مأسسة الأمن الإقليمي واستراتيجية الجنوب لحلف شمال الأطلسي

06.08.2017

مأسسة الامن الاقليمي واستراتيجية الجنوب لحلف شمال الأطلسي

يمكن القول إن للناتو استراتيجية استمرت لفترة أكثر من خمسين عاماً دارت في مجملها في منطقة أوروبا في شقيها الغربي والشرقي، ومنذ تأسيس الحلف كانت استراتيجيته مبنية على أساس عقيدة الردع وصد المد الشيوعي عن أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وعزل الاتحاد السوفيتي سابقاً وبعد تفككه استمرت استراتيجيته نحو روسيا الاتحادية، وبعد التغيرات التي طرأت على المنطقة وخصوصاً أحداث "التغير" العربي التي عصفت باستقرار الدول العربية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، باتت دول حلف شمال الأطلسي الناتو  تدرك الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، خصوصاً أن هذه المناطق باتت تعاني ما يعرف بالفراغ الاستراتيجي الذي ظهر بعد تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية جزئياً في الشرق الأوسط نتيجة تداعيات الحروب الامريكية والذي انعكس على استراتيجياتها الخارجية والتي أضحت تصب مجمل اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة شرق اسيا.

ونتيجة لذلك تبنت كل من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا (القوى الأوروبية) التوجه الأطلسي نحو الجنوب والدفاع عن المصالح الجماعية لدول الحلف في هذه المنطقة الغنية بالطاقة، إذ يمثل الخليج المنطقة الأكثر أهمية من الناحية الجيواستراتيجية في ميزان القوى الإقليمية والدولية نظراً لما يمتلكه من ثروات استراتيجية كالنفط والغاز فضلاً عن موقعه الذي يمكن اعتباره بالحيوي من خلال إطلاله على البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، وبالتالي فإن هذه المنطقة تعد منطقة صراع دولي وإقليمي.
ورغم تواجد النفوذ الأمريكي فيها إلا أن هذا لا يمنع من توجه القوى الدولية نحوها كالصين وروسيا فضلاً عن القوى الإقليمية المحيطة بها، وبالتالي بات من الضروري لحلف الناتو التوجه نحو الشرق الأوسط وتحديداً الخليج العربي من أجل ملء الفراغ الاستراتيجي بعد التوجه الأمريكي نحو آسيا لصد النفوذ الصيني والروسي المتصاعد هناك ولتقسم الادوار، وبالتالي فإن استراتيجية الجنوب لحلف الناتو تعتبر تكتيكاً وتبادل أدوار بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو من أجل توسيع نطاق حرية المناورة الأمريكية الأوروبية في الشرق الأوسط والخليج العربي.
وهناك جملة من الأسباب التي يمكن اعتبارها بالأمنية التي دفعت دول الخليج العربي نحو الاتجاه للناتو وهي:
1- فقدان الثقة بالولايات المتحدة: ويرتبط هذا الموضوع بظاهرة تراجع الوجود الأمريكي على الساحة الدولية من جهة وفي الخليج بشكل كبير نتيجة تكثيف الجهود الأمريكية نحو شرق آسيا واحتواء الصين وروسيا.
2- تراجع القوة الأمريكية وانتشارها لدى القوى الأخرى: بعد الإخفاق الأمريكي في العراق وأفغانستان وتراجع الدور الأمريكي في النظام الدولي وظهور قوى عالمية أخرى منافسة للولايات المتحدة كتجمع (بريكس) أدى بالقوى الخليجية للاتجاه نحو (الناتو).
3- ظهور قوى تنافسية للولايات المتحدة: دفع الوجود الإيراني في الخليج، بعض القوى الخليجية  تتجه نحو تعضيد تحالفاتها الأمنية مع القوى العالمية الأخرى كحلف (الناتو).
4_ مأسسة الامن الاقليمي: تعمد البلدان الخليجية على اطفاء الطابع المؤسسات للامن الاقليمي في منطقة الخليج، من أجل التملص من تداعيات الوجود الأمني بشلكه السياسي، والتواجد العسكري شبه المؤسساتي والذي بات يعطي نوع من الشرعية السياسية والاعلامية للقوى الاوربية المتواجد في المنطقة تحد مظلة الناتو.
ونظراً للتطورات الاخيرة التي تعصف بمنطقة الخليج والتي في طليعتها التناقضات الامنية والصرعات الداخلية، و لما يمثله الخليج من أهمية استراتيجية للولايات المتحدة سعت إلى إعادة ترتيب المنظومة الأمنية في الخليج لتأمين مصالحها في المنطقة من خلال إدخال الناتو في المشروع الأمني لمنطقة الخليج، ودفعه للعب دور أكبر في المنطقة لكي يحل محل أي ترتيبات أمنية بهدف تنفيذ ومتابعة استراتيجية (الجنوب) بين الشقين الشرقي والغربي من إقليم الشرق الأوسط، أي بين الخليج العربي من ناحية والمشرق العربي وذلك بالربط بين نظام الأمن الإقليمي الجديد في الخليج وتحت مسمى (برنامج الشراكة من أجل السلام)، فالمغزى الأساسي هو الدعوة لخلق تحالف غربي جديد في هذه المنطقة يقوم على أساس استراتيجية (الجنوب) من أجل احتواء القوى العالمية والاقليمية والتي في طليعتها الصين وروسيا.