الستاتيكو الجغرافي البرغماتي الأمريكي الروسي والمرحلة الرمادية للنظام العالميّ المنهار

05.06.2018

النظام العالميّ الجديد ينهار، نظام ما بعد الحرب الباردة ينهار، فرضية لم تعدّ جدليةً في العلاقات الدولية بل أضحت حقيقةً واقعة، ومخطئٌ من يعتقد أنّ واشنطن تحاول منع الانهيار، لأنّ الانهيار الحاليّ ليس مردّه فقط مجرد بروز قوةٍ دوليةٍ جديدةٍ أو تكتلاتٍ جديدةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ، فالإدراك الأميركيّ كما الروسيّ كما الصينيّ أنّ عوامل الانهيار هيّ من داخل بنية هذا النظام، القِيمية والأخلاقية والاقتصادية، وتغيّر المجتمعات الغربية إضافة إلى تغير مجتمعات الدول الراغبة في التغيير.

هذا التغير رافقه ضعفٌ على مستوى رأس هرم هذا النظام وهيّ الولايات المتحدة فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وتزايد أعباء المديونية الأميركية الداخلية والخارجية أوصل الإمبراطورية الأميركية إلى حافة الهاوية، ومع ادراك روسيا لهذا الخلل البنيويّ في طبيعة النظام العالميّ ومع التعافي الجزئيّ للاقتصاد الروسيّ، وتنامي قدرتها العسكرية وسلوكها الجيوبولتيكي في جورجيا وأوكرانيا وسورية، تسارعت وتيرة الانهيار ليدخل النظام الدوليّ مرحلةً رماديةً فلا هو اكتسب شكلاً جديداً ولا هو حافظ على نسقيته السابقة، وتعنون الصراع بين روسيا والولايات المتحدة بعنوان السباق الجيوسياسيّ، ولكن باتجاهين متعاكسين، فالجهود الروسية تتخذ اتجاه الخلخلة الجيوسياسية للناتو، بينما واشنطن تتخذ اتجاه الجذب الجيوسياسيّ، الأمر الذي أدى بالكتل الجيوسياسية المتنافس عليها بين الطرفين إلى حالة الستاتيكو الجيوسياسيّ البرغماتيّ، والذي صار نهجاً سياسياً للدول الإقليمية الكبرى كتركيا وأذربيجان وتركمانستان وتوضع الهند في ذات التوجه، فلا روسيا باتت قادرةً على جذب كتلٍ جيوسياسيةٍ لمشروعها الأوراسي الوليد بعد نجاحٍ جزئيّ في العام (2015)، ولا واشنطن أضحت قادرةً على إيقاف الصدوع العميقة في بنية الناتو العسكرية، والتي نجحت موسكو في خلخلة مفهوم العدو فيها.

وللمفارقة ذات الدلالة أن سلاح واشنطن ضدّ روسيا هو ذاته سلاح موسكو ضد الولايات المتحدة، إنّه الضعف الاقتصاديّ، حيث استغلت روسيا ضعف واشنطن وانكماشها الاقتصاديّ وابتزازها لحلفائها الأوربيين مالياً وطرحت مشاريع مغريةٍ في مجال الطاقة على ألمانيا وبلغاريا واليونان، جهودٌ قادت إلى خلخلة الموقف الأوربي تجاه روسيا، وبذات الوقت استغلت واشنطن تباطؤ النمو الاقتصاديّ الروسيّ وعدم قدرة هذا الاقتصاد على قيادة قاطرة المجموعة الأوراسية في دفع دول القلب الأوراسيّ إلى مزيدٍ من الانفتاح مع الاقتصاد الغربيّ كما يحدث مع كازخستان وأذربيجان وتركمانستان.

وأمام حالة الستاتيكو الجيوسياسي التي تقف عثرةً أمام جيوبولتيكيا الدولتين بدأ كلّ طرفٍ منهما باستراتيجيةٍ جديدة، وأيضاً للمفارقة استراتيجيا بذات المضمون، وهيّ العودة خطوة إلى الوراء جيوبولتيكياً لمعالجة الإشكاليات الداخلية، فطرحت روسيا رؤية (2024) وهو الموعد المفترض لتجاوز روسيا إشكاليتها الاقتصادية والاجتماعية وبلوغ مرحلة الدول الخمسة الصناعية في العالم مع تحسن في مستوى المعيشة الداخلية الروسية وتعزيز القيم الديموقراطية (المحافظة)، وبذات الوقت بدأت إدارة ترامب بالانسحاب من كلّ الاتفاقيات الاقتصادية التي تكبّل الاقتصاد الأميركيّ، نهجٌ سيقود حلفاء الطرفين إلى مزيدٍ من البرغماتية في التحالفات على المدى المتوسط، وريثما يتعافى الاقتصادين لقيادة استراتيجية الدولتين لمرحلة التشكّل ما بعد الرمادية الراهنة، اتكئ الخصمين الروسيّ والأميركيّ كلٌّ على حده على القدرات العسكرية لمنع الطرف الآخر من التعافي الاقتصادي، ولكن هنا باختلافٍ جوهريّ، فالولايات المتحدة الأميركية أطلقت العنان لاستراتيجية "عكس الفشل" والتي تتخلص بنقطتين الأولى هيّ نسف "عقيدة أوباما" التي نصّت على انسحاب الولايات المتحدة من كلّ الصراعات التي من الممكن أن تفاقم المأزق الأميركيّ وهو ما اعتبره صقور المتشدديين في الحزبين الرئيسيين في أميركا سبب بروز القوة الروسية.

وتتمحور هذه الاستراتيجية الجديدة في ثلاث نقاط رئيسية الأولى هي التوسع العسكريّ في أيّ نقطةٍ لروسيا فيها مصالح جيبولتيكية، النقطة الثانية إطلاق حروب الاستخبارات الكبرى وإحياء نموذج الثورات الملونة، والنقطة الثالثة التصدي بحزم لروسيا في فضاء السايبر والاستثمار لإحكام قبضة شركات واشنطن التكنولوجية العملاقة على المجتمعات الرقمية باعتباره أولويةً أميركية، والنقطة الثانية وهي الأساسية حرب أنابيب الطاقة، عبر مسارين الأول دعم الممرات البديلة للطاقة باتجاه أوروبا، فدعمت واشنطن الممر الجنوبي (جنوب القوقاز-تاناب-تاب) بين أذربيجان والأدرياتيكي بقوة، بما يهدد مشروعيّ روسيا مستقبلاً (السيل التركي والسيل الشمالي2)، وبدأت واشنطن بتوتير الأوضاع العسكرية في بحر البلطيق بشكلٍ مكثفٍ لتقليل الرغبة الأوربية في جدوى السيل الشمالي2، إضافةً إلى استمرار الرغبة الأميركية في توسيع حلف الأطلسي شرقاً حيث مشروع روسيا المتوقف وهو السيل الجنوبي، وفي ذات السياق بدأت روسيا بالضغط على الاقتصاد الأميركيّ عبر جره لأول مرةٍ إلى سباق تسلح لا إراديّ منه فطرحت روسيا الأسلحة فرط الصوتية التي تتجاوز قدرات الدرع الصاروخية الأميركية الحالية والصواريخ الشبحية لا نهائية التحليق بمسارات غير بالستية ومفاعلات نووية صغيرة، ناهيك عن الغواصات النووية ذاتية القيادة وصواريخ سارمات، بما يجبر واشنطن على اللحاق بالقدرة العسكرية الروسية وتوجيه مسار الموازنة الأميركية باتجاه التطوير العسكريّ وليس الإصلاح الاقتصاديّ، وهنا يبقى السؤال معلقاً من سيربح الصراع بين عقليتين متشابهتين لشخصيتين قويتين وهما ترامب وبوتين؟ صحيحٌ أنّ الرئيس ترامب ليس بذكاء الرئيس بوتين السياسيّ والاستراتيجيّ ولكن ينبغي الحذر عندما تتم المقارنة بالاقتصاد والتجارة!

ولكن بموازاة حرب كسب الرهانات على الاقتصاد كقوة دافعة للجيبولتيك، يبرز لدينا حربٌ من نوعٍ آخر وهي حرب النموذج، النموذج الأميركيّ القائم على مفهوم القوة، والنموذج الروسيّ القائم على مفهوم الشرعية، ففكرة النموذج الأميركيّ تقوم على مبدأ السلام من خلال القوة وهو نهج السياسة الخارجية الأميركية الحاليّ، بمقابل نموذج السلام من خلال قواعد القانون الدوليّ، وحسم النتيجة لصالح أحد النموذجين رهنٌ بالحرب الإعلامية والدعائية فنجاح واشنطن باستمرار بثّ الروسوفوبيا دولياً سيرجّح النموذج الأميركيّ كخيارٍ للمجتمعات الأوربية، ولكن نجاح روسيا بتسوية الأزمتين السورية والأوكرانية يعطي نقاطاً إيجابيةً للنموذج الروسيّ وهذا يتطلب باعتقاديّ تقديم روسيا بعض التنازلات لصالح ألمانيا في رباعية النورماندي بما يشجع ألمانيا على الاستمرار بسياسة العناد والتنافس مع واشنطن، دون إغفال النقاط التي من الممكن أن يسجلها الرئيس ترامب إذا استطاع تسوية الأزمة الكورية النووية بعد رفع سقف التهديدات ضدّ كوريا لصالح سياسته السّلام من خلال القوة...

ختاماً دخل النظام العالمي مرحلة ما بعد الأمركة وصحيحٌ أنّ الانتقال إلى المرحلة الرمادية مرّ بتكاليف أقلّ من تكلفة تغير النظام الدوليّ في النصف الأول من القرن الماضي بحربين عالميتين، ولكن الانتقال إلى المرحلة مابعد الرمادية ليس مضمون النتائج وغير محددٍ بمساراتٍ معيةٍ فالحرب التجارية وحرب العملات وحرب السايبر قد تفضي إلى كوارث وخيمةٍ على البشرية دون إهمال الصراع العسكريّ فهو فرضيةٌ دائمةٌ في نظامٍ دوليٍّ فوضويٍّ البنية.
د.سومر صالح