الفساد في زمن العولمة المتأمركة... آثاره على القطاع العام ومؤسسات الدولة

12.04.2018

كان من النتائج المهمة لما سمي بالعولمة الممهورة بالختم الأمريكي كعنوان لانتهاء الصراع العالمي بكل عناوينه الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي ،الثقافي لصالح مشروعها المدعوم بأدوات رأسمالية كدول أو أشخاص و بمؤسسات تأخذ الاسم الدولي بما يقوض أي استقلال وطني أو نمو وتنمية بشرية بكل ما تحمله من أنواع اقتصادية و اجتماعية و سياسية و ثقافية .علما أن أهم تنظيراتها كانت مبنية على إدعاء تحقيق هذه التنميات عبر فرض النموذج الديمقراطي و الإنساني، وعبر الدفاع عن حقوق الإنسان ، والتجربة أثبتت أن هذه العولمة هي أكبر عدو ومعرقل لأي تطور أو تحول ديمقراطي لأي بلد في العالم.

وكان أهم جسر اصطلاحي سعت لعولمته هو فرض النموذج الليبرالي مصبوغاً ببرامجها ، و ليس بماهيته ومعناه وظروفه هو  الجسر الليبرالي الهادف لفرض شخوص مرتبطة بمركزها و تسير وفق ركبها عبر تركيزها الاقتصادي و الاجتماعي و حمايتها بقوانين و سلطات تمنع الاقتراب منها ومحاسبتها أو منافستها أو تقويض صلاحياتها.

كيف لا و الهم الأكبر لما تدعي العولمة المتأمركة المتلبرلة هو القضاء على الأدوات الحكومية العامة لأي بلد عبر تقويض صلاحيات المؤسسات أو سحب يد الحكومات من إدارة العملية الاقتصادية عبر قتل القطاع العام أو عبر سحب كل الامتيازات التي كانت تقدمها الحكومات لمواطنيها لكسب الولاء و تقوية و تحصين البنى الداخلية، وكان لعولمة الفساد الدور الأهم لغزو الدول و تقويض نموها.

ومع تزايد المناداة بتطبيق برامج الإصلاحات الهيكلية، وسياسات الانفتاح الاقتصادي من جانب المؤسسات الدولية المانحة (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية)، والنشاط الذي يبذل من أجل تصعيد القدرة التنافسية للمنتجات، ومع تزايد حرية حركة تنقل رؤوس الأموال، ونشاط غسيل الأموال والجريمة المنظمة- اتسع الفساد إلى حد الاستشراء في جميع أنحاء العالم، وأصبح السمة المميزة الموجودة في الدول الغربية ذات الأنظمة الديمقراطية العريقة، وكذلك في الأنظمة الديكتاتورية والشمولية المنتشرة في بلدان عالم الجنوب، ولدرجة أن دخل قاموس السياسة الدولية مصطلح «الفساد العولمي» (أو الفساد الكوكبي، فالفساد طغى  بصورة كبيرة جدا في زمن العولمة وتقونن وأصبح ثقافة مقبولة من أغلب الشعوب و أنتشر بشكل كبير افقياً و عمودياً لتصبح الكثير من ممارساته تمارس بكل دول العالم بعد أن كانت الكثير من الدول محصنة لأنواع كثيرة منه كتجارة الأعضاء و الرقيق و الآثار والإرهاب بكافة أنواعه  ،فالعولمة التي اعتمدت على السياسات الليبرالية الجديدة، وألغت الحواجز والحدود أمام حركات تنقل السلع ورؤوس الأموال، وتحولت إلى حركة تاريخية مضادة اقتلعت الأفكار الاشتراكية والديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية التي طغت طيلة القرن العشرين، وسحبت المكاسب التي حققها العمال والطبقة الوسطى، وانتهت بالتوقيع على منظمة التجارة العالمية (الجات) التي تولت توقيع العقوبات على من لا يذعن لسياسة حرية التجارة.

وكانت لسيرورة الفروض التي وضعتها مؤسسات العولمة الدولية الدور الأكبر في تشويه البنى و فرض أنواع من التعاملات الاقتصادية و التجارية التابعة لمركز رأسمالي غير مهتم بخصوصية البلدان و لا بقيم الإنسان همه استمرار التبعية و زيادة تمركز الاستثمارات و قيادة العالم عبر احتكاراته السائرة نحو تمركز قوي متناسية الصراعات الناجمة عن هكذا سلوكيات ومتناسية العدالة الاجتماعية التي كانت تراعيها في ظل الصراع الإيديولوجي السابق خوفاً من الانهزام أمام الإيديولوجيات الهادفة للعدالة الاجتماعية و لإنسانية الإنسان وتأمين حقوقه , و كان الإفساد وسيلة وهدف وغاية و ذلك لتحويل المجتمعات لبنى هشة سهلة الاختراق عبر تحويل أغلبية سكانها لغرائز متحركة متحكم بها تعمل أي كان و تستهلك أي كان وذلك لقتل الهويات الوطنية و ضرب المنظومات القيمية و الأخلاقية الموازنة للمجتمعات و الرادعة للكثير من الأعمال و المحاسبة اجتماعيا إن غاب تنفيذ القوانيين فكيف إن غابت المنظومتان القانونية و الاجتماعية يتحول الفساد لغول يفترس كل شيء و غير قادر أحد على مواجهته و مجابهته

ففي ظل توسع وانتشار قوانين العولمة مدعية الليبرالية، وما آلت إليه من حركية في الأسواق الحرة والأموال الأجنبية، وما صاحب ذلك من انعدام في الرقابة ومنه الانحلال في القيم والأخلاق وانتشار لسلوكيات اللا معيارية، التي هدفها الوحيد هو الوصول إلى المادة والبحث عن الرفاهية، انتشرت ظاهرة الفساد عبر المجتمعات، واستفحلت من خلال نقل أفكار وقيم المنفعة إلى شعوب العالم قاطبة، لا سيما إلى دول الجنوب، بإخضاعها لتحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهي على مظهرها المعروف تمثل رسملة العالم، أي أن العولمة عملية يراد منها نشر مبادئ النظام الرأسمالي وفرضه على عامة الأساليب الاقتصادية التي تتبعها المجتمعات الأخرى. وتمثل مؤسسات المالية والاقتصادية كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية وشركات متعددة الجنسيات هي مؤشرات العولمة وحقل تطبيقها، كما أن نظام الدولة القومية وانتشار منظمات وقوانين الحرية والديمقراطية هي مؤشر آخر لعصر العولمة هذا.

و كان لهذه العولمة آثار سلبية متعولمة  يعاني العالم بأسره  من ويلاتها و سيزداد تأثيرها على العالم بأجمله منها انتشار الجريمة المنظمة لتأخذ منظور الارهاب بكافة أشكاله، والفساد الإداري المسرطن  وجرائم المخدرات  وأزمة المديونية وزيادة عدد الفقراء وأغلبهم تحت خط الفقر وزيادة الانحلال الأخلاقي و انهيار داخلي مبطن لأغلب الدول الوطنية  وتقسيم المجتمع إلى طبقتين واضحتي المعالم تتباعد المسافات بينهما ويزداد الصراع حدة بين أصحاب الأموال و مصالح أغلب الفئات الاجتماعية. وفيما يرى البعض أن العولمة تمثل الرأسمالية الجديدة المنطوية حول عولمة الاقتصاد بوصفها «نظام اقتصاد السوق الحرة»، فإنه مع نمو العولمة الليبرالية الجديدة، ازداد تركيز الثروة، وتعمق التفاوت واللا مساواة في توزيع الدخل بصورة فاضحة، واتسعت الفروقات بين الفئات الاجتماعية والدول اتساعًا لا مثيل له، كما أن الآفات الاجتماعية عمت المحيط بما فيها الفساد الاجتماعي.

 كل ما سبق يؤكد أن الفساد كان الركيزة الأساسية للرأسمالية للانتصار و السير نحو التمركز الاحتكاري القائد كعنوان قادم للقيادة الاقتصادية العالمية . فوفقًا للبنك الدولي، بلغ حجم التدفق السنوي لأموال الفساد والأنشطة الإجرامية والتهرب من الضرائب رقمًا مذهلًا قدره 1.6 تريليون يورو، تمثل منها عمليات التهرب من دفع الضرائب في الاتحاد الأوروبي وحده ما يقرب من 250 مليار يورو. فلو أعيدت هذه الأموال الطائلة للاقتصاد المشروع لأمكن تجنب خطط التقشف الحالي والتعديلات الهيكلية التي تعيث فسادًا في المجتمع.

ولما كان للفساد من أثر تدميري تهشيمي للبنى و كمعرقل للنمو و التنمية و لاستنزاف الموارد،فإن الإحاطة به لمواجهته واقتلاع جذوره أهم وسيلة لأي نمو أو تنمية مبتغية أو أي إعادة بناء وانطلاق للدول .

ولا يمكن تقويض الفساد أو اجتثاثه من دون فرض القانون و تنفيذه بقوة و لا يمكن الوصول لهذه الآلية من دون تحكم الحكومة بالإدارة الاقتصادية و الاجتماعية طبعاً مع الاستثمار الصحيح لكل الموارد الأخرى بما يحقق البرامج الموضوعة، مع العلم أن هناك الكثير من يظن أنه بالفساد تزداد أرباحه و يتعاظم نفوذه و العكس هو الصحيح لأن الفساد سيف ذو حدين آنياً و قاطع لرأسمال مرتكبه لاحقاً، و كذلك هناك من يظن أن الفساد يدار بشكل يمنعه من تجاوز خطوط حمراء من الأمن و الأمان و كذلك هذا أكبر خطأ لأن الفساد مسبب لكل الموبقات فهو مخفف للنمو و التنمية وهو طارد للاستثمار و هو مشجع للاحتكار و هو طارد للكفاءات و مبذر للثروات و هو قاتل لأي فكر تنموي تطويري ولذلك الإحاطة بالفساد يستدعي الاعتراف به و تشخيص حالاته و معرفة الأسباب و الأدوات المشجعة و المحفزة له لوضع العلاجات القادرة على تقويضه و النيل منه ومن دون وجود أدوات رقابية و محاسبية فاعلة لا يمكن أي مواجهة لهذا السرطان وإنما إعطائه البيئة المشجعة على تكاثره و تقويته , وكذلك فإن التغلب على ثقافة الفساد التبريرية الانهزامية واجب على كل وطني حقيقي و هذه تكون بتقوية المنظومات القيمية و الأخلاقية عبر مؤسسات التنشئة المختلفة التعليمية الدينية الأسرية الإعلامية وكذلك بتبني برنامج إصلاحي متكامل اقتصادي إداري اجتماعي وفق أهداف واضحة و برامج محكمة هادفة و متابعة ومراقبة مع محاسبة مستمرة , فلكل هدف أدواته الخاصة وإن تغيير القبعات لا يوصل للأهداف المنشودة وإن انتصار عقلية الفساد هو هدر لأي جهود ودماء بذلت لحماية الأوطان التي كان الفساد مدخلاً للنيل منها و مسبباً لتطويل فترة التصدي لها .