الصراع في الشرق الأوسط.. من سوريا إلى العراق... والجائزة الكبرى (مصر)

29.04.2018

فاجئ الأمريكي الجميع وأعلن عزمه الانسحاب من سوريا بعد أن تكلفت خزينة بلاده 7 تريليونات دولار في الحرب السورية، وطالب دول الخليج بأسلوب شديد الإهانة بدفع الفاتورة، مهددا ومعايرا دول الخليج بأنه لولا حماية أمريكا لهم لما بقوا على عروشهم لأسبوع واحد، واستقبل بعدها رئيس فرنسا الشاب كطفل صغير مستهزأ به في كافة المشاهد التي جمعته به، وسواء كان ذلك عن عمد أو غير عمد من شخص لا يعرف عن البروتوكولات الكثير كشخص التاجر دونالد ترامب، فكما رفض الفرنسي أن يملئ كامل الدور الأمريكي في سوريا مكتفيا بمساعدة الأكراد فقط، كذلك رفض ترامب كل مقترحات ماكرون بخصوص الاتفاق النووى الإيراني، في مشهد جعل أوروبا كلها في حيرة من أمر ترامب، فأوروبا وحدها من يدفع فاتورة أي عقوبات أمريكية وإنجليزية على موسكو، وهى من ستفقد ثقة الآخرين فيها لو تخلت عن الاتفاق مع إيران، وهو الأمر الذي جعل ميركل تذهب بنفسها لواشنطن لمحاولة ثني ترامب عن قرار انسحابه من الاتفاق النووي.

الأمريكي لا يريد من اللعبة الآن سوى الخروج من سوريا قبل أن تتحول إلى وحل لا يمكن الخروج منه كالوحل الأفغاني، بعد ما علم به الأمريكي من تحضيرات إيرانية تجاه شرق الفرات وتركية تجاه شمال سوريا، وطالب بدفع تكلفة دخول الولايات المتحدة في الحرب السورية من دول الخليج (التي هي أصلا مدفوعة مسبقا)، ولكن الإسرائيلي الذي تحدث بكل فجور وتبجح في حواره لموقع "إيلاف" السعودي (المقرب من السعودية) على لسان وزير جيش الاحتلال أفيغدور ليبرمان (المتواجد حاليا بواشنطن لبحث كيفية مواجهة النفوذ الإيراني) ومن قبله رئيس الأركان غادي إيزنكوت عن عزمهم لتدمير سوريا وإيران وتصفية فلسطين، لم يشبع بعد من دمار للمنطقة على مدار سبعة أعوام، ويرمي إلى هدف بعيد ومخطط شديد الخطورة، يريد جر أرجل الجيوش العربية في سوريا كي يواجه العرب جيوش سوريا وإيران وتركيا وروسيا، وكي تتحول سوريا لبؤرة استنزاف كل هؤلاء معا.

وإذا كنا تسائلنا بعد عام 2003 في الشارع العربي الدور على من بعد العراق؟ فالآن الكل يتساءل الدور على من بعد العراق وسوريا وليبيا واليمن؟

وهو السؤال الذي أعاد بذاكراتنا إلى صقر الجمهوريين بعهد بوش الأب، والشخص الأكثر نفوذا في تخطيط السياسة الإستراتيجية الأمريكية في إدارة بوش الابن، وأبرز من دعوا لاحتلال العراق، نائب وزير الدفاع في إدارة رونالد ريغان بالثمانينيات، وعضو مجلس إدارة "المعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي" ومديراً لصحيفة جيروزليم بوست الإسرائيلية، أنه اليهودي  الأمريكي الملقب بـ"أمير الظلام" و"دراكولا" ريتشارد نورمان بيرل.

ففي تموز 1996 قدم بيرل وثيقة مكتوبة إلى بنيامين نتنياهو (مع بداية توليه لرئاسة الوزراء وقتها) طالبه فيها بإلغاء اتفاق أوسلو ومبدأ "الأرض مقابل السلام"، وضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى إسرائيل بشكل نهائي، واقترح في نفس التقرير التخلص من حكم صدام حسين، وتنفيذ عمليات عسكرية في لبنان وإزالة ياسر عرفات بأي شكل، وفي تموز2002 اقترح بيرل في جلسة لمجلس السياسات الدفاعية تطهير قيادة الأركان الحربية الأمريكية من كل المعارضين للحرب ضد العراق، قائلا: "على واشنطن تغيير كل النظم غير المرضي عنها في العالم، ولا بد من التخلي عن كل الحلفاء التقليديين في الشرق الأوسط".

وبعد غزو العراق 2003، دعا بيرل صراحة إلى احتلال منابع النفط في السعودية عسكريا من قبل الولايات المتحدة وقطع جميع الروابط مع الحكومة السعودية، واصفا علاقة السعودية بأمريكا كالوضع الشاذ، قائلا: "المفترض أنها حليف إستراتيجي وفي الوقت ذاته لا تزال الأموال تتدفق على الإرهابيين من السعودية".

وأخيرا وليس آخرا ومن يجيب بشكل مباشر على سؤال: الدور على من بعد سوريا؟
يقول ريتشارد بيرل في عام (أي قبل غزو العراق بعام)2002، سيكون العراق هو الهدف التكتيكي لحملتنا على المنطقة، وستكون المملكة العربية السعودية هي الهدف الإستراتيجي، أما مصر فستكون الجائزة الكبرى.

لذلك جاء أول اتصال رسمي من واشنطن للعرب لمعرفة مدى إمكانية إرسال جنودها لسوريا للواء عباس كامل القائم بمهام مدير المخابرات العامة المصرية، ولا غريب أن يكون أول اتصال رسمي من البيت الأبيض للقاهرة لمناقشة ذلك الأمر، ولكن ما يجب أن نقف عنده هو أن من هاتف اللواء عباس كامل لم تكن نظيرته الأمريكية مديرة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، أو قائد القيادة المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل (أقرب العسكريين الأمريكان للقاهرة)، والذي جاء كل تركيزه وعمله بالأسابيع الأخيرة في لبنان (ترموتر المنطقة)، بعد زيارة لبيروت منذ أيام تركت علامات استفهام أكثر ما تركت من تصريحات، ولكن من تواصل مع مدير المخابرات المصرية هو مستشار الأمن القومي الجديد لدونالد ترامب ألا وهو جون بولتون خليفة ريتشارد بيرل عقلا وتفكيرا ونهجا كما هو معلوم للجميع.
وهنا لا نتعجب أن يكون جون بولتون طرفا في الأمر فهو مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي، ولكن نتعجب من كم محاولات الزج بمصر في حروب لاستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية في ظل خوضها حرب شرسة ضد الإرهاب بحدودها الغربية وسيناء، فعلى مدار أكثر من ثلاثة أعوام شهدت القاهرة ضغوط  للمشاركة بريا في حرب اليمن، وقبلها الملف الليبي الذي كان ولازال هدف لبعض القوى الإقليمية باستمرار الفوضى في ليبيا ونقلها لمصر، ولنا في كم الإرهابيين القادمين من ليبيا وتم تصفيتهم في سيناء عبرة، والآن يريد البعض الزج بمصر في الملعب السوري الذي قد لا ينجو منه أحد.

وفكرة إغراق مصر في ذلك المستنقع وتورطها في دعم الإرهابيين بسوريا كان هو الدور المكلف به جماعة الأخوان المسلمون أثناء حكم محمد مرسي لمصر 2012، وهو ما أعلن على لسان قياداتهم صراحة في إرسال تكفيريين دربتهم الجماعة في صحراء سيناء على القتال وحمل السلاح في سوريا، قبل أن تعلن الجماعة حينها رغبتها في إرسال الجيش المصري لدعم التنظيمات المسلحة هناك، بعد لقاء جيمي كارتر مع محمد مرسي بالقاهرة بمنتصف يناير 2012، بعد زيارة كارتر لمقر جماعة الأخوان المسلمون بحي المقطم بالقاهرة، لفرض معادلة جديدة تقضى على تصفية جغرافية قطاع غزة على حساب شمال سيناء، وهو الأمر الذي يقطع الجيش المصري البت فيه تماما عبر إطلاق عملية "المجابهة الشاملة"، وفرض كامل السيادة المصرية على كل شبر في سيناء.
فكما كان أردوغان مكلف بإعداد المعسكرات لاستقبال الجهاديين القادمين من كل أنحاء الأرض في شرق تركيا، كذلك كانت حكومات الأخوان في مصر وتونس مكلفة بإرسال ما لديهم من تكفيريين لسوريا.

وهنا الأمر يتكشف لنا يوم بعد يوم ويؤكد للجميع صدق رؤيتنا تجاه اختيار وتوقيت تعيين شخص كصقر الجمهوريين جون بولتون وتداعيات تواجده في البيت الأبيض، ولا يفوتنا أنه كان اختيار منظر السياسة الخارجية للولايات المتحدة هنري كسينجر، فجون بولتون علم بخبر تعيينه كمستشار للرئيس الأمريكي بعد اجتماعه بترامب مساء اليوم الذي التقى فيه ترامب مع كسينجر صباحا ثم بن سلمان عصرا، ولا يخفى على أحد أنه منذ شهرين أو أكثر يلتقى كسينجر بترامب بشكل شبه أسبوعي.

ويبدو أنه على أساس ما دار بين بولتون واللواء عباس كامل استثنى مايك بومبيو مدير الاستخبارات الأسبق ووزير الخارجية الحالي مصر من جولته للشرق الأوسط التي ستقتصر على السعودية والأردن وإسرائيل، على عكس جولات كل رجال البيت الأبيض أو البنتاغون للمنطقة التي كانت في الغالب تبدأ بمصر، وآخرها كانت جولة مايك بينس بعد قرار ترامب بنقل السفارة، فبرغم رفض الأزهر الشريف والكنيسة المصرية استقباله إلا أنه أصر على زيارة القاهرة.