المأزق الكردي بين حضن الوطن وخيارات المواجهة والارتباط بواشنطن.

10.03.2018

في مقابلة أجرتها قناة روسيا اليوم مع وزير الخارجية السورية "وليد المعلم" في سبتمبر الماضي عام2017، وفي تعليق له حول القضية الكردية في سوريا، قال: "إنهم في سوريا يريدون شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية في إطار حدود الجمهورية، وهذا أمر قابل للتفاوض والحوار  في حال إنشائها في إطار حدود الدولة، ونحن عندما ننتهي من محاربة داعش يمكن أن نجلس مع أبنائنا الأكراد ونتفاهم على صيغة المستقبل."

كان هذا تصريحا واضحا من رأس الدبلوماسية السورية حول ما يمكن أن تكون له واقع الحال مع المكون الكردي السوري، عندما تفرغ الدولة السورية من محاربة الإرهاب المتمثل بداعش وجبهة النصرة على رأس القائمة.

ولكن في المقابل، ما هي جملة الأفعال التي قام بها المكون الكردي منذ قيام الحرب الإرهابية على سورية؟

أولا - أتخذ الأكراد منذ بدء الحرب عام2011 من القيادة السورية في دمشق عدوا، برز ذلك من خلال التحالف والتعاون مع ما يعرف "الجيش الحر"، وذلك بغض النظر عن الريبة التي كانت تسيطر على هذه العلاقة بينهما، وصولا للحرب بينهما الآن بسبب انضواء هذا الأخير تحت لواء القوات التركية المعتدية على عفرين.

ثانيا - عمل الأكراد على فرض سيطرتهم على ثلاث مناطق، بعضها ذات أغلبية كردية في شمال البلاد منذ بدء الحرب، وهي الجزيرة وعين العرب "كوباني" وعفرين، وبنهاية عام 2013 وبداية عام 2014 قاموا بإنشاء حكومة محلية لها وجمعها تحت اسم "روج افا" الغرب، كخطوة في اتجاه فرض حكم ذاتي، تراقب عن كثب من قبل الأكراد في كل من تركيا والعراق وإيران.

ثالثا - إعلان المجلس الوطني الكردي الانضمام إلى ما عرف بـ "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" في 10 نوفمبر عام 2013، فكانت بذلك الخطوة  الأكبر منذ بداية الحرب في  سورية من حيث درجة السيطرة الفعلية على المناطق الكردية في سوريا وإدارتها. 

رابعا - انضمام الأكراد لما عرف باسم "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، والتي عملت على إنشائها الولايات المتحدة الأمريكية أواخر عام 2015 بحجة محاربة تنظيم داعش، ويشكل الأكراد غالبيتها، والذين تعمل أمريكا على استخدامهم كرأس حربة لتثبيت وتبرير وجودها في سوريا، بحجة حمايتهم من الجيش السوري.

خامسا - تأزم العلاقات مع روسيا الاتحادية، لسبب عدم تطبيق الأكراد للاتفاق المبرم بينهم وبين الروس بتاريخ 17 أكتوبر عام 2017، وخاصة فيما يتعلق باستمرار التعاون مع الأميركيين بعد هزيمة تنظيم داعش في شرق الفرات. متجاهلين أن روسيا لا تعتبر حزبي العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي منظمات إرهابية – خلافا للتعاطي التركي معهم - بل لطالما عملت على محاولة إشراكهم في كافة المؤتمرات الدولية المتعلقة بالشأن السوري.

سادسا - محاربة تنظيم داعش في مناطق سيطرتهم في الشمال الشرقي السوري، كان أهمها معركة عين العرب "كوباني" في عام 2014،  حيث أشار وزير الخارجية السورية "وليد المعلم" في وقت سابق أيضا من عام 2017 إلى "شرعية المعركة التي يخوضها الأكراد ضد تنظيم داعش"، ملمحا إلى "إمكانية التوصل لترتيب معهم". وهنا يجب الإشارة إلى الدعم العسكري المفتوح من كردستان العراق، والذي كان الهدف منه تقوية تأثير الجبهة الكردية في سورية، وما يثيره هذا الأمر من تساؤلات.

سابعا - الصراع المستمر مع تركيا، التي أنجزت سياستها تجاه كامل أكراد سوريا في إطار سياستها التاريخية العدائية العامة تجاه "حزب العمال الكردستاني". حيث عملت على جعلهم حصان "طروادتها" للتدخل في الشأن السوري، لتحقيق طموحاتها العثمانية التوسعية، بحجة الخشية من قيام كانتونات كردية في حدودها الجنوبية، والتي كان آخرها الاعتداء التركي على عفرين، والمستمر منذ ما يقارب الشهرين إلى الآن.

بعد هذا العرض لمجموع الأفعال التي قام به المكون الكردي على مدى عمر الحرب السورية، نخلص إلى نتيجة مفادها:

أنه بالرغم من التوصل لاتفاق مع القيادة السورية في 20 فبراير الماضي، وبعد تفاوض - طويل نسبيا - من خلال الحليف الروسي، وبالرغم من كل الكلام الذي قيل حول هذا الأمر، إلا أن معظم قادة الفصائل الكردية لم تنخرط حقيقة في الالتزام بما نص عليه الاتفاق مع دمشق، خاصة أن هذا الاتفاق لم يتضمن أي ترتيبات سياسية مما يزيده هشاشة. 

يؤكد هذا الأمر، أن كل التطورات السلبية الحاصلة بالنسبة للقضية الكردية تصب في بوتقة العماه الإستراتيجي لقادة الفصائل الكردية جميعا، والذين طغى لديهم حلم إنشاء كيان انفصالي بحجة أنها أكثر فرصة مواتية يمكن أن تقدم لهم – كما توهموا أو أوهموا بذلك -  فهم رغم فترة وجودهم في سورية التي تقارب القرن من الزمن، لم يقرؤوا تاريخ وجغرافية المنطقة بشكل جيد وواع.

التاريخ والجغرافية اللذان يوضحان حقيقة أن كل من دخل البيت السوري أمن، إذا ما عاش وتعايش مع أهله حسب أصولهم وأخلاقهم.

التاريخ والجغرافية المليئان بكثير من الشواهد والأوابد، التي تشير إلى أن مصير المعتدين كان دوما الهزيمة والاندحار مهما طال الزمن.

التاريخ والجغرافية اللذان يبادلان الوفي بالوفاء، ويعقبان كل خائن من جنس عمله وأفعاله.

فهل يدرك الأخوة الأكراد ذلك بعد كل هذه المعطيات التي أصبحت بين أيديهم، ويعيدوا ترتيب بيتهم الداخلي وأولوياتهم ضمن حضن الوطن؟ 

سواء بعد المواجهة المستمرة جراء الاعتداء التركي الحاصل على عفرين، وقبلها الكثير من الاعتداءات على كامل مناطق وجودهم، أو جراء المراوغة الأمريكية والخداع المستمر باستخدامهم ورقة ضغط على وطنهم السوري!

وهل من عاقل لديهم يتلقف إشارة رأس الدبلوماسية السورية – المذكورة أعلاه - بأن كل شيء قابل للتفاوض والحوار تحت سقف الوطن!

لان "كل من يعمل تحت قيادة أي بلد أجنبي في بلده وضد جيشه وضد شعبه هو خائن، بكل بساطة، بغض النظر عن التسمية"، كما أكد الرئيس بشار الأسد في تصريح سابق أدلى به  في 18 ديسمبر الماضي، عقب لقائه بوفد حكومي واقتصادي روسي في دمشق.

في الختام: يجب التنويه أن هذا الكلام موجه فقط للأكراد الذين انخرطوا في هذا الصدد، ولا يشمل الأكراد السوريين عامة، حيث أن معظمهم يعيشون وطنيتهم السورية كاملة ويمارسوها بأبهى صورها.