"البدائل النووية" ترسم خارطة حروبٍ وأزماتٍ جيوسياسيةٍ جديدة

11.09.2017

بعد عقودٍ خلت من الصراعات الدموية على الوقود الأحفوريّ نغادر عصر صراعاته رغم استمرار استهلاكه، وندخل حقبةً جديدةً من الصراعات بمسبباتٍ جديدةٍ غير تقليدية، فالعالم يتغير بسرعة، والعلاقات الدولية تتدخل مرحلةً جديدةً بذات السرعة، وما كثافة الأحداث الدولية إلّا نتيجةً لبلوغ العلاقات الدولية الكتلة الحرجة للانتقال إلى نسقٍ جديدٍ، غير متبلور المعالم حالياً، يصلح فيه توصيف النقطة الحرجة في الكيمياء بمعنى مغادرة الوضع الأوليّ وعدم اكتساب خواص وضع جديد، نسقٌ غير متبلورٍ تتنافس فيه القوى العظمى على احتكار موارد تشغيل التكنولوجيا التي لم تستخدم بعد، وما يبلوره هي أحداثٌ تجري اليوم، وصراعاتٌ حسم مآلاتها ترسم طبيعة الغد، صراعاتٌ بدأت تدار بعقلية ما بعد الجيل الخامس للحروب، فالعنف المسلّح عبر مجموعاتٍ عقائديةٍ مسلحةٍ جهاديةٍ وعصابات التهريب المنظم والتنظيمات الصغيرة المدربة صاحبة الأدوار الممنهجة بدأ نجمها بالأفول لصالح الجيل السادس من الحروب "حروب الندرة".

ونحن هنا لا نتحدث عن الأدوات بل المضامين والغايات، فمن يريد التحكم بالمستقبل عليه أن يسيطر على أدواته وطرق إنتاجها وأسواقها، فعالم الغد يختلف عن عالم اليوم الذي مازال يزاوج بين التقليد والحداثة بأنماط الإنتاج وأسواق الاستهلاك، فهو عالم "السايبر" ورغم امتلاك العديد من الدول في العالم القدرات السايبرانية وتختلط القوة بين العالم الأول والثاني.

إلّا أنّ المفارقة هو أنّ قدرات إنتاجها غير متاحةٍ مستقبلاً حتى لمن يمتلك التكنولوجيا الرقمية لأنّ الموضوع مرتبطٌ بعناصر انتاج التكنولوجيا ذاتها من المواد الخام، و حتى الوقود الأحفوري (النفط) ليس موجوداً في عالم المستقبل القريب؛ فالبدائل الطاقوية و البدائل النووية غير التقليدية بطبيعة الحال تحلّ مكانها بسرعةٍ كبيرةٍ جدا ًكعنصر الثوريوم مثلاً الذي ينتج  طاقةً كبيرةً بكمياتٍ قليلة منه، ودون تلوث إشعاعي أو نفايات نووية تذكر، انطلاقاً من ذلك من يريد أن يجد لنفسه مكاناً في المستقبل عليه امتلاك (البدائل النووية غير التقليدية من جهة والعناصر النادرة من جهةٍ أخرى)، وهو جوهر الحاصل في العالم، وللعلم هذه البدائل ليس لها استخداماتٌ عسكريةٌ مباشرة، الأمر الذي يضعها نظرياً في متناول الجميع.

وتوضح نظرةٌ سريعةٌ للأحداث الدولية الراهنة انطلاقاٌ من وادي الفرات إلى إقليم الدونباس شرق أوكرانيا وصولاً إلى بورما والكونغو، والمستمرة منها مثل كوسوفو وأفغانستان وكردستان العراق أنّ الحرب في أحد أهدافها الأساسية هي على المعادن النادرة، فمنذ العام 2009 و المخاوف الدولية تركّز على توقُّع نقص حاد في معادن  التقنيات الرقمية مثل الإنديوم، والليثيوم، والعناصر الأرضية النادرة، والتيلّوريوم، والجرمانيوم، وكلها معادن أساسيةٌ لتقنيات الطاقة الرقمية الجديدة الصديقة للبيئة، مثل الخلايا الكهروضوئية، والسيّارات الكهربائية، وبدأت هذه المخاوف بالاتساع عندما بدأت الصين بعملية احتكارٍ دوليةٍ لهذه المعادن وقلَّلت صادراتها من المعادن الأرضية النادرة، الأمر الذي أدى إلى قفزةٍ نوعيةٍ في الصادرات الصينية التكنولوجية وانتقال كبرى شركات التكنولوجيا إليها الأمر الذي بدأ يهدد القدرات الإنتاجية الأميركية من التقنيات الرقمية، ويضع الصين في صدارة إنتاجها، بل وربما احتكارها، مما يؤدي إلى الهيمنة الصينية على اقتصاد المستقبل، وتتعزز هذه الهيمنة والسيطرة إذا علمنا أنّ العالم بدأ بالاتجاه نحو إنتاج الطاقة الكهربائية من بدائل نووية غير تقليدية (الثوريوم) وليست نووية شديدة الإشعاع والتكلفة كاليورانيوم، بمعنى أنّ عالم المستقبل القريب، سيعتمد على عناصر مفاعلاتٍ نوويةٍ غير ضارة، وصديقة للبيئة، ومنخفضة التكلفة، وغير خطرة كأحداث "تشرنوبل" و كارثة "فوكوشيما"، وللمفارقة أنّ الصينيين هم الأكثر امتلاكاً للأدوات التكنولوجية اللازمة لإنتاج وتصنيع لطاقة المستقبل.

بناءاً على هذه المعطيات فإن حروب المستقبل هي حروب ترتكز على إيجاد واحتكار البدائل النووية والتقنيات الرقمية وعناصر إنتاجها، وهذا يستتبع بالضرورة تغير خارطة الأزمات الجيوسياسية الدولية التقليدية مع أفول حروب النفط وأنابيب الغاز، التي يتبلور تقاسمٌ دوليٌّ راهنٌ لأسواقها ومنابع انتاجها، أمّا خارطة الصراعات الجديدة فهي خارطة وجود الفلزّات النادرة، ومعادن إنتاج الرقميات، وطاقة المستقبل الكهربائية من الثوريوم، وهو ما يحصل حالياً؛ فنظرةٌ سريعةٌ لما يجري تؤكد انطلاق حروب وصراعات البدائل النووية والعناصر النادرة فالصين اشترت 10 آلاف طن متري من المعادن الأرضية النادرة (2014/2015)، وبدأت بإقراض غينيا 20 مليار دولار في مقابل الحصول على معادن لمدة 20 عاماً (2017)، ووقعت مذكرة مع السعودية للتنقيب على الثوريوم (2017) لترفع حصتها العالمية إلى (90 %) من الناتج الدوليّ لهذه العناصر وهو ما يعني احتكار أدوات المستقبل، الأمر الذي أثار هلع الولايات المتحدة وبدأت بتحريك العالم ضد الصين بدءاً من العام (2012) حيث تقدمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان بشكوى لمنظمة التجارة العالمية ضد الصين يتهمانها فيها بفرض قيود على صادراتها من المعادن النادرة.

ولكنّ الولايات المتحدة لم تكتفِ بذلك بل بدأت باستراتيجية السيطرة على تلك العناصر النادرة عالمياً ولكن للأسف بمزيجٍ من حروب الجيل الثالث الرابع و الخامس، أي الحروب المباشرة كالعودة إلى العراق و اللامتماثلة واستخدام العصابات الإرهابية وتوظيف ما يسمى "الجهاد العالميّ" كالحاصل في بورما حالياً التي تعتبر المصدر الوحيد في الكوكب لألماس "البينايت" )أغنى سلع العالم)، وهو ما يعيدنا بالذاكرة إلى حقبة الألماس الدموي في أفريقيا، إضافةً إلى أنّ بورما غنيةٌ بالثروات والذهب ولديها احتياطيٌّ كبيرٌ من المعادن النادرة (ونحن لا نقلل من مظلومية الأقليّة المسلمة ولكن نحذر من تحولها إلى أداة)، إضافةً الى استراتيجية ترامب الجديدة في أفغانستان التي أتت ضمن ذات السياق فأفغانستان تحتوي مواد معدنية خام مهمة في صناعة الرقميات.

"الشرق الأوسط" حاضر في حروب المستقبل! نعمةٌ أم نقمةٌ ما حبا الله الشرق المتوسط من ثروات، فحروب النفط دمرت العراق وليبيا واليمن، وحروب الغاز جعلت من سورية ساحة حربٍ دولية، ولكن الأخطر هو في المستقبل، فللمفارقة العجيبة أن إقليم كردستان العراق يحتوي أكبر مخزون للمعادن النادرة في الشرق الأوسط، وأنّ وادي الفرات بين سورية والعراق يحوي كميات كبيرة من تلك العناصر وخصوصاً في الجهة الغربية للعراق على حدود سورية من "القائم" إلى "الرطبة" وامتداد هذه المنطقة المشابه جغرافياً، من هنا نفهم الإنزالات الأميركية في "التنف" و"الأنبار" واصرارها على تحالفٍ عضويٍّ مع الكرد وتكثيف وجودها العسكري غرب الأنبار العراقية، فأحد مجالات الإفلات من القبضة الصينية لتكنولوجيا المستقبل هو الشرق الأوسط في العراق على الحدود السّورية وأفغانستان، ومصر وشمال السعودية اللتان تحتويان على كمية كبيرة من "الرمال السوداء"، وللمفارقة التاريخية أيضاً فواشنطن تركّز وجودها في أماكن اصطلح عليها حضارياً (الشرق الأدنى القديم)، الأمر الذي يدعونا للقول أنّ "الشرق الأوسط" كمصطلح الذي أتى في حقبة بزوغ النفط آيلٌ إلى الأفول لصالح بروز مصطلحين جديدين (شرق المتوسط الذي تصارع عليه روسيا) و(الشرق الأدنى الجديد الذي تحييه واشنطن تحت مسمى "التحالف الإسلامي" لقتال داعش) -للسيطرة عليه طبعاً-.

وللمفارقة كذلك أنّ ما تبقى من التنظيم الإرهابي المنهار تنظيمياً وكيانياً مازال يسيطر حالياً على خامات المعادن النادرة في منطقة الحدود السّورية العراقية.. الأمر الذي يضع سيناريوهات كثيرة للسلوك الأميركيّ القادم في المنطقة!! سيما أنّ أطماع واشنطن في ثروات وادي الفرات من المعادن تتقاطع مع مصالح جيو أمنيةٍ راهنة للولايات المتحدة في مواجهة محور (طهران دمشق بيروت) وقطع طريقه البريّ الأساس الرابط بين دوله، عبر انشاء كيانٍ حاجزٍ أو ربما كيانين في إقليم كردستان العراق وإقليم الأنبار المتصل مع بادية الشام، وحرمان هذا الحلف العناصر المعدنية الأساسية لتكنولوجيا الفضاء وصناعة الصواريخ كالكوبالت والنيكل المعدنيّ التي تحقق توازناً استراتيجياً مع أعداء الحلف من واشنطن إلى تل أبيب، وذلك  عبر وضع اليد الأمريكية على أقرب المصادر وتشديد العقوبات للحيلولة دون بلوغ هذا التوازن.

ختاماً، جملة ما تقدم يقودنا إلى الاستدلال بأنّ حروب المستقبل قد بدأت وهي حروب امتلاك مصادر التكنولوجيا الخام قبل تحويلها إلى سلعةٍ للاحتكار العالمي، وهذا يستتبع أنماطاً من الحروب والهيمنة غير مألوفة، ولا نستبعد اندلاع حروبٍ دمويةٍ كحروب الألماس الدموي في أفريقيا في أماكن تواجد هذه الفلزات الحاكمة للمستقبل بما يعني اصطلاحاً أننا مقبلون على حروب (المعادن الدموية)، وخارطة الأزمات الجيوسياسية القادمة سترتسم بحدود هذه المعادن والبدائل النووية جغرافياً، فالقطبية الدولية القادمة أساسها تكنولوجي وليس اقتصادي تقليدي أو سياسيّ أو أيديولوجيّ وعلى رأس هذا الأساس من يمتلك تكنولوجيا البدائل النووية ومصادرها الخام، ومن يحتكر معادن إنتاج التقنيات الرقمية، وبينما يتجه العالم إلى حجز مقعدٍ لنفسه في المستقبل، دخلنا كشعوبٍ ناميةٍ مرحلة الفوات التاريخيّ.