الشتاء الأوراسي قد بدء... ورياح المواجهة تهب من إيران

06.01.2018

شكّل صدور استراتيجية الأمن القومي الأميركية (18/12/2017) نهاية مرحلة مهمة في العلاقات الدولية وهي الستاتيكو الحاصلة في السيولة الدولية بمعنى عدم وجود قائد فعليّ للنظام الدوليّ الحاليّ، فالقطبية الأمريكية انتهت فعلياً مع استعادة روسيا السيطرة على شبه جزيرة القرم الاستراتيجية عام (2014) والدخول العسكريّ شرق المتوسط وجنوبه، في لحظةٍ معينةٍ كادت الظلال الروسية أن تفيئ على أواسط أسيا..، ولم يتبلور حتى الآن نسقٌ دوليٌّ جديدٌ يوزع القوى في النظام السائد مع استبعاد فرضية تغير النظام الدولي الراهن.

ووصفت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الواقع بوجود قوى"معارضة" للقطبية الأمريكية وهيّ الصين إضافةً لروسيا التي فضّلت إدارة أوباما عدم المواجهة معهما بل احتواؤها والتعويل على العقوبات الاقتصادية الصارمة على نظامها الاقتصادي في عدم قدرتها لبلوغ القطبية، إلّا أنّ النشاط السياسيّ لموسكو بتوسيع التحالفات والانفتاح في العلاقات الخارجية بالتزامن مع الحركة العسكرية الروسية واتباعِها نظرية الأمن الجماعي لجميع شركائها على اختلاف مرجعياتهم الدولية قد زادت من الضعف الأمريكيّ وانزياح مركز الثقل العالميّ نحو أوراسيا الصاعدة، هذا الانزياح تجلّى في اعتماد دول كان تعدّ ركائز للولايات المتحدة في قيادتها المنظومة الدولية كتركيا والسعودية والهند على النظام الصاروخيّ الروسيّ كبديلٍ للمظلة الصاروخية الأميركية في رسائل تحمل أكثر من معنى..، من هنا قررت إدارة ترامب المواجهة مع القوى المنافسة وهي روسيا والصين وايران وكورية الشمالية، وبهدفٍ واحدٍ هو استمرار القطبية الأمريكية وأحاديتها، والذي يستلزم في المفهوم الأمريكي تقويض القوى الصاعدة والمعارضة للأحادية القطبية، وهو ما تؤكده وتسعى إليه وزارة الدفاع الأمريكية التي نشرت تقريراً ينص على أن ّالمواجهة الاستراتيجية مع روسيا ستكون إحدى مهامها الرئيسية لعام 2018 مع التذكير أنّ الكونغرس كان طلب من البنتاغون إعداد خطة عسكرية تسمح لأميركا بتوجيه ضربةٍ نوويةٍ لروسيا والصين دون أن يتمكنا من الردّ وذلك عقب تولي ترامب الرئاسة.

وكان لافتاً مركزية إيران في استراتيجية الأمن القوميّ الأمريكية وفق الرؤية الترامبية فهيّ "مستبدة ومارقةٌ"وهيّ منافسٌ قويٌ وعنيدٌ للمصالح الاقتصادية الأمريكية، وتحالفها مع روسيا يعتبر عنصر تهديد للأمن والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.. فالاستراتيجية الأمريكية هي صداميةٌ وعدائيةٌ نحو إيران، وما يمكن استقراؤه من هذه المركزية الإيرانية في استراتيجية الأمن القوميّ الأميركيّ أنّ تقويض القوى المنافسة الكبرى يبدأ بتقويض شركائها الإقليميين أيّ كوريا بالنسبة للصين وإيران بالنسبة لروسيا.. هذه الاستراتيجية ضدّإيران كان البيت الأبيض قد مهّد لها (13/10/2017) عبر طرح استراتيجيةٍ شاملةٍ بهدف الدفع بطهران إلى تغيير سلوكها، وتكاملت بشراكةٍ استراتيجيةٍ مع الكيان الإسرائيليّ (12/12/2017) تحت اسم "الوثيقة السرّية المشتركة الإسرائيلية الأميركية لكبح نشاط إيران".

وفي زحمة المشاريع والمخططات الأمريكية والصهيونية ضد روسيا وايران، اندلعت اضطراباتٌ شعبيةٌ في الداخل الإيراني (28/12/2017) مشكّلة بيئةً مناسبةً للاستثمار العدائيّ ضدّ طهران بما يتسق مع المخططات الأمريكية لاستعادة القطبية الأمريكية لتبدأ بعدها موجةٌ دبلوماسيةٌ أميركيةٌ تنذر بما هو أكثر من ذلك لتضخيم الأحداث في طهران للاستفادة منها بعدّة اتجاهات بما يخدم استراتيجية المواجهة الأميركية ضد روسيا وايران..، وهنا لابدّ من استذكار حادثةٍ مهمةٍ وهيّ استخدام روسيا لقاعدة همدان العسكرية لضرب الإرهاب في سورية (16/8/2016)، التي شكّلت نقطة تحول في القوة الروسية باتجاه القطبية، وآنذاك اعترض بعض النواب الإصلاحيون على الإجراء العسكريّ الروسيّ الإيرانيّ الذي يدعمه المحافظون المتشددون بشدّة ومهد له مجلس الأمن القوميّ الإيرانيّ، هذه الخطوة أثارت هلع الولايات المتحدة من تمدد روسيا عسكرياً إلى إيران وقربها من أفغانستان بما يهدد المصالح الأميركية في وسط أسيا، ما يعني أنّ فض الشراكة العسكرية الروسية الإيرانية هيّ هدف استراتيجية المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا هذه الشراكة أثمرت نصراً في سورية وقلبت موازين القوى الدولية وأتاحت لموسكو التمدد من خلال الاستفادة من الموقع الجيوسياسي لإيران، بالتالي الدعم الأمريكي لمظاهرات مدينة مشهد كمركز التيار المحافظ في ايران هو في خانة الضغط على خيارات المحافظين في ايران لتغيير سلوكهم مع روسيا، وتبدو السيناريوهات الأميركية المعدّة سلفاً شبيهة لأحداث سورية (2011) وقول ترامب، سندعم شعب إيران بدعم عظيم في الوقت المناسب، يشير إلى ذلك، والموقع الجيوسياسي لإيران على حدود العراق وأفغانستان وباكستان يحمل مخاطر جمّة نظراً لحجم الاستثمار الأمريكيّ في الإرهاب في هذه الدول.

ومن المتوقع بشدّة أن تحاول الولايات المتحدة الاستثمار في أحداث إيران بكلّ الأشكال المتاحة لتحقيق جملةٍ من الأهداف الأمريكية تخدم القضية المركزية لواشنطن وهيّ منع روسيا والصين من تحويل النظام الدولي إلى متعدد الأقطاب، مع التنويه إلاّ أنّ الشراكة الاقتصادية الصينية الإيرانية في مجال الطاقة ومجال الأمن تحديداً في أفغانستان يهدد الاستراتيجية الأميركية هنالك، فإيران بنفوذها في الشرق الأوسط شكلت عمقاً استراتيجياً للوجود العسكريّ الروسي شرق المتوسط وأمنّته من العراق إلى البادية السورية ناهيك عن تأمين مجال حيوي آمن لروسيا في منطقة قزوين، وكذا الأمر بالنسبة للنفوذ الاقتصادي الصينيّ فإيران بوابة شرق أسيا إلى غربه، وقطاع الطاقة في إيران يشكّل عامل أمان للاقتصاد الصيني.. لذلك إضعاف القوتين الروسية والصينية يتطلب ضرب إيران، وقطع أذرعها وأوراقها في المنطقة والّا سيكون بحث واشنطن عن سبل مواجهةٍ جديدة ضد روسيا والصين خيار إجباري..
مستثمرون جاهزون:

الاستراتيجية الأمريكية ضد روسيا والتي تستهدف قواعد التحرك الروسية في الشرق الأوسط وأهمها إيران وسورية تتقاطع مع مصالح حلفاء واشنطن الإقليميين في ضرب ذات القواعد سيما إيران، فالكيان الإسرائيليّ الذي يخشى من اقتراب إيران عسكرياً من حدود فلسطين المحتلة بدأ بالاستعداد للمواجهة، والسعودية بقيادة ابن سلمان محورت أهدافها حول نقل المعركة إلى داخل إيران للخروج من أزماتها في قطر واليمن والبحرين وسورية...وهنا لابدّ من وضع التقارب الإقليميّ بين تركيا والسعودية بعد زيارة بن علي يلدرم إلى الرياض نهاية العام المنصرم في خانة الشبهة لأنّ الهدف السعوديّ هو فضّ الشراكة الإيرانية التركية على أكثر من صعيد.. والتلكؤ التركيّ في دعم الحكومة الإيرانية يشير إلى ذلك، بخلاف الدعم الإيرانيّ لحكومة تركيا إبان واقعة الانقلاب صيف 2016 والنتيجة المباشرة أنّ البيئة الإقليمية تساعد الولايات المتحدة في الاستثمار في الأحداث الإيرانية ودفعها إلى سيناريوهات دموية.
(لحظةٌ فارقةٌ):
تسخين الوضع العسكريّ في سورية-وربما تذهب الأحداث إلى ما هو أبعد من التسخين كإنهاء مناطق تخفيف التصعيد والعودة إلى الميدان-، والأحداث الأزموية في إيران ذات السيناريوهات المفتوحة، إضافةً إلى تفجيرات سان بطرسبرغ المتكررة (2017)، متغيراتٌ ثلاثٌ سترخي بظلالها على حدثين مهمين في روسيا، أولهما الانتخابات الروسية في آذار القادم، والثانيّ هو مونديال روسيا لكأس العالم صيف 2018، الأمر الذي سيؤثر على ردّة فعل روسيا إزاء تطور الأحداث في إيران...وهو ما ستستخدمه إدارة ترامب كأوراق ضغطٍ على خيارات روسيا.. وقد تذهب الولايات المتحدة إلى تصعيدٍ ضدّ إيران مستغلةً الظرف الروسيّ الحرج في العام 2018.
نتائج مباشرة وسيناريو جديد:
شكّلت الأحداث التي حصلت في إيران وانشغال قيادة المحور بالسيناريوهات المتوقعة، وقتاً مستقطعاً للعدو الصهيوني وعمد سريعاً إلى استغلال الوقت لتصفية القضية الفلسطينية عبر تعديل "قانون أساس القدس عاصمة لإسرائيل" والتمهيد لقانون يضم الضفة الغربية للكيان المعاديّ.. في ظلّ صمتٍ عربيٍّ وانخفاض مستوى الضجيج التركيّ بعد التقارب مع السعودية، هذا وتعتبر طريقة التعاطي الإيرانية مع المحتجين اختباراً لردة الفعل الإيرانية بعد الخبرة في التعامل التي اكتسبتها المنطقة في ما سمي "الربيع العربي" وهو شتاءٌ دمويّ قاسٍ، وبناء على ردّة الفعل هذه قد تستخدمها واشنطن في تحضير سيناريوهاتٍ مشابهةٍ قبيل الانتخابات الرئاسية الروسية...مما تقدم يتضح أنّ الاستثمار الأمريكيّ في أحداث إيران هيّ جزءٌ من استراتيجية المواجهة الأميركية ضد روسيا 2018، والأمر لا يتعلق فقط بأحداث إيران الأخيرة بل يتعدى الأمرإلى مواجهةٍ مباشرةٍ مع إيران على عدّة جبهاتٍ إقليميةٍ وهو جوهر ما أعلنه رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيليّ، الجنرال غادي أيزنكوت، أنّ إسرائيل قد تصبح قريباً عضواً في تحالفٍ واسعٍ يضم دولاً ساعية لمنع فرض "الهيمنة الإيرانية" ... وإذا ما تعرضت إيران إلى حربٍ مباشرة أو بالإنابة في المنطقة فهذا يعني عرقلة طموحات روسيا في بلوغ التعددية القطبية.. لأنّ في ذلك عزلاً لروسيا شرق المتوسط واحتوائها.
إذاً عام المواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا قد بدأت بأحداث إيران، ومن المتوقع أن تشهد أوكرانيا والبلطيق وكوريا تطوراتٍ مفاجئةٍ ضد روسيا في ذات المواجهة.. وهنا نشير إلى أنّ الضرب بيد من نار في سورية ضدّ أدوات واشنطن سيكون رادعاً أمام نمذجة السيناريو السوريّ في إيران.