الغارات الإسرائيلية.. رسائل مبطنة لبوتين ونصر الله

09.09.2017

ليست المرة الأولى التي يستهدف طيران الكيان الإسرائيلي مواقع ومنشآت عسكرية سورية، ولكن أسلوب تنفيذ الغارة الأخيرة حملت معها الكثير من التساؤلات حيث حلق الطيران الإسرائيلي فوق المجال الجوي اللبناني، وشن غارته الصاروخية بالقرب من مصياف في ريف حماه الغربي، أي ما مجموعه الكثير من الاستفزازات الكبيرة التي من الممكن أن تدفع مجمل الأحداث إلى الانفجار، وحقيقة الأمر أن هذه الغارة هي غارة معدة مسبقاً، ومحسوبة التوقيت بدقة متناهية، لتتزامن مع أكبر مناورة عسكرية يجريها الكيان الإسرائيلي على حدوده الشمالية، وذلك لاحتواء وردع أي رد ممكن أن ينتج عن هذا الاستهداف، وتصعيده بشكل مسبق نحو مواجهة قد تفجر الأقليم بشكل كامل، بحيث تفكر الأطراف المستهدفة كثيراً قبل أن تقدم على أي ضربة إنتقامية، مايؤكد على أن هناك دافعاً قوياً وملحاً أجبر إسرائيل على القيام بهذه المخاطرة دونما انتظار، فشن غارة بعمق المدى المجدي لمضادات الطيران الروسية المنصوبة في الساحل السوري، هو بمثابة رسالة حقيقية تتعلق بمكانة روسيا، واستخدام الأجواء اللبنانية لشن هذه الغارة دوناً عن الأجواء السورية يحمل في طياته رسالة واضحة حول امتعاض إسرائيلي كبير من العلاقة الناشئة بين روسيا وحزب الله اللبناني، وهذه الغارة الفريدة تعتبر الثانية من نوعها، والتي تستهدف مواقع يتم فيها دراسة و تصنيع سلاح موجه عالي الدقة يتزود بها محور المقاومة، وتتشارك أطراف الحلف هذه الأسلحة، حيث كانت أول هذه الغارات النوعية في ريف تدمر في آذار من هذا العام، والذي تواجد بالقرب من الموقع المستهدف عسكريين روس، مما استدعى رداً مباشراً بإسقاط الطائرات المهاجمة، وتوبيخ السفير الإسرائيلي في موسكو، والذي تلاها الاستهداف الأمريكي لمطار الشعيرات السوري، بذريعة الهجوم الكيميائي، الذي انطلقت منه الصواريخ ضد الطيران الإسرائيلي، والمثير للدهشة في الغارة الأخيرة تصريح الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (عاموس يدلين) باعتباره أن هذه الغارة ليست روتينية، وإنما بيان أخلاقي نظراً لأن المنشأة العسكرية السورية التي تم استهدافها تعنى بتصنيع السلاح الكيميائي، ومن المعلوم أن السلاح الكيميائي هو سلاح كاسر للتوازن الاستراتيجي بين الدول ولم يعد موجوداً في سورية...
فما هو السلاح الذي يشابه بفعاليته السلاح الكيميائي والذي تخشى إسرائيل من وصوله إلى أيدي المقاومة في لبنان؟
بكل تأكيد فإن طبيعة هذا السلاح الذي يثير الرعب الإسرائيلي ستتمثل في قدرته على كسر التوازن الاستراتيجي بين القاومة وجيش الكيان الإسرائيلي لصالح تحقيق توازن الرعب بينهما، مما يقف عائقاً في وجه تحقيق عدة مشاريع إسرائيلية في لبنان، والذي يتمثل أخطرها بالاعتداء على المياه الأقليمية اللبنانية، بحجة مياه متنازع عليها، لتعلن حكومة الاحتلال عن مشاريع إسرائيلية فيها لاستخراج الغاز وربطه بباقي الحقول لتصديره لاحقاً إلى أوروبا، ما يعني المضاربة على سوق الغاز الرئيسي لروسيا، مما يشكل عاملاً إضافياً لتعزيز المصالح المشتركة بين روسيا وحزب الله في لبنان، فمن مصلحة روسيا أن توقف أي تقدم بالمشاريع الإسرائيلي الهادفة إلى اختراق سوق الغاز الأوروبية، كما من مصلحة بل أولوية حزب الله لجم الكيان الإسرائيلي، وقطع يده من الاعتداء على الأراضي والمياه اللبنانية، ما يفضي إلى الاستدلال حول طبيعة ونوعية هذا السلاح، والذي باعتقادنا سيكون سلاح متوسط المدى عالي الدقة قادر على إصابة أهداف برية وبحرية وتدميرها بشكل كامل، وما  يدفعنا للتأكيد متانة العلاقات الناشئة بين روسيا وحزب الله والتي يبدو أنها بدأت فعلياً بالتحول إلى شراكة مبطنة هو الدفاع الروسي في مجلس الامن عن حزب الله، حيث رفض الوفد الدبلوماسي الروسي تحت تهديد (الفيتو) إدراج حزب الله بشكل صريح في أي نص قرار يستهدفه بالعقوبات، وهو ما أوضحته البرقية السرية التي أرسلها الوفد الصهيوني في الأمم المتحدة إلى وزارة الخارجية الاسرائيلية، والتي تفيد بأن روسيا عملت خلف الكواليس للدفاع عن حزب الله في النقاشات التي عقدها مجلس الأمن الأسبوع الماضي بشأن تجديد تفويض قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، إضافة إلى عودة نتنياهو من سوشي وهو خالي الوفاض من أي ضمانة أمنية روسية قد تعزز التفوق الإسرائيلي في الأقليم ضد محور المقاومة، ما استدعى التصرف الفردي من قبل الكيان الإسرائيلي سعياً منه لفرض مصالحه على روسيا والمنطقة بمنطق القوة محاولاً اجتذاب الدعم الأمريكي كما المرة السابقة  بذريعة واهية وهي منشآت تصنيع السلاح الكيميائي في سورية، ولكن مالا يدركه نتنياهو أن واشنطن ليست بصدد فتح جبهة محرجة أخرى مع تصاعد ملف كوريا الشمالية، وانشغالها العميق في غرب المحيط الهادي وتوالي الأعاصير المدمرة على أراضيها، من هنا يجب على نتنياهو أن يفهم أن دقة حساباته الأقليمية قابلها فشل ذريع في الحسابات الدولية، مما يجعل من رسائله التصعيدية رسائل لاغية لاقيمة لها، ولن تؤدي إلا إلى زيادة وتعزيز العلاقات والشراكة بين روسيا وحلف المقاومة بشكل عام، وبين روسيا وحزب الله على وجه الخصوص.