القضية الكردية بين الماضي والحاضر

15.12.2016

علم التاريخ له مكانة عظيمة وأهمية كبيرة بين العلوم، فهو الذي يعلمنا سير الأقدمين، ومناهج حياتهم وطريقة تفكيرهم، وأسباب نجاحاتهم وانتكاساتهم، فيتمكن المرء بذلك من أخذ العبر بعد إجادة النظر فيه، ولهذا نجد ابن خلدون في بداية كتابه "تاريخ ابن خلدون" يقول: (اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد شريف الغاية، إذ يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. والأنبياء في سيرهم. والملوك في دولهم وسياساتهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّين والدّنيا) ، ويقول أبو يعلى الزواوي في كتابه تاريخ الزواوة: (إن علم التاريخ يزيد في العقل والإيمان ويزيد في العلم والعمل ويورث الشهامة والشجاعة إذ تنير قضايا ثائرة الحماس في الغيورين، ويحرك ما سكن في الخاملين ويحمل ذوي الهمم العالية على المطالبة بمجد الأولين والحاضرين.....) .

إن من الأمم التي عانت منذ زمن بعيد سياسيا واجتماعيا وحتى جغرافيا، الأمة الكردية بإقليمها الكردستاني، وإن معركة الموصل الحاصلة حاليا في العراق أعادت إلى الأذهان سيناريو دولة كردستان الكبرى، ذلك الحلم الذي راود الأكراد على مر القرون، ولكي نفهم هذا الحلم القديم ولماذا لم يتحقق بعد، ولماذا مع كل صراع في الشّرق الأوسط تبرز القضية الكردية، يجب علينا أن نرجع إلى التاريخ ونأخذ منه المبتدأ والخبر، فمن هم الأكراد وما هو موطنهم، وكيف فقدوا وحدتهم العرقية، وهل يمكنهم توحيد عرقهم في إقليم كردستان الموحّد من جديد؟.

تفيد الوثائق الأدبية ظهور اسم (كرد) للمرة الأولى في الكتابات التي دوّنت باللغة البهلوية على شكل كرد أو كردان، ويذكر أرتخشير بابكان، مؤسس الدولة الساسانية الفارسية عام (226م)، اسم ماديج ملك الكردان أو الكرد من بين خصومه، ويبدو أن مدمر العرش البارثي (الفارسي)، أرتخشير حول الإسم القديم جوتي إلى كرد، وقد اقتبس المؤرخون المسلمون العظام، أمثال الطبري والمسعودي، هذا الإسم من الساسانيين، ووصل إلى العصور الحديثة على هذا النحو (كرد) .

وجوتيوم اسم المنطقة التي كان يسكنها أجداد الأكراد الحاليين، وكان يدعى ذلك القوم بشعب الجوتي أو شعب الجوتو ومعناه بالآشورية المحارب، ويعتبر الشعب الكرد من أصل آري قدموا من اسكندناوا في عصور ما قبل التاريخ (حسب بعض الروايات) واتخذوا من هذه المنطقة سكنا لهم، ووجدوا فيها شعبها الأصلي فاندمجوا معهم وأصبحوا شعبا واحدا. أما "كردستان" فمعناه أرض الكرد، وقد ظهر هذا التعبير لأول مرة في القرن الثاني عشر في عهد السلاجقة، إذ اقتطع سلطان شاه السلجوقي (1117-1156م) هذا القسم من إقليم الجبال المتواصلة بين إيران وتركيا والعراق تحت حكم قريبه سليمان شاه.

من الصعب جدا تحديد المنطقة الجغرافية الكردية بدقة، خاصة بعد التّداخل الحاصل بين الشعب الكردي والشعوب المجاورة، أضف إلى ذلك عدم وجود إحصائيات دقيقة عن عدد السكان الأكراد في الدول التي أصبحوا فيها بعد تقسيم كردستان، ولهذا يجد الباحث اختلافا كبيرا بين المؤرخين والجغرافيين في تحديد منطقة كردستان، وحسب دراساتي المعمقة للموضوع فإن إقليم كردستان يبدأ من جبال أرارات التركية شمالا إلى لورستان الإيرانية جنوبا ومن لورستان الإيرانية شرقا إلى الإسكندرونة التركية غربا، شاملا بذلك أجزاء من العراق وسوريا وأذربيجان، أي بين خطي طول 36° و49° شرقا، 33° و40° شمالا. وعدد سكانها يقدر بأكثر من 30 مليون نسمة. واختيارنا هذا موضوعي جدا لإطلاعنا على عدة تحديدات، أضف إلى ذلك أن هذا ما تؤكده الإحصائيات السكانية العديدة والدراسات التاريخية الصحيحة الصريحة .

إن ما يهمّنا نحن في دراستنا هذه، الوجه التاريخي للأمة الكردية وكيفية تطور الأحداث فيها لتتحول من أمة مستقلّة إلى أمة مشتتة متشرذمة، وقبل البداية في سرد تاريخ الأكراد يجب على القاريء الكريم أن يعلم أن المؤرخين والكتاب المختصين أجمعوا على صعوبة دراسة تاريخ الأكرد لما فيه من تناقض في المصادر، أضف إلى ذلك أن معظم من تناول هذه القضية إما أن يكون متحيزا للأكرد ولقضيتهم، أو أن يكون ضدّهم وضد قضيتهم لأغراض سياسيّة محضة، قال الكاتب أحمد تاج الدين: (الغوص في تاريخ الأكراد والبحث عن أصولهم العرقية يشكل للباحث كثيرا من الجهد والعناء بما يلقاه من غموض وحيرة وتناقضات بين الروايات التاريخية بعضها مع بعض إضافة إلى عدم وجود التفاصيل الكافية لإلقاء الضوء على تاريخ هذه الأمة التي يتنازعها العرب والعجم وكل منهما حاول طمس معالمها لدى تاريخ الطرف الآخر) .

ذكرنا أن شعب الجُوتي هم الأجداد الفعليون للأكراد، على خلاف كثير من الروايات الأخرى، وكانوا يعيشون في جبال زغروس في القرن 24 قبل الميلاد، مكونين بذلك أمة مستقلة، وبما أن هذه الأخيرة كانت محاطة بإمبراطوريات مختلفة، كان دائما ما يحدث معارك وحروب بينها وبين هذه الأخيرة، والدليل على ذلك أن شارل غاريشاري ملك آكاد يذكر حروبا خاضها ضد الشعب الجوتي حوالي 1990 قبل الميلاد، وهكذا استمر الحال بين الجوتيين وجيرانهم لعدة قرون، ففي عام 881 قبل الميلاد، وصل الحاكم ناتسيرابلي الثاني إلى الحكم ويعتبر هذا الأخير من أشرس حكام الآشوريين، فقام بشن هجمات عنيفة على شعب الجوتي (الأكراد) وقتل منهم الكثير ولم يستطع احتلال موطنهم بالكامل بل استماتوا في الدفاع عن أرضهم، ليساهموا بعدها بشكل واضح عام 612 قبل الميلاد في إسقاط الإمبراطورية الآشورية.

في سنة 36 قبل الميلاد دخل إقليم كردستان تحت حكم القائد الروماني مارك أنطوان، ولكن مع استمرار الحرب ضد الأشكانيين وبمساعدة ميديا الصغرى انهزم أنطوان شر هزيمة، وغنم الأشكانيون الكثير من المال وعتاد الحرب، ولكن أدى الصراع بين جنود ميديا الصغرى والأشكانيين حول الغنائم إلى تحفيز أنطوان لإعادة ترتيب صفوفه ومهاجمة أرمينيا التي كانت خاضعة للأشكان واستولى على ميديا الصغرى، وقبل عام من ميلاد عيسى عليه السلام سلّمت الحكومة الأشكانية كل من أرمينيا وكردستان لروما بموجب معاهدة بينهما.

مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيام دولة الإسلام وفي زمن الخلفاء الراشدين بدأ الصحابة الكرام بنشر الإسلام بين الدول، وفتحوا بذلك بلاد الأكراد، فأصبح الأكراد مسلمين، فنصروا الإسلام في مواطن كثيرة،  كما فعلت الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي الكردي وكما فعل الأكراد لما تصدوا وحاربوا هولاكو المغولي الذي تمكن من الإستيلاء على عدة مناطق كردية.

بعد سقوط المغول أرادت الدولة الصفوية الشيعية الإستيلاء على جل إقليم كردستان وإخضاع الكرد لها، ولكن الدولة العثمانية آنذاك تقربت من القبائل الكردية واعترفت بأحقيتها بأرض كردستان، وبأن الأكراد هم الشعب الحقيقي المالك لتلك الأرض، مما جعل كثير من قبائل الأكراد يدخلون تحت حكم الدولة العثمانية وكان لهم حكم مستقل.

من الملاحظ أن الأكراد أو أجدادهم الجوتي مع الفرصة الكبيرة التي كانت أمامهم لإقامة دولة أو إمبراطورية إلا أنهم لم يفعلوا ذلك، بل بقوا قبائل مشتتة من غير دولة جامعة صاحبة نظام سياسي موحّد، ولكن مع ذلك بقيت قبائل الأكراد متلاحمة عرقيا واجتماعيا في السلم وعند اندلاع الحروب، وهذا يدفع المرء ليتساءل عن هذه الإشكالية، ولعل الأمر يرجع إلى عدم توصلهم إلى نظام سياسي معين، أو أنهم لم يروا بدا من ذلك إذ أنهم كانوا يواجهون أعداءهم فلا حاجة لتغيير منهجهم السابق، أم أن أعدادهم كانت قليلة لا تسمح لهم بتكوين دولة كبيرة ذات سيادة.

لقد لاحظنا أن الأكراد كانوا في أغلب الأحيان تحت إمرة بعض الحكومات القديمة ولكن كانوا دائما مستقلين بقراراتهم بعيدا عن تأثير الآخرين فيهم، وقد احتفظت العشائر الكردية باستقلالها الداخلي في جميع أدوار التاريخ إذ كانت شبه مستقلة في عهد الميديين والأخمينيين بعدهم. وحافظت تلك العشائر على استقلالها هذا، في عهد الحكومات المكدونية والبرثية والساسانية والعربية والتركية .

لقد بدأت أكبر نكسة للأكراد بافتراق الأمة الكردية بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، فقد عقدت عدة معاهدات بين الدولتين لتقسيم هذا الإقليم بينهما، وكان الجزء الأكبر من نصيب الدولة العثمانية، وكان من بين آخر هذه الإتفاقيات إتفاقية تخطيط الحدود بين الدولة الإيرانية والدولة العثمانية عام 1913 في الأستانة، ومنذ ذلك الوقت إلى وقتنا هذا وحالة الأكراد يتعقد أكثر، خاصة بعد ضعف الدولة العثمانية.

بعد الحرب العالمية الأولى ظن الأكراد أنهم سيحصلون على دولتهم مصدّقين بذلك وعود الحلفاء وأكاذيبهم في معاهدة سيفر التي عقدت بباريس الفرنسية عام 1920، والتي كانت لتحل مشكلة الأكراد على مراحل وقد استبشر الأكراد بهذه المعاهدة خيرا، ولكن أدى طمع الحلفاء وجشعهم إلى خذل الأمة الكردية وتدمير آمالها وحلمها الذي كانت تنتظره منذ قرون، ففي معاهدة لوزان عام 1923 تناسى الجميع خاصة بريطانيا حق الشعب الكردي، فعُرف كذب ودجل معاهدة سيفر.  

وجد الأكراد بعدها أنفسهم منقسمين بين 4 دول: إيران، تركيا، العراق، سوريا، ولعل البعض يقولون أنهم قليل جدا في سوريا ولكن الواقع يشهد بعكس ذلك فحسب شهادة الباحثين، فقد تركز أكراد سوريا في شمال شرق البلاد وبعض أحياء دمشق وحلب وشكلوا 8 بالمائة من عدد السكان .

لقد تعرض الأكراد بعد تشرذمهم إلى كل أنواع الإنتهاك والإضطهاد، سواء في تركيا في عهد أتاتورك أو في إيران أو حتى في سوريا حيث تم إقصاءهم تماما من المشهد السياسي، أما في العراق فحدث ولا حرج فالتاريخ لن ينسى قمعهم عام 1990 و1991 في واقعة الحرب الكيميائية للجنود العراقيين على حلبشة وشمال العراق ، وهذا ما دفع بالشعب الكردي للقتال ضد هذه الحكومات المذكورة وبشكل مستمر، وما زالت هذه الصراعات مستمرة لحد الآن خاصة في تركيا ويقودها حزب العمال الكردستاني، وفي إيران يقودها حزب كومله، أما في العراق فبعد حصول إقليم كردستان العراق على مناطق كان يطالب بها وحصوله على استقلالية أكبر أصبحت الأمور أقل تعقيدا وأكثر تسامحا بين أكراد العراق والدولة.

مع بداية معركة الموصل في العراق ومشاركة الأكراد فيها وفي الحرب السورية، ومع الدعم الذي تقدمه حكومة إقليم كردستان لأكراد إيران وتركيا، أصبح البعض يعتبر هذه الأحداث كمقدمة لتشكيل دولة كردية كبرى لأول مرة، خاصة بعد التقارب بين رئيس الوزراء العراقي العبادي ورئيس إقليم كردستان بارزاني، ومشاركة هذا الأخير بجنوده في معركة تحرير الموصل، أضف إلى ذلك التقارب الأمريكي الكردي الذي يؤرق تركيا وإيران فقد استقبل بارزاني هذه الأيام وزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر وأثناء اللقاء تقدم وزير الدفاع الأمريكي بشكره وامتنانه للرئيس بارزاني وقوات البيشمركة لقيادتهم الحرب ضد تنظيم الدولة كما ابدى تقديره للتعاون والعمل المشترك بين الرئيس بارزاني ورئيس الوزراء العراقي والذي أصبح سببا في التنسيق والتعاون بين قوات البيشمركة وقوات الجيش العراقي وقد تحققت الكثير من الانتصارات بسبب هذا التنسيق في الحرب ضد داعش حسب ما جاء في الموقع الإلكتروني لحكومة إقليم كردستان، فهل سيستغل الأكراد حالة عدم إستقرار المنطقة، والتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق حلم الشعب الكردي ولو في العراق وسوريا مبدئيا، أم أن مصير الأكراد سيكون دائما نفسه فيلعبوا من جديد دور الضحية؟.

أعتقد أنه من الصعب جدا تحقق هذا الحلم الأكبر للأكراد، خاصة لأكراد إيران وتركيا لما للدولتين من قوة عسكرية واستقرار سياسي يصعب زعزعته لتكوين فراغ يسمح بتحقيق شيء ما، أما في سوريا فهناك إمكانية فعلية لضم منطقة الحسكة السورية الكردية إلى إقليم كردستان العراق خاصة وأن معظم مدن وقرى المحافظة تحت سيطرة الأكراد، فحتى الواقع الجغرافي يسهل عملية الإنضمام بشكل كبير جدا، في حالة حدوث ذلك فأعتقد أنهم بهذا سيثأرون لأنفسهم من معاهدة سيفر ولوزان، ولعلي أختم فأقول: في الوقت الحالي أكبر ما يمكن تحقيقه للأكراد الحصول على استقلالية أكثر واعتراف أكبر من دولة العراق، ولماذا لا الإنفصال الكلي وتكوين دولة مستقلة تماما عن العراق.

1. عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، بيت الأفكار الدولية، ص.11.
2. أبو يعلى الزواوي، تاريخ الزواوة، الطبعة الأولى، مديرية الفنون والآداب، الجزائر، 2005، ص.87. 
3. أرشاك سافراستيان، الكرد وكردستان، ت. أحمد الخليل، بريطانيا- لندن، ص.20-21.
4. لمعلومات أكثر راجع كتاب "خلاصة تأريخ الكرد وكردستان" من تأليف محمد أمين زكي بك.
5. احمد تاج الدين، الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن، الطبعة الأولى، الدار الثقافية للنشر، مصر- القاهرة، 2001، ص.29.
6. محمد أمين زكي بك، خلاصة تأريخ الكرد وكردستان، ت.محمد علي عوني، الطبعة الثانية، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق-  بغداد، 2005، ص.179.
7. كمال ديب، تاريخ سوريا المعاصر، الطبعة الثانية، دار النهار، لبنان- بيروت، 2012، ص.43.
8. حميد رضا جلائي بور، المشكلة الكردية، ت. محمد علاء الدين منصور، مركز الدراسات الشرقية، مصر- القاهرة، 2000، ص.149.

 

*هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تتحمل هيئة التحرير مسؤولية عن ما ورد فيها