كيف تعمل أدوات العولمة في تدمير دولنا النامية

25.09.2018

هدف السيطرة والاحتكار الاقتصادي هو الغاية الأساسية للدول المسيطرة و المسبب لأغلب الحروب و الكوارث و نبع الإبداع للكثير من الجرائم التي تقوم بها دول الاستكبار العالمي أو معولمة العالم الجديد في النسخة المطورة لما كنا نسميه إمبريالية لدول محاطة بهالة حمائية و متعاونة في نسج العلاقات الدولية بما يخدم مصالحها و يعرقل النمو و التنمية للآخرين.
وبالتالي أغلب العلاقات و الهياكل و البنى السياسية تهيء بما يماهي هذا الهدف الأسمى، و لكن في العقد الأخير بعد تقويض أغلب المنافسين و رسم الخطوط العامة للعلاقات الدولية بما ينسجم مع المصالح الضيقة للدول المنتصرة في الحرب الباردة استعر الصراع المصلحي البراغماتي بين هذه الدول، هذا الصراع الذي ما لبث أن ظهر وبان كون نموذجهم الرأسمالي الاستعماري كالنار التي لا ترحم.

إن نموذج العولمة والذي كان نموذج إعلامي تضليلي مغلف بمصطلحات و عبارات غايتها التضليل و التعمية للانجرار بمشروع أمريكي وحداني لقيادة العالم متشرب أهدافه و غاياته من تجمع شخوص رأسمالية هدفها احتكار الاقتصاد العالمي ومنع المنافسة من قبل أي آخر، في ظل براغماتية لا تؤمن بصداقات دائمة وإنما أدوات وحاجات تنتهي بانتهاء الدور وهذا ما لحظناه في السنين الأخيرة من صراعات من قبل أصدقاء الأمس وتحولات بالعلاقات الدولية خارج إطار حلفاء الأمس والأعداء اللدودين وتغييرها بالشكل الأكثر فائدة مع أدوات قد تحقق أكثر الفوائد الممكنة مع قلة ومحدودية التأثير المستقبلي لمحدودية التأثير الاقتصادي، و قد تكون هذه التحالفات مرحلية لأسباب جيوسياسية و بالنهاية الغاية الأخيرة تكريس القيادة الفردية الأمريكية للعالم بما يخدم مصالحها وأدواتها السامة و الباقي لا ضامن له و ليكون العنوان الانتصار الدائم للعنصر الانجلوسكسوني الموحي العميق لما نحن عليه و السند لما سيكون من يوم صناعة الجسم السام الصهيوني بمنطقة هي المشكل التاريخي الحضاري وهي الموقع الجيوسياسي الأكثر خطورة على المصالح الاستعمارية في حال السير الصحيح و السيرورة التاريخية الصحيحة.

وهذا ما جعل هذه المنطقة تحت المجهر الإمبريالي الدائم و الهدف الأكبر لتدمير أي حالات تنموية مستقلة مستمرة و جعلها مركز لسلب الكفاءات و للتهجير الدائم و لعدم الاستقرار، و لهذه الغاية القذرة من المنظور الأخلاقي و القيمي و القانوني لا ضير بأي وسيلة كانت ليكون الهدف النهائي السيطرة على العالم عبر السيطرة بالاقتصاد و لتستمر المعادلة الاستعمارية الأبدية دول تابعة تستهلك منتجاتنا و هي مصدر للمواد الأولية لصناعاتنا وإن اقتضت الضرورة ننقل مصانعنا لها، وكذلك تنمية صناعات ومنتجات لدول محيطة بدول ذات طموح لقصقصة التضخم الاقتصادي القادرة على مواجهة مستقبلية وهو ما وجدناه بدول كثيرة وخاصة بشرق آسيا في مواجهة النمو الاقتصادي إن كان الياباني أو الصيني.

ولكن يبقى التفوق العسكري للقائد العالمي ضامن السير بما يخطط له، وإن الوسائل و الأدوات المستخدمة للوصول للهدف الاحتكاري المسيطر تغيرت حسب التطورات البنيوية للعالم من جميع النواحي الاجتماعية ..الثقافية ..السياسية...الاقتصادية و يكون عدم تكريس و تجذير تنمية مستقلة ..متوازنة ..مستمرة الغاية النهائية ، لأن أي تطور اقتصادي للدول الأخرى سيكون مقلل للتحكم و السيطرة لدول المركز بتشكيلته السابقة أو الحالية و على حساب ناتجه الاقتصادي، ولا حصانة لأي آخر من المواجهة للتقويض الاقتصادي وهو ما لاحظناه مؤخراً من قوانين اقتصادية تخالف الفكر الليبرالي الذي سوقت له دول النهب الحديث المغطاة بالحداثة و الحضارة وحقوق الإنسان و الديمقراطي، فلم يتوان الأمريكي عن فرض رسوم على الكثير من حلفاء الأمس معرقلة للكثير من الصادرات لحماية منتجاته وهو مخالفة صريحة لبرامج البنك الدولي و لصندوق النقد الدولي و للاتفاقات العالمية التجارية و التي لم تترك هذه الدول أسلوب لفرضها على العالم إلا وأنتهجته من الترغيب للترهيب للقتل للحصار للعقوبات و تؤدي إلى مزيد من الإفقار و البطالة و انتشار الأمراض الاجتماعية اللازمة لتشعل نيران حروب داخلية تؤدي لقتل البشر و تدمير الحجر وهو ما وجدناه بيوغسلافيا و العراق و سوريا.

كانت عولمتهم أداة لتقويض الهويات الوطنية و تعويم الأمراض الاجتماعية و تهشيم بنى كلفت مليارات وصلت بها البلدان لمراتب متقدمة من النمو و التنمية، ولتصبح بعدها كل السبل مباحة لتدمير ما لم يدمر و قتل حتى البشر وخاصة أصحاب العقول و الكفاءات لأنهم أهم استثمار ووجودهم قد يعيد البناء و بشكل قد يكون أفضل، و اللعب على هذا النوع من التدمير لم تتخل عنه هذه الدول منذ القرن الماضي فسلب العقول عبر الترغيب بالهجرة أو الترهيب أو القتل للتخلص منهم كانت أحد أساليب التدمير الاقتصادي و لم تتوان هذه الدول على محاولة تفكيك المناهج الدراسية و تخريب العملية التربوية للكثير من البلدان و التي أثبتت كفاءة و جدوى بتخريج الكفاءات و الكوادر الباعثة للتقدم و التطور و المثبتة لقدراتها في البناء الداخلي لدولها أو للدول، و بالتالي تقويض النمو الاقتصادي و الاستقلالية و الاستمرار بالتبعية وفق المعادلات السابقة.

و كذلك من الأدوات المهمة لهم لتقويض النمو و التدمير الاقتصادي اعتماد شخوص تابعة لهم تعمل على عرقلة المشاريع الإنتاجية و تعمل على تقويض دور الحكومات في الإدارة التنموية و تقليصه لأبعد درجة لتتحول لخادم لتشريع القوانين التي تخدمهم و تقديم الخدمات اللازمة لهم و يكون الدور الأهم لهؤلاء ربط اقتصادات البلدان بالاقتصاد العالمي المرتبط بدولة المركز و ليكون عرضة للأزمات المتتالية و قابل للتدمير بأي لحظة مناسبة لعدم امتلاكه للقوة الاقتصادية القادرة على مواجهة الأدوات الموجهة ضده سواء بالتدمير المباشر عبر افتعال الحروب أو المعارك أو عبر تدمير البنى التحتية أو عبر فرض العقوبات اللا إنسانية.

و كان ما يسمى الإرهاب المصنوع بختم قواد العولمة وتحت رعايتهم أهم الأدوات الجديدة للتدمير الاقتصادي بشقيه الحجري و البشري و عبر تضليل إعلامي مركز و مبرمج باستخدام أدوات العولمة الإعلامية العامة و الخاصة المسموعة و المقروءة و باستخدام أهم الأدوات الإعلامية غير المضبوطة و غير المسيطر عليها أدوات التواصل الاجتماعي، وهذه القوى الإرهابية صنيعة من يدعي مواجهتها تستثمر من قبل دول العولمة المنظرة بالديمقراطية و الانسانية للسرقة العلنية للمعامل و المصانع و لتدمير الشبكة الكهربائية و للجسور و المدارس و للأبنية من أجل ديمقراطيتها الدموية و إنسانيتها الزائفة لتدمير و نهب الاقتصاد و استنزاف التنمية، و بالتالي وصلنا لمرحلة من جنون العظمة و للوقاحة تبرر أي وسيلة لاستمرار السيطرة الأحادية و تدمير الآخرين لمن يؤثر أو يلعب بهذه المعادلة المحمية بالقوة العسكرية المطلقة.

ووسط هذه الظروف الكل وسط النار ولا يمكن المواجهة و التحدي إلا عبر التحصين الداخلي الذي يقوض الكثير من أدوات التدمير الاقتصادي وإن كان لا يلغيها بالمطلق بالاستثمار الأكفأ للموارد و الإمكانات و بالعدالة الاجتماعية و تحقيق المواطنة العادلة و بالتربية الحقيقية المكرسة للأخلاق و الانضباط وتقويض الفساد و إعادة تأهيل مؤسسات التنشئة و محاولة إعادة الكفاءات و استثمارهم بكفاءة.

وتعتبر السيطرة على طرق الطاقة ومنع توصيلها إلا بإرادتهم مع السيطرة على دول إنتاجها الغاية الأهم بوقتنا الحالي، البراغماتية الأمريكية لا تؤمن بأصدقاء وإنما مصالح وحلفاء متماهين مع ضرورات المصلحة العليا، التدمير هدف وعنوان و آخر أدواته الإرهاب المتنامي بتدمير الأخلاق ، المصنوع بأهم معاقل ادعاء الديمقراطية و حقوق الإنسان.