مقهى باريس وحزُّورة الجزائر وحزب الله... موقف المغرب وسيادية القرار الجزائري

10.05.2018

إن معنى كلمة حَزُّورة في المعجم العربي "اللُّغز أو السؤال المُلتبس الذي يُطلب إيجاد الجواب المناسب له" وهي كلمة مستعملة بكثرة لدى أشقائنا في المشرق العربي ،واختياري لهذه الكلمة في تركيب عنوان لهذا المقال مرتبط بالأحداث الأخيرة بعد تشَنُّج العلاقة المغربية الإيرانية ومحاولة الطرف المغربي إقحام الجزائر وسط هذا الوضع .. ولقد رأينا جميعا الصور التي تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي وهي الصورة التي جمعت كل من الملك المغربي محمد السادس وولي العهد السعودي  محمد بن سلمان ورئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري في أحد مقاهي باريس وهو اللقاء الذي يجمع عناصر عديدة يمكننا من خلالها فهم فحوى قرارات الملك المغربي الأخيرة والتي تعتبر بمثابة لُغز يُطلب من المتابعين أن يفكوا طلاسمه وأن يجدوا الرابط السحري بين عناصر هذا اللغز الطريف.

فالطرف المغربي يتهم إيران بإدخال عناصر من حزب الله اللبناني للجزائر لتدريب عناصر من جبهة البوليساريو الصحراوية  على استخدام صواريخ SAM9  و SAM11 /صواريخ أرض جو/ بتسهيل من السلطات الجزائرية ،وتقارير أخرى تقول بأن الجزائر سعت لطهران للوساطة بينها وبين حزب الله لتدريب عناصر من البوليساريو ... بغض النظر عن غياب أي دليل عن هذه التهم وبغض النظر أيضا عن توجُّه الجزائر نحو دولة تبعد عشرات الآلاف من الكيلومترات للتوسط بينها وبين حركة تحررية أخرى للمجيء للجزائر للقيام بهذه المهمة ،فالمشكلة الأساسية تكمن في استصغار واحتقار لقدرات الجيش الجزائري الذي يعد من أقوى جيوش المنطقة عُدَّة وعتادا وإطارات ومجندين حسب التقارير الاستراتيجية الصادرة عن أهم مراكز الدراسات العالمية المرموقة.

والسؤال المطروح :ألا يستطيع الجيش الجزائري القيام بهذه المهمة -لو أراد ذلك- أم أن هذا الربط هو مجرد ذر للرماد في العيون .. فالمملكة المغربية أصبحت خلال السنوات الماضية تلبي الرغبات السعودية بداية باستعمال الجيش المغربي في الحملات العسكرية السعودية على اليمن والتي أُسقطت فيها للمغرب طائرة عسكرية في الأجواء اليمنية خلال قيامها بمهمات عسكرية هناك قبل سنتين تقريبا ،وكذا موقف المملكة المغربية من الصراع السعودي القطري وغيرها من المواقف الأخرى التي تُثبت بأن قرار المغرب ليس بيده وإنما موقعه فعليا في جملة السياسات الخارجية الإقليمية والدولية -مفعول به-.

إن محاولة الربط بين لقاء الملك المغربي محمد السادس بسعد الحريري ومحمد بن سلمان في باريس مؤخرا وبين هذه التهم الطريفة يمكننا حله وفق معادلة رياضية بسيطة جدا يمكننا إسقاطها لتفكيك مركبات هذه التهم فاتهام المغرب للجزائر بإملاء سعودي عبر إقحام إيران ولمسة سحرية من سعد الحريري بإدخال حزب الله في المعادلة .كل هذه الأمور جاءت بعد صفعة مجلس الأمن الأخيرة للمخزن المغربي في قضية الصحراء الغربية التي فرضت فيها الجهات الأممية على المغرب إلزامية الجلوس مع الجانب الصحراوي لإجراء مفاوضات بين الطرفين إضافة لبعض المواقف الجزائرية التي وقفت ضد إرادات بعض الدول الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بعدم التدخل في بعض الأزمات العربية ورفض إدراج حزب الله في قائمة الإرهاب في أشغال القمة العربية السنة الماضية وقرارات جزائرية أخرى أثبتت للقاصي والداني سيادية القرار الخارجي الجزائري واستقلاليته عن أي ضغوطات وإملاءات أجنبية وهو الأمر الذي يؤرق المخزن المغربي الذي يسعى في كل مناسبة أن يدخل في حرب وهمية دونكيشوتية مع الجزائر التي يترفع صناع قرارها عن الرد على أي مشاكسات من الجارة الغربية .

وقد كتبنا من قبل مقالا يتكلم عن شغور مكان ليبيا القذافي في إفريقيا كقطب امتياز بين أقطاب أخرى تمثلها بعض الدول وكذا منافسات لم تخرج للعلن بين بعض الأقطاب الأخرى في القارة السمراء وكذا رجوع المغرب للاتحاد اللإفريقي السنة الماضية بعد غياب طويل قد يدخل في هذا الإطار، ولكن الطرف الجزائري يتحرك بحكمة منقطعة النظير في العديد من المواقف وآخرها ردة الفعل الجزائرية الأخيرة في مواجهة هذه التهم، وهو الموقف الذي سار وفق الأعراف الدبلوماسية المعروفة ببيان صادر عن وزارة الخارجية يندد فيه بهذه التهم ولم يتعدى الفعل السياسي أكثر من ذلك وكذا توجيه إشارة لبعض القوى التي تتستر خلف هذه التهم عبر إجراء أكبر مناورة عسكرية أجريت منذ سنوات بين القوات البرية والبحرية  "مناورات طوفان" في الغرب الجزائري لتبيان مدى جهوزية الجيش في مواجهة أي تهديدات قد تمس بالبلد والتأكيد على أن دور الجيش هو حماية الشعب والدولة وفقط ، والذي لا يمكن أن يُستعمل جنوده كمرتزقة لحساب دول أخرى أو الحرب بالنيابة عنها في معارك عبثية معروفة النتائج كما تُستعمل جيوش بعض الدول.

وبالرغم من كل المشاكسات والاستفزازات التي تعرضت لها الجزائر إلا أنها حافظت على علاقاتها الطيبة مع الجميع ، فالمحاولة الأخيرة لإحراج الدولة الجزائرية في علاقاتها مع إيران أو زعزعة مواقفها وقراراتها تجاه حركات التحرر الوطنية في بلدان أخرى ، إلا أن الدولة الجزائرية حافظت بشخصيتها القوية على علاقاتها مع الجميع ولا تزال ثابتة على مواقفها الداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها ، سواء بالنسبة للبوليساريو أو بالنسبة للفصائل الفلسطينية باختلاف توجهاتها أو بالنسبة لحزب الله الذي جسَّد طول أكثر من 35 سنة وطوال مسيرته حالة مقاومة فعلية لتحرير أراضيه والدفاع عن وطنه من آفتي الاحتلال الصهيوني أو خطر الجماعات المتطرفة المسلحة التي ترابط على مقربة من الحدود اللبنانية السورية في الداخل السوري ،إضافة لاعتباره مكونا من مكونات الحكومة اللبنانية ومشاركا فعليا في الساحة السياسية في لبنان الذي تجمع بينه وبين الجزائر علاقات طيبة وأخوية.

هذه القرارات الجزائرية البعيدة عن أي نزعات طائفية أو مذهبية ،هي قرارات نابعة أصلا من التدين الجزائري -إن صح التعبير- وكذا المرجعية الدينية المعتدلة والوسطية والمتسامحة مع جميع الأديان والمذاهب ،وهو التدين المركب لشخصية الجزائري منذ أمد بعيد.

لهذا فلا يمكننا كمتابعين وكباحثين أكاديميين أن نحلل فحوى هذه التهم والادعاءات إلا من باب التهكُّم وعدم إعطائها أي قيمة انطلاقا من معطيات موضوعية تحتِّم على المتابعين والأكاديميين خصوصا أن يتساءلوا عن الأدلة الملموسة لهذه التهم . قبل الخوض في التحليل والحكم، فالقضية منفية بانتفاء الرابط المنطقي بين عناصر التهمة وكذا المعطيات الموضوعية لإثبات هذه التهم.

وفي اعتقادنا فكل ما فعلته المملكة المغربية مؤخرا هو محاولة للفت نظر واشنطن للتأثير على الموقف الأمريكي في قضية الصحراء الغربية بعد القرار الأخير الملزم للرباط بالتفاوض مع جبهة البوليزاريو التحررية. ومحاولة المغرب الاصطفاف مع الإمارات والسعودية في مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة ،فالمغرب الهامشي من حيث الموقع الجيوبوليتيكي يبحث عن تموقع قوي على الساحة الإقليمية من خلال الاصطفاف خلف بعض القوى الإقليمية والدولية وإعلان عداءات وهمية مع جيرانه ولكن واقع الحال يؤكد غياب الحكمة والكياسة السياسية الكافية في التحرك الصحيح. وهذا ما سيكلف المغرب قرارات خاطئة لا تخدم توقعاتها وآمالها لأن النسق السياسي الخارجي الذي تسير فيه غير عقلاني ومقدراتها المادية والموضوعية لا تتوافق وإرادتها السياسية.