الانتخابات البرلمانية في الجزائر: تنوع سياسي لاقتصاد جديد

By Magharebia - Algerian potato prices soar | ارتفاع جنوني لأسعار البطاطس في الجزائر | Flambée du prix de la pomme de terre en Algérie, CC BY 2.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=24202411
10.05.2017

ينتخب الجزائريون بطريقة الاقتراع المباشر والسري أعضاء المجلس الشعبي الوطني البالغ عددهم 462 نائبا لعهدة مدتها خمس سنوات تتجدد بانتظام، ويعد المجلس واحدا من بين غرفتين للبرلمان الجزائري الذي يمارس السلطة التشريعية ويراقب عمل الحكومة. تتحدد قوائم الأحزاب وعدد المترشحين فيه عبر مجموعة من الشروط فصّل فيها بشكل دقيق القانون العضوي للانتخابات الجديد (2016)، وبلغ عدد القائم النهائية المشاركة ب 938 قائمة. تأتي أهمية انتخاب النواب باعتبارهم وسيطا يتكفل بنقل انشغالات المواطنين من مستواها المحلي إلى المركز وكذا بتقديم مشاريع قوانين تساهم في التنمية والاستقرار. لكن تجدر الإشارة أن الانتخابات التشريعية في الجزائر وبرغم أهميتها لا تحظى بنفس الاهتمام الذي تجسده الانتخابات الرئاسية أو المحلية.نسبة المشاركة بلغت 38.25 بالمائة أي 8528355 مصوّت من تعداد الهيئة الناخبة المحصاة في 2016 والمقدرة ب 23.251.503 ناخب.

نظرا للأهمية التي توليها السلطة لهذا الاستحقاق الانتخابي فقد سخرت وسائل وإمكانيات كبيرة من أجل ضمان سير العملية الانتخابية، يمكننا الحديث عن503000 مؤطر قادوا العملية الانتخابية عبر 12176 مركز تصويت 53135 مكتب تصويت، وتم حضور 299 ملاحظ دولي يمثلون خمس هيئات دولية لمراقبة العملية سخرت لهم كل الإمكانيات المادية وحرية أداء مهامهم،  إضافة إلى تسخير الوسائل المادية المخصصة للتغطية الإعلامية الوطنية والدولية.

السياقات والرهانات
على غرار تشريعيات 2012 التي جرت في سياقات ما سمي "الربيع العربي"، تأتي تشريعيات 2017 هي الأخرى في ظرف داخلي خاص تمر به الجزائر يتمثل أساسا في تراجع مداخيل الدولة بعد انهيار أسعار النفط، وكل ما يترتب عن ذلك من تقلصالمداخيل،ضعف نفقاتالقطاعالعام، نقص تمويل المشاريع الكبرى والهامة، تقلص مناصب العمل وثبات الأجور في عز التضخم...الخ، أضف أن هناك جبهة اجتماعية على صفيح ساخن ما تزال تطالب بحقوقها عن طريق الفعل النقابي والتظاهر السلمي. إذن، فهذه تأتي التشريعيات في ظل تنامي استياء شعبي تغدو  فيه مسألة تحقيق التمثيل السياسي الحقيقي للفئات والطبقات ملحَّة وضرورية من  أجل استكمال السياسات التنموية وتمكين القاعدة من تبليغ احتياجاتها. وفي ذلك، اشترط النظام الانتخابي الجديد ضرورة تحصيل كل مترشح ل250 صوتا(هو بمثابة تمثيل أولي واختبارا للدعم الشعبي للمترشح) كإجراء إداري مسبق لأجل التواجد في قائمة حزب يشارك لأول مرة في الانتخابات. كما أن السلطة في استجابتها لمجموع التحديات الاقتصادية والأمنية عملت على وضع نموذج اقتصادي جديد يصبو إلى تحقيق التطور خارج إيرادات قطاع المحروقات، والسلطة تعلم أن مثل هذا الاستقرار والنماء الاقتصادي يتطلب انخراطا قاعديا واسعا تعمل من خلاله مختلف الفئات والاتجاهات المجتمعية على تأكيد حضورها وإرادتها في الإصلاح والتنمية، وهو بدوره يتطلب تمثيلا سياسيا حقيقيا. إن الشفافية ومبدأ الحوار والتمثيل الحقيقي باتت عناصر حيوية لترقية الأوضاع وتعزيز المواطنية.وكأن تجربة فتح المجال السياسي في سياقات نهاية الثمانينات تحضر هذه المرة، ولكن تختلف من حيث وجود معطيات أمنية خارجية وجزائر ذات مؤسسات قوية عما كانت عليه آنذاك.
نسبة المشاركة كانت أقل من التشريعيات السابقة رغم تمديد عملية الاقتراع لساعة واحدة في أغلب الولايات، وهي نسبة مقبولة عموما، ولا يعبّر هذا العزوف عن نقص ثقافة سياسية كما تسرد ذلك بعض الأدبيات، بل هو فعل إرادي نابع من قناعات تشكلت لدى البعض ترى أن الفعل الانتخابي لم يعد بإمكانه تحصيل التغيير المنشود وتأتي كرفض للحملات التي تمارسها بعض الأحزاب والتي يبقى مترشحوها بعيدون عن التواصل الحقيقي مع الفئات المجتمعية التي يفترض أنها تمثلها، ويساهم غياب مداومات دائمة للعديد من الأحزاب بالبلديات في فقدان الصيغة التشاركية والتعبئة اللازمة لترقية السلوك السياسي. أيضا، فالمقاطعة باتت تتخذ أساليبا جديدة كاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي وإنتاج فيديوهات فنية بتقنيات عالية تدعو لعدم التصويت، لتَدخل السلطة الافتراضية في مجابهة السلطة الرسمية وتصنع لها "حزبا الكترونيا" ينافس ايديولوجيا الأحزاب الواقعية، يدعم ذلك ضعف الخطاب السياسي للأحزاب وعدم قدرتها على تجديد هياكلها بما يتجاوب مع المناخات السياسية الجديدة.
غير أن العملية الانتخابية عرفت بعض الأحداث والتي بالرغم من أنها لم تؤثر على سير العملية إلا أنها عبرت عن حالة من الاحتقان: كتكسير صندوق الاقتراع بالوادي وتوقيف عملية الاقتراع بولاية قالمة نتيجة فوضى وشجارات أو كما حصل في البويرة أين تم منع الناخبين من أداء واجبهم وتكسير المركز. وقد تلقت الهيئة العليا للانتخابات، التي أسست بموجب الدستور الجديد وفق المادتين: 193 و194 وتتكوّن من: 410 عضوا (205 من القضاة و205 من كفاءات المجتمع المدني) حوالي 328 إخطارا قدمت 16 منها للنائب العام، كما سارعت حركة مجتمع السلم "حمس"يوم الاقتراع بنشر بيان تنديد واستنكار، ودعوة إلى التدخل تنديدا على التجاوزات التي حدثت في بعض مكاتب الاقتراع في ولايات الوادي وعنابة وتبسة ومعسكر وسطيف، وبما سمّته تضخيم نسبة الاقتراع واستخدام غير قانوني للوكالات وطرد ممثلي الأحزاب وتزوير نتائج المحاضر لصالح جبهة التحرير الوطني.

قراءة في النتائج
كما كان متوقعا، لم يحقق حزب جبهة التحرير الوطني عددا واسعا من المقاعد كما اعتاد على ذلك، فقد حصل على 164 مقعدا  فيها 50 مقعدا للنساء ليخسر الأفلان 56 مقعدا في البرلمان الجديد مقارنة بانتخابات 2012. ويعود ذلك للاضطرابات الأخيرة التي عرفها الحزب والتي أحدثت شرخا بين مناضليه، إذ تم في ظروف اعتبرها بعض القياديين غير ديمقراطية باستبدال الأمين العام السابق سعيداني بنظيره جمال ولد عباس، ورغم انفتاحهذا الأخير على كل الأجنحة داخل الحزب، لم يستطع وضع قوائم مترشحين ترضي الجميع، وهو ما دفع ببعض المناضلين لحرق بعض محافظات الجبهة على مستوى بعض الولايات، وصرّح آخرون عبر الإعلام أن قدامى الحزب الحقيقيين تم إقصاؤهم. والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا: هل مصدر هذا التراجع سياسات الأمين العام الجديد؟ أم أن هناك مشروع للسلطة بتجديد الحزب العتيد أو تحجيمه لصالح تعددية فعلية؟ وفي ظل هذا التراجع تصرُّ بعض الأحزاب والشخصيات السياسية، الثقافية والإعلامية أن هناك تزويرا وقع لدعم نصاب الأفلان، غير أنه يمكن تقديم وجهة نظر مغايرة تفيد أن الحزب يملك وعاءً انتخابيا قارا تشكّل عبر تاريخ طويل ولا زالت تصنعه العديد من الفئات المجتمعية كالشيوخ والمجاهدين وأبناء الشهداء وطبقة الفلاحين وإطارات الدولة وبعض رجال الأعمال والمسؤولين السياسيين، إلى جانب فئات من المهجر. بينما تتجه العديد من الفئات الشبانية إلى الأحزاب الناشئة أو تلك التي تستطيع التموقع فيها، وقد عبّر الأمين العام للأفالان في ندوة صحفية أن سبب تراجع مقاعد حزبه يعود للأحزاب الجديدة التي أحدثت موزاييكا في الخريطة الحزبية الوطنية وتمكنت من ربح بعض المقاعد من رصيد الأحزاب الكبرى، وأنه رغم ذلك يحتفظ حزب جبهة التحرير بمركز الصدارة.
في هذا الصدد، كان حزب التجمع الوطني الديموقراطي (الأرندي) أكثر المستفيدين من هذا الوضع، وقد نجح أمينه العام أحمد أويحي في وضع قوائم نالت رضى القاعدة النضالية، إضافة إلى إدماجه العنصر الشباني والكفاءات الوطنية وحفاظه على التشاورية داخل الحزب. وقدتحصل طبقا للنتائج الأولية على 97 مقعدا، وربما ترتفع بمقعد أو مقعدين بعد دراسة الطعون. وهكذا فنحن نشهد تغير خريطة القوى الحزبية من داخل أحزاب السلطة، واستعادة الأرندي لوضعيته القوية التي كسبها في تشريعيات 1997، يعزز ذلك قوة برنامجه الانتخابي الذي يتجاوب مع أزمة الجزائر الراهنة ويرسم لها حلولا واقعية.
وعن حزب المعارضة الأفافاس (جبهة القوى الاشتراكية) فقد تحصل على 14 صوتا فاقدا عددا من المقاعد عن 2012 أين تحصل على 21 مقعدا، كما لم ينجح حزب القبائل المعارض الأرسيدي (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) من تحقيق نتيجة هامة، فاكتفى ب 9 مقاعد وترجع أسباب ذلك إلى مقاطعة مواطني منطقة القبائل للانتخابات (نسبة المشاركة في بجاية 18.47%، وفي تيزي وزو 17.40% والبويرة 26.46%) وبسبب الصراعات الحاصلة بين قيادات هذين الحزبين بين تيار يدعم المشاركة في التشريعيات وتيار يمتنع عن ذلك.
وبخصوص الأحزاب الإسلامية، فمن الضروري دراسة ما حققته في إطار سيرورة تشكيلها وتفاعلاتها مع القوى الحزبية الأخرى، هذا من جهة. ومن جهة أخرى تقرأ نجاحاتها أو اخفاقاتها ارتباطا بالوضع الإقليمي أو الدولي. فوطنيا، شهدت هذه الأحزاب حالة من التشرذم سببتها مطامح قيادات إسلامية بالخروج من أحزابها التقليدية وإنشاء أحزاب موازية، فحركة مجتمع السلم وهي ثالث قوة حزبية بعد حزبي السلطة (الأفالان والأرندي) تعرضت لانقسامات أسفرت عن ميلاد حركتين جديدتين: "حركة الدعوة والتغيير" يترأسها قيادي "حمس" عبد المجيد مناصرة والذي سيسعى لاحقا للتحالف مع حزبه القديم، وهناك "حركة البناء الوطني" التي تأسست في الجزائر بتزكية وتبعية لتنظيم جماعة الإخوان بمصر يترأسها مصطفى بلمهدي. وقد انشق القيادي في حمس عمار غول ليؤسس حزب تجمع أمل الجزائر (تاج) والذي اختار جلب الإسلاميين، رجال الأعمال وبعض إطارات الدولة والانفتاح على الوطنيين والعلمانيين وغيرهم، واختار دعم السلطة وبرنامج رئيس الدولة، وقد تحصل في هذه التشريعيات التي يخوضها لأول مرة على 19 مقعدا واستطاع تحويل العديد من الأصوات التي كانت ستذهب لبعض هاته الأحزاب لصالحه.
لقد سادت حركة مجتمع السلم حالة من عدم الاستقرار من خلال ديالكتيك التفكك والاندماج، فقد عاودت تشكيل "تحالف حركة مجتمع السلم" للدخول في هذه الانتخابات البرلمانية رفقة حزب مناصرة، ويحمل الحفاظ على اسم الحركة دلالة رمزية قد تتجسد في صهر حزب مناصرة مجددا، هذا من حيث بيت الحزب الداخلي، وفي علاقته مع الأحزاب الإسلامية الأخرى فقد فك تحالفه مع "حركة النهضة" و "حركة الإصلاح الوطني" الذين شكلوا في تشريعيات 2012 "تكتل الجزائر الخضراء" وتحصلوا على 47 مقعدا، بينما في تشريعيات 2017 اكتفت "حمس" ب 33 مقعدا. وهو مصير ميّز أيضا الأحزاب الإسلامية الأخرى -و"المتشددة" في نظر البعض- بالرغم من تكتلها في "الاتحاد من أجل النّهضة والعدالة والبناء" الذي يضم تحالف كل من حركتا النّهضة والبناء الوطني وجبهة العدالة والتنمية، ولم يحقق الاتحاد بكل هذه الأطياف سوى 15 مقعدا.
على المستوى الإقليمي، فقد ساهم تراجع حركة الاخوان العالمية –ومساعي تصنيفها بالجماعة الإرهابية- والحركات الإسلامية المرتبطة بها في المغرب وتونس وحتى في فلسطين، في تفكك الرابطة الأيديولوجية القوية التي كانت تحكم هذه الجماعات كما زادت مشاكلها مع الأنظمة باعتبارها أحزاب معارضة نفور العديد من الشرائح الاجتماعية والمحكومة بنوع من الزبونية السياسية، هذه الشرائح التي تعتبر مثل هذا الانخراط والتأييد للجماعات الإسلامية يعرضها لفقدان مصالحها التي ترى أن أحزاب موالية قادرة على تحقيقها، إضافة إلى تلك الحساسيات المرتبطة في الجزائر من ارتباط حزب وطني بجماعات في الخارج وما يمكن أن يحيل إليه من توصيفات "كالعمالة" و"المشروع الخارجي" ... وغير ذلك.
خلاصة
قدم رئيس الجمهورية من خلال الدستور الجديد العديد من الإجراءات والضمانات الكفيلة بتحقيق تحول نوعي في الممارسة الديمقراطية بالجزائر، وكانت الانتخابات التشريعية 2017 أول اختبار للحياة السياسية التي كان من المفترض أن تنبثق عن هذا الدستور، وعن مجموع الضمانات المتعلقة بحفظ انتخابات نزيهة وقانونية. وبالرغم من وجود بعض القيود الخاصة بهذه التشريعيات كتدني نسبة المشاركة ووجود تصرفات غير مسؤولة وغير قانونية لبعض الأشخاص في مكاتب الاقتراع من أجل العبث بالنتائج، ورغم التحليلات السائدة التي تفترض أن شرعية البرلمان الجديد ناقصة، سيشتغل هذا الأخير في ظل تعددية حقيقية وتمثيلا مناسبا وضمانات قانونية تجعل منه يساير التطورات النوعية في الاقتصاد والسياسة في الجزائر.يدعم ذلك أن بعثة ملاحظي جامعة الدول العربية أكدت "أن الانتخابات جرت في ظروف نزيهة وشفافة" و "تعتبر نموذجا للعالم بأسره وخصوصا للدول العربية".