإنسان والمجتمع.