مشروع "روج آفا".. الطعم الأمريكي للأمن الأقليمي

02.09.2017

تتقن واشنطن أحد أهم وأخبث الممارسات السياسية وهي اللعب على تناقضات الأمن القومي للدول المتجاورة (حروب الأضداد الصفرية) لدفعها للوقوع بمخططات واستراتيجيات معدة مسبقاً تضع هذه الدول في خانة رد الفعل بالنسبة للفاعل السياسي الأمريكي، وتدخلها في مسار طبيعي تحت الضغوطات والمواجهات الأقليمية بنتائج مدروسة مسبقاً، وبأقل التكاليف الممكنة، لخدمة مفهوم الأمن القومي الأمريكي حسب ما يحدده صناع القرار في واشنطن.
وأحد أخطر هذه المشاريع التي طرحتها واشنطن هو دعم أكراد سورية بذريعة فعاليتهم في محاربة الإرهاب، والاعتماد عليهم في تصفية تنظيم داعش في شمال وشمال شرق سورية، والاعتراف بحقهم في إدارتهم الذاتية تحت مسمى مشروع "روج آفا"، بحيث يثير دعم واشنطن هذا المشروع القلق العميق لكل من سورية وتركيا وبشكل أقل إيران ويشكل تهديداً واضحاً للأمن القومي لكل دولة على حدى، وهو ما يرشح المنطقة الشرقية من حوض الفرات لتكون بقعة جغرافية شديدة السخونة وكبيرة التأثير على البنى الجيوسياسية لكل من سورية وتركيا بالدرجة الأولى، ما يعني تحويل هذه البقعة الجغرافية إلى منطقة آمنة لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره الحكومة التركية التهديد الأول للأمن القومي للبلاد، ومن جهة أخرى فإن الحكومة السورية ترى تمدد الأكراد وسيطرتهم على ما يقارب نصف الثروة المائية للجمهورية ونصف إنتاج النفط إضافة إلى سد الفرات أمر غير مقبول إطلاقاً تحت أي ثمن كان، فكيف إذا كان الطموح الكردي في المنطقة قد بلغ أوجه بالمطالبة بالاستقلال قبل حتى أن تتضح معالم الخريطة الميدانية والعسكرية ومصير التنظيمات الإرهابية على الجغرافية السورية، وما جنوح الأحلام الانفصالية الكردية  إلا مطلب واشنطن ذاتها التي تعمل على تغذيتها بوهم الواقع المتغير، حيث تكرس الولايات المتحدة الأمريكية هذا الوهم-الذي يدفع ثمنه الأكراد من دمائهم- لتحقيق عدة أهداف استراتيجية في المنطقة أهمها:
1- إنشاء ما يعرف إصطلاحاً بدولة تخوم أو كيان مانع في وجه تركيا وتهديد أمنها القومي لاحتواء أطماعها في إعادة بناء أمجاد الامبراطورية المندثرة، وهو ما استجابت له تركيا بالفعل بتطويق نفسها بجدار عازل على كل من الحدود المشتركة مع سورية في الشمال الشرقي ومع الحدود الإيرانية، واستنزاف فائضها من الموارد المتنوعة داخلياً في معارك عقيمة لا نتيجة لها.
2- تهديد الأمن القومي الإيراني مستقبلاً في حال دمج ملف الأكراد مع ملف المعارضة الإيرانية الخارجية لمحاولة خلق موجة عارمة من الفوضى الداخلية من الممكن أن تشغل القيادة الإيرانية عن المشاريع الأمريكية في المنطقة، مع اليقين الامريكي أن ملف الأكراد لن يشكل عاملاً تقاربياً بين إيران وتركيا نظراً لأن إيران لا تريد أن تثير هذا الملف خاصة بعد قضائها على نشاط حزب الحياة الحرة الكردستاني(PJAK) في إيران، واحتواء الأكراد الشيعة تحت ولاية الخامنئي وانعدام الرغبة الذاتية بالانفصال.
3- تعزيز النزعة الانفصالية لكردستان العراق تحت وهم تعاظم القوة بعد المشاركة في المعارك ضد تنظيم داعش واتفاقية انضمام البشمركة كجيش احتياط للناتو، وهو ما سيمد الأكراد في الدول المجاورة بتغذية راجعة نحو استمرار الامتطاء الأمريكي لأحلامهم.
4- محاولة الفصل الجغرافي بين كل من سورية والعراق بثلاث مراحل متزامنة تبدأ بتوسيع سيطرة الاكراد ليصل إلى كامل حوض الفرات بحيث يشكل حاجزاً طبيعياً لحدود سياسية يقف في وجه محاولات دمشق للتقدم، وهو ما نراه اليوم من حشد للقوات الكردية في الشدادي تمهيداً للتقدم والسيطرة على ما تبقى من الضفة الشرقية للفرات، بالتزامن مع عمليات الإنزال الأمريكية في محيط مدينة دير الزور لتثبيت مناطق ارتكاز عسكرية تسرع من العملية قبل وصول الجيش السوري، إضافة إلى تسليم الحشد العشائري الموالي لأمريكا لمعبر الوليد العراقي الحدودي مع سورية.
5- تطبيق واشنطن لمبدأ (الجار قبل الدار) إن صح التعبير في تحقيق الهدف الأمريكي-الإسرائيلي الرئيسي في توسع الكيان الإسرائيلي حتى الوصول إلى دولة إسرائيل العظمى من الفرات إلى النيل، بالتالي تأمين الحدود المستقبلية لهذا المشروع، وهو ما يفسر طيب العلاقات الاسرائيلية مع التنظيمات السياسية الكردية في الإقليم، حيث تراهن كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي على المدى الزمني الطويل والمتغيرات التي يحملها سواءً الطبيعية منها التي تمر بعمر الدول أم المصطنعة التي تقوم بناءً على خطط وسياسيات عدائية معدة من قبلهم مسبقاً.
والسؤال هنا ما هي ردود الفعل الممكنة للحكومات المتضررة من هذا المشروع وهل هي محسوبة فعلاً من قبل واشنطن وكيف سيتم توظيفها؟
من المؤكد أن الحكومات الأكثر تضرراً ستكون الأسرع استجابة، بالتالي تعنى كل من الحكومة التركية والحكومة السورية بالرد الأمثل وبأقرب فرصة ممكنة، ونتيجة للحرب العلنية بين الحكومتين، واحتلال تركيا لأراضي شمال سورية، فاحتمال التعاون أو التنسيق المباشر بما يخص هذا الملف أو غيره شبه معدوم، أي أن المشروع الذي يشكل تهديداً مشتركاً لكل دول الأقليم غير قادر بسبب الظروف الحالية على خلق أي تعاون بين هذه الدول أو الحكومات لإنهائه أو التصدي له على أقل تقدير، وإنما ستواجه كل حكومة هذا المشروع منفردة بما يخدم رؤيتها وحدها، وهو ما سيقلل من فرص نجاح أي حكومة من هذه الحكومات وما سيضعها في خانة الأفعال المتوقعة من قبل واشنطن، وما هي إلا مسألة وقت ليس ببعيد حتى تبدأ المواجهات الحقيقية المباشرة، ويلتهب الأقليم بأكمله مرة أخرى، وذلك بمجرد الانتهاء من داعش الذي لم يتبقى منه إلا القليل، وشطب عنوان مكافحة الإرهاب العريض كعنوان توافقي، لتبدأ بعدها كل أطراف النزاع في الإقليم بالنظر إلى بعضها البعض بعين الريبة والشك والتربص، والتي سيشعل شرارتها الأكراد في شرق الفرات بحذوهم حذو كردستان العراق بالمطالبة بالاستقلال بعد تحرير الموصل، معلنين بذلك بدء المواجهة  العنيفة مع الجيش السوري الرافض حتى لفكرة الفدرلة، ما يتيح لتركيا الفرصة بالانقضاض على عفرين أقصى شمال غرب سورية ومحاولة السيطرة عليها، بالتالي جملة هذه الأحداث ستشكل مشهداً يبعث السرور لواشنطن الراغبة في إعادة احتواء تركيا من الانزياح نحو المحور الأوراسي وذلك عن طريق:

أولاً: ترك الأكراد يستنزفون ما تبقى من أسلحتهم وذخائرهم الثقيلة في معركة قاسية ضد الجيش السوري ومنهكة لكلا الطرفين، مما يخفف من تهديد الأكراد المدعومين أمريكياً على الامن القومي التركي والتي في نهاية تبقى عضواً أساسياً في حلف الناتو.
ثانياً: توتر العلاقات الروسية التركية فور محاولة تركيا الانقضاض على أكراد عفرين الخاضعين للتدريب الروسي لمواجهة الإرهاب ولكسر الاحتكار الأمريكي للملف.

مما يعني في نتيجة الأمر تخفيف من خطر الأكراد، وإعادة استقطاب تركيا، وقبول الأكراد في شرق الفرات بالتنازل عن فكرة الانفصال إلى صالح الفدرالية التي ستقبل بها الحكومة السورية على مضض سعياً لإنهاء المواجهة الدامية، بالإضافة إلى انفصال كردستان العراق بشكل نهائي، وهو سيناريو مروع لا يمكن تجاوزه إلا بتعاون جدي وحقيقي بين حكومات الأقليم لمواجهة هذا المصير المحتوم.