الرسالة «الإسرائيلية»... وردّ قريب

08.09.2017

هذه المرة لن يهنأ الذين اعتادوا التساؤل عن الردّ على الضربات «الإسرائيلية» بطول مدة تساؤلاتهم المبرمجة قبل أن يأتيهم الجواب، فـ»إسرائيل» التي استهدفت موقعاً سورية في ريف حماة بخراج بلدة مصياف، ضمن نطاق مسافة الستين كليومتراً التي تطالها صواريخها من الأجواء اللبنانية، لم تقدّم جديداً على ما قدّمته في ضربها لمواقع مشابهة قرب مطار دمشق أو مطار المزة، في رسم قواعد اشتباك جديدة، بل كرّست تحريم دخولها الأجواء السورية الذي فرضه تعرّض طائراتها للصواريخ السورية منذ آخر مرة فعلت ذلك قبل شهور عديدة. والهدف المعلن يعرف سكان المنطقة والمراقبون و«الإسرائيليون» طبعاً أنه لا يشبه الهدف الفعلي للصواريخ «الإسرائيلية»، فكما حال غاراتها السابقة على تدمر لمنع تقدّم الجيش السوري نحو البادية والحدود السورية العراقية، قدّمت له ذريعة لا يقبلها عاقل عن استهداف مخزن صواريخ لحزب الله، ينطبق الأمر على ادّعاء استهداف مصنع صواريخ ومستودع استراتيجي في صواريخ الأمس، الذي كان يفترض بالانفجارات في محتوياته أن تكون لا تزال مستمرة لو صحّت الرواية «الإسرائيلية».

لكن رغم هذين البعدين اللذين يُضعفان مكانة «إسرائيل» ومهابتها وقدرة ردعها، يبقى أنّ «إسرائيل» أوصلت رسالة بالنار لها وظيفة من جهة، وتشكل تحدياً من جهة أخرى، وقراءة الرسالة تستدعي فهمها والتعامل معها بما يناسب دون تجاهل التحدّي والتعامل معه بما يناسب أيضاً، والرسالة معلوم اتصالها بالهواجس التي حملها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى موسكو ومحورها مستقبل سورية بعد انتصارات الجيش السوري، وحاجة «إسرائيل» للاطمئنان إلى أنّ موازين القوة الناتجة لن تكون مصدر تهديد لها ولحساباتها، خصوصاً ما يتعلّق بوجود حزب الله وسلاحه في سورية، وفي جنوبها على الأخصّ، وهو ما لم تسمع «إسرائيل» كلاماً يطمئنها بصدده بالأفعال لا في موسكو ولا حتى في واشنطن، فأرادت بالنار أن تقول إنها قادرة على المشاغبة على المشهد السوري الجديد والنيل من مهابته حتى يُصغي إليها الجميع ويدمجها شريكاً في صيغة الحلّ المستقبلي لسورية بما يأخذ حساباتها بالاعتبار.

 الجواب هنا هو أنّ المنطقة تغيّرت وسورية تغيّرت، بعدما غيّرت المنطقة، ومعادلات القوة الجدية تطرح على الطاولة انسحاباً «إسرائيلياً» من الجولان حتى خط الرابع من حزيران، قبل أن تخوض سورية والمقاومة حرب تحريره، وهو أمر ربما لا تستوعبه «إسرائيل» اليوم، لكن كلّ تقدّم في العافية السورية مع توسّع نطاق سيطرة الجيش السوري، وانتصاراته المشتركة مع المقاومة ودعم روسي سترافقه هذه الرسالة، اليوم دير الزور وغداً الجولان، ومعاً في دير الزور ومعاً في الجولان، واليوم إدلب وغداً الجولان ومعاً في إدلب معاً في الجولان، وسيكون على «الإسرائيلي» أن يأخذ ذلك على محمل الجدّ، وأن يصغي جيداً للنصائح الروسية بهذا الصدد، بأنّ موسكو تدعم حق سورية المشروع استرداد أرضها المحتلة وفقاً لقرارات مجلس الأمن، حتى خط الرابع من حزيران، وكلّ توتر ناتج عن ممانعة «إسرائيل» في قبول التطبيق الصادق للقرار يجعلها في وضع المسؤول عن تدهور الأوضاع، وكلما اقترب خلاص سورية على «إسرائيل» أن تشعر بجدية التحدّي المقبل.

أما التحدي الذي يمثله الاعتداء بذاته بغضّ النظر عن أهدافه وسياقه وحالة الضعف والعجز والخوف التي يعبّر عنها، فلن يمرّ دون ردّ مناسب، وليس في وقت بعيد، وعلى «إسرائيل» أن تضع في حسابها، أنّ التزامها بعدم دخول الأجواء السورية لن يُعفيها من الردّ على كلّ اعتداء هذه المرة، وكلّ مرة لاحقة بحجم يتناسب مع حجم الاعتداء، فإن أرادت صعود شجرة التصعيد بردّ على الرد ستجد من يجاريها في ذلك، وإن التزمت حدود قواعد الاشتباك الجديدة، كلّ رسالة لها ردّ وامتنعت أو تعايشت مع الردّ، فسيكون عليها معالجة الأصل والتحضّر لما ينتظرها بعد التعافي السوري وفتح ملف احتلال الجولان، مدركة أنّ سورية لن تذهب لإنفاق مئات مليارات الدولارات على إعادة الإعمار، وتُنهي حال التعبئة العسكرية والشعبية، وتعود لمواجهة قد تتحوّل حرباً مدمّرة ومواجهة عسكرية شرسة بعد سنة أو سنتين أو خمس، وبيد جيشها اليوم أفضل السلاح وفي حالة استنهاض عالية ومعه حلفاء أشداء وخلفه داعمون أقوياء، واستقرار سورية مشروط بجولانها، وبعده الإعمار السياسي والاقتصادي.