نشأة الدولة السعودية الحديثة وتاريخ صراعها مع إيران

05.11.2016

يؤثّر التوسع أو التّقلص الجغرافي الحاصل في الدول بشكل كبير في قوتها السياسية والاقتصادية سواء بشكل إيجابي أو سلبي، فإن توسع دولة أو تقلصها حدث يجب استغلاله بالطريقة الأسلم للحفاظ على قوة البلاد وتماسكها، ومن جهة أخرى ربما يؤدي تغيّر النّظام السّياسي إلى ضعف الدول وحدوث فراغ في البلاد، وإن ضعف دولة من الدول وتقلص نفوذها يساهم في تشكل وبروز دول أخرى كقوى إقليمية، لأنه كما هو معلوم فإن الظواهر السياسية متداخلة متشابكة.

أدّت الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية إلى تأثر هذه الأخيرة سلبيا وبشدة، وذلك من خلال خسارتها لجزء مهم من رقعتها الجغرافية وتشتت كيانها وإصابتها بعدة خسائر عسكرية، وقد تشكلت مملكة مهمة جراء هذه الثورة، وهي مملكة الحجاز تحت قيادة الشريف حسين بن علي عام 1916، أما في إيران فقد أدى عرض دستور يحد من سلطات الحكام المطلقة عام 1907 إلى حدوث فراغ سياسي رهيب، وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، أصبحت إيران حقلا لصراع الحلفاء مع المحور وتضرر الاقتصاد الإيراني بشكل كبير.

تسبّب هذان العاملان الأساسيان في القيام السريع لدولة آل سعود وبروزها كقوة سياسية مؤثرة، وذلك باستغلال ضعف الدولة العثمانية وقيام مملكة الحجاز، وذلك من خلال ضم هذه الأخير إلى سلطنتهم التي كانت تسمى بسلطنة نجد عام 1926، ليصبح اسمها مملكة نجد والحجاز وملحقها، وفي عام 1932 أصبح اسم الجميع المملكة العربية السعودية، ولعل المرء يتساءل عن دخل الوضع السياسي بإيران في سرعة تشكل وبروز السعودية، والجواب أن إيران دولة شيعية، والعداوة بينها وبين أهل السنة كانت معروفة منذ القديم وكانت تتجلى من خلال المعارك التي كانت تدور بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية والقاجارية بعدها، وكانت الدولة العثمانية كالدرع الواقي لأهل نجد فلما ضعفت الدولة العثمانية كان بإمكان الشيعة الطمع في أرض نجد والحجاز ولكن الضعف السياسي الداخلي والخارجي للبلاد لم يسمح لها بالتفكير إلا في الإصلاحات الداخلية.

ساهمت العلاقات الكبيرة والوطيدة بين السعودية وبريطانيا في تطور المملكة وبروزها بشكل أكبر في الشرق الأوسط خاصة بعد المساعدات البريطانية والضمانات الذي قدمتها للسعودية بالدفاع عنها ضد أي عدوان محتمل، وهكذا توالت الأعوام وبدأت كل من السعودية وإيران بمحاولة السيطرة على المنطقة خاصة وأن تركيا كانت تعاني داخليا بعد توالي الانقلابات العسكرية وكان أولها عام 1960 ثم بعدها عام 1971 وعام 1980، وقد كانت العلاقات السعودية الإيرانية قبل ثورة الخميني تتسم بالتوتر خاصة بعد الاعتراف الإيراني بدولة إسرائيل، والذي لم يدم طويلا. وبعد رغبة إيران بالتدخل في البحرين والتحذير السعودي من مغبة ذلك.

بعد ثورة الخميني عام 1979 أحست المملكة العربية السعودية بالخطر القادم من بلاد فارس خاصة بعد كلام الخميني المتواصل عن تصدير الثورة ورغبته في نشر التشيع في كل العالم، حيث قال في أحد المناسبات: "ونحن بحمد الله نمضي قدما برسالتنا، وسنعمل على نشر ديننا في كل البلدان الإسلامية، بل في كل مكان يتواجد فيه المستضعفون، وإننا نخطوا خطوات واثقة على طريق الرقي، وسنأخذ بأيدي الإنسانية في هذا الطريق".

ازداد الخوف السعودي الذي يمثل مذهب أهل السنة والجماعة بعد اندلاع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، وقد ردت بإنشاء كتلة سياسية وتجارية متحالفة والمسماة بمجلس التعاون الخليجي عام 1981 ليكون سدا منيعا في حالة خسارة العراق للحرب، وقامت السعودية بدعم العراق ماديا وبشكل كبير حيث ذكرت صحيفة "الرأي" الكويتية أن المملكة قدمت مساعدات مالية للعراق بلغت 6 مليارات دولار عام 1981 وزودتها بـ100 دبابة، كما ساعدت الحكومة العراقية على إصلاح منشآتها النفطية التي تدمّرت بفعل الحرب، وسمحت للعراق باستغلال مجالها الجوي لاستهداف مواقع إيرانية، من جهتها حذّرت إيران من نتائج هذا الدعم على لسان الخميني فقال: "لقد أردنا من مجلس التعاون لدول الخليج العربية الضغط على العراق لإيقاف اشتعال الحرب، وإذا لم يستجيب لهذا الطلب، فليوقفوا دعمهم للعراق، فنحن لم نحاربهم، أما إذا ساعدوا العراق فالبطبع لن نتجاهل ذلك". وبالفعل لم تتجاهل إيران ذلك فقد قامت باستهداف ناقلة نفط سعودية عام 1984، أي بعد عامين من اندلاع ما يسمى بحرب الناقلات، وردّت السعودية بإسقاط طائرة حربية إيرانية بعد الانتهاكات الكثيرة للمجال الجوي السعودي من طرف الطائرات الحربية الإيرانية.

بعد نهاية حرب الخليج الأولى عام 1988 ووفاة الخميني، أرادت السعودية استغلال الوضع والتصالح مع النظام الإيراني، وبالفعل حدث ذلك وتحسن الوضع بين البلدين وتطورت العلاقات حتى أنه قام الرئيس رفسنجاني بزيارة للرياض عام 1991، والتقى بالملك السعودي فهد، وجاء في تصريح الملك فهد آنذاك: "نحن نعتبر التعاون الإقليمي أساس الأمان الإقليمي، وحتى الآن فإن دول المنطقة لم توافق على ذلك فحسب، بل إننا نعتقد أيضا أنها جميعا جادة في تحقيقه". رغم هذا لم تكن العلاقات بين البلدين مستقرة فقد سادها الترقب والحذر من الطرفين.

وفي عام 1997 أصبح خاتمي رئيسا لإيران وهو المعروف بانفتاحه ومشروعه السلمي مع دول الجوار، حدثت نقلة نوعية في العلاقات السعودية الإيرانية وحدث تبادل دبلوماسي وعقدت عدة اتفاقيات بين البلدين، من بينها الاتفاقية الأمنية، واتضحت جليا هذا التقارب عام 2001 بعد قصف الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان، حيث أدانت الدولتان هذا الفعل الذي يمس إحساس الأمة خاصة وأن القصف كان في شهر رمضان. في عام 2003 وبعد الهجوم الأمريكي على العراق وجدت السعودية نفسها في مأزق حقيقي، باعتبار السعودية تعادي صدام حسين الذي "خان" المملكة العربية السعودية أثناء حرب الخليج الثانية، ولكن كانت متخوّفة أيضا من مصير العراق الذي أصبح فيما بعد في أيدي الشيعة المواليين لإيران، على كل، السعودية لم يكن بيدها حيلة لأن القرار كان بيد حليفها الأول الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أن أصبحت العراق بيد الشيعة حاولت السعودية التّودد إليهم بالمساعدات المالية ولكن الحكومة الشيعية كانت تميل إلى إيران بسبب التوجه الديني المشترك وخسرت السعودية بعدها الهيمنة السياسية على العراق وأصبحت العراق دولة تحكمها إيران وإن أظهر المالكي وغيره عكس ذلك.

بعد النجاح الإيراني في العراق استوحت إيران إستراتيجية جديدة ناجعة، تتمثل في دعم شيعة بلدان الشرق الأوسط وتحريضهم على الأنظمة الحاكمة، وهذه الطريقة تبعدها عن الاصطدام المباشر مع دول الجوار وتمكنها من الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط في حالة وصول المدعومين إلى الحكم، ونجحت في ذلك لأبعد الحدود فقد دعمت "حزب الله" الذي ظهر بشكل بارز بعد اغتيال رفيق الحريري في لبنان وهو الذي كان مع السياسية السعودية في المنطقة بحكم أنه يمتلك الجنسية السعودية وتحصل على ثروة كبيرة جراء عمله في المملكة، أما في اليمن وبعد "الربيع العربي"، فقد دعمت إيران الحوثيين وها هم الآن يقاتلون نيابة عنها ضد السعودية وهاهم يستهدفونها بصواريخهم الباليستية، وتدعم إيران أيضا الحكومة السورية المتحالفة معها والسعودية تدعم بشكل مواز "الجيش الحر" لمحاولة إسقاط النظام وإقامة دولة بحكومة مساندة للسعودية، كما تقوم إيران بدعم كل من شيعة المنطقة الشرقية وشيعة البحرين والكويت ونلاحظ من وقت لآخر صراعات داخلية في هذه الدول ومن ثم تدخل إيران في شؤون تلك الدول بصفتها المحامي الوحيد للشيعة في العالم كما حدثا مؤخرا بعد إعدام نمر النمر السعودي ولكن تدخلت إيران وهددت لأنه على دين الشيعة.

لا شك أن الواقع حاليا يشهد تراجع الهيمنة السعودية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي وقانون جاستا الذي أزّم العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، فقد فقدت السعودية حليفا مهما للغاية، وفي الحقيقة السعودية لوحدها لا تستطيع مواجهة الأخطبوط الإيراني خاصة بعد الضعف الاقتصادي الذي تعيشه حاليا. فهل ستغير المملكة العربية السعودية من سياستها وهل سنشاهد تحالفا سعوديا جديدا مع أحد الدول الكبرى، وهل ستتوجه السعودية نحو روسيا أم الصين، تبقى الأيام القادمة كفيلة بتوضيح المسرى السياسي والاقتصادي للدولة السعودية.     

المقالة تعبر عن رأي كاتبها