كيف سيكون تأثير الانسحاب الأمريكي على الأجندة الإقليمية في سوريا

07.04.2018

يبدو أن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب رجل الصفقات الأول كما يظهر، وجد في كلام سفير بلاده السابق في سورية روبرت فورد ما يؤخذ على محمل الجد، وكان فورد قد أجاب في لقاء له مع صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية جون / أيار 2017، عن سؤال حول هدف ترامب من التواجد في سوريا؟ قائلا:" أنه يريد تقليص النفوذ الإيراني لكن لا يعرف أن اللعبة انتهت، تأخروا كثيرا، أوباما لم يترك لإدارة ترامب الكثير من الخيارات لتحقيق هدفها."

وبين التسليم والرفض حول نية إعلان ترامب سحب القوات الأمريكية من قواعدها على الأرض السورية - والتي يرجح جديتها بحسب كامل المعطيات المتوفرة - ولمجرد خضوع هذا الأمر للتريث وطلب وضع خطة تتيح لكل القوات الأميركية بالانسحاب من سورية في غضون ستة أشهر، بذريعة القضاء الكامل على "داعش"، فهو إقرار - ولو أنه غير مباشر - من طرفي النقيض داخل الإدارة الأمريكية، بأن المصير المحتم لوجود هذه القوات هو الانسحاب، أو العودة ضمن صناديق بلاستيكية وليست خشبية لكلفتها "العالية"، كما قال في تصريح سابق له وزير الخارجية السوري وليد المعلم ، حول مصير كل من يعتدي على سورية.

ربما يكون السؤال المطروح الآن، والذي يبحث الجميع - خاصة حلفاء أمريكا - عن إجابة له هو: 

ماذا بعد انسحاب أمريكا من سورية؟

من خلال تحليل مستجدات الصراع على الساحة السورية، وقراءة الواقع الميداني القائم والاستراتيجي، نجد التالي:

1- الغوطة الشرقية سقطت كفكرة أخذها رهينة لتمرير مشاريع العدوان، ووضع العاصمة تحت رحمة قذائف الموت على طول عمر الحرب، وتم تجاوزها بشكل كامل، وهي اليوم في 90% منها في حضن الدولة السورية، حيث يسعى أهلها للعودة لحالة الاستقرار التي سبقت الحرب تدريجيا.

بالنسبة لدوما ووضع ما يسمى "بجيش الإسلام" ونقضهم الجمعة 6 أبريل/ نيسان الجاري، الاتفاق القاضي بخروجهم إلى منطقة جرابلس، فإن قرار الحسم العسكري أخذ بحقهم بشدة، ولا تراجع عنه – حسب مصادر ميدانية عسكرية - حتى تسليم كامل المخطوفين الموجودين لديهم فيما يعرف بسجن "التوبة"، وما التفسير الأقرب للمنطق لجهة التطور الأخير الحاصل في دوما، إلا أنّ السعودية قررت زج كامل مقاتلي "جيش الإسلام" في مواجهة "انتحارية" مع الجيش السوري وقواته الرديفة، فالمعروف أنه الورقة الأخيرة بيدها على الساحة السورية، ويبدو أنها فضلت حرقها، على أن تؤول استخداماتها لأطراف إقليمية أخرى، يشاركونها الاعتداء على الأرض السورية، ويناصبونها العداء في ملفات آخرى، فلا مصلحة لها في ذهاب مسلحي جيش الإسلام إلى إدلب، التي تدين معظم فصائلها بالولاء للطرف التركي، ولا فائدة من نقلهم إلى جرابلس، بعد إعلان ترامب رغبته بالانسحاب، واتخاذه خطواته فعلية في هذا السياق.

تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الأخيرة، والتي أقر فيها ببقاء الرئيس الأسد في السلطة، في مقابلة له مع مجلة "TIME" الأمريكية، التي نشرت في الخامس من أبريل /نيسان الحالي، لم تخفي محاولاته الحثيثة لإقناع ترامب بالبقاء لأطول مدة ممكنة في سورية، لمواجهة "نفوذ إيران في المنطقة" على حد زعمه، حيث أتي جواب ترامب مخاطبا السعوديين: "إذا كنتم تريدوننا أن نبقى فربما يتعين عليكم أن تدفعوا".

2- إسرائيل التي تعاني عقدت الردع الجديدة التي فرضتها سابقا المقاومة اللبنانية "حزب الله" وحاليا الدولة السورية عبر إسقاط طائرة "الإف 16"، والتي تسعى جاهدة لإعادة الجبهة في الجنوب السوري إلى واقع ما قبل الحرب، التي غذتها لوجستيا بكامل طاقتها، رأت في إعلان ترامب وبحسب تعبير موقع "واللا" الإخباري الإسرائيلي "قنبلة ألقيت بغير وقتها المتوقع"، أكد ذلك أيضا الخبير الصهيوني عاموس هارئيل، أحد أشهر كتاب الصحف العبرية بقوله: "أنّ الخطوة الأمريكية تؤكد فشل السياسة الأمريكية في سورية، وتراجع دورها في المنطقة".

وفي تقرير أعدته مؤخرا صحيفة "واشنطن بوست"، حول تناول فرص وحجم انسحاب عسكري للقوات الأميركية من سورية، أشار التقرير إلى خلاف في وجهات النظر أفضى إلى توتر بين كل من ترامب وبنيامين نتنياهو، الذي أبدى قلقه بحسب الصحيفة "من تمركز أعداء إسرائيل في سورية واتخاذها مقرًا".

3- التركي الذي تدخل في سوريا ضد الأكراد الانفصاليين "الإرهابيين" بحسب وصف أردوغان لهم، والطامحين لإنشاء كيان مستقل لهم في الشمال الشرقي السوري، رأى في هذه الخطوة الأمريكية ما يتفق مع صالحه العام والداخلي، حيث ضمن استفراده في القضاء على الحلم الكردي الانفصالي، وتسويق ذلك كنصر له في الداخل التركي، على أساس مساهمته في محاربة الإرهاب ودحره من المنطقة، وهذا ما يفسر الدفع باتجاه تبنيه من قبل الحلف الروسي – الإيراني، ففي إخراجه من الفلك الأمريكي هدف استراتيجي يسجل لجهة هذا المحور، شكلت قمة أنقرة الثلاثية الأخيرة – التي عقدت الأربعاء الماضي – خطوة باتجاه الزروة  في هذا السياق.

4- الأكراد الانفصاليين منهم على وجه الخصوص، الذين فقدوا كل شيء في الصراع منذ نشوبه حتى الآن، فلا هم اتخذوا موقفا وطنيا في الحرب ضد الإرهاب، الذي طال وطنهم فحفظوا ماء وجه لهم، ولا الأمريكي الذي استخدمهم واستغلهم هو اليوم حامي لهم، أو محقق حلمهم بكيانهم المزعوم، وها هو يحزم حقائب جنده اليوم على طريق المغادرة، فاحصدوا ما أنتم زارعون..! 

بعد هذه القراءة يتضح أن من أهم نتائج خطوة الانسحاب المعلنة - مع وقف التنفيذ - حتى الآن، هو زيادة التنسيق السعودي الإسرائيلي، المترافق مع حالة من الصراع بين حلفاء الأمس في الساحة السورية - بعضه في الخفاء وبعضه الآخر معلن- حيث تجد كل من  إسرائيل والسعودية أن أمريكا منحت بانسحابها دورا إقليميا إضافيا لتركيا في المنطقة على حسابهما، ليخرجوا من الساحة السورية دون أية مكاسب، أو حتى وجود على أي طاولة تسوية قادمة في المدى المنظور، فبعد أن كانوا أدوات فاعلة، أصبحوا ورقة تفاوضية يستخدمهم ترامب بعملية ابتزاز سياسي معلن.

ما يعني أن التحاق التركي بركب الحلف الاستراتيجي الصاعد من البوابة السورية، ربما يؤمن له درجة ولو في أسفل سلم المحور المنتصر، في حين أن كل من إسرائيل والسعودية والأكراد الانفصاليين هم الخاسر الأكبر جراء خطوة ترامب  المعلنة، ليخرجوا منها خاوية أيديهم وعروشهم...

أما بالنسبة إلى أمريكا ومحاولاتها تصريف الهزيمة على هيئة أرباح وهمية، يتضح لنا أن المهمة أسندت لسفراء الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث أقر السفير الأميركي في الكويت لورانس سيلفرمان، عبر تصريحات صحفية أدلى بها مؤخرا في الرابع من أبريل / نيسان الجاري، نقلها موقع "اليوم السابع" الإلكتروني المصري، بفشل "مشروع بلاده في سورية"، وبأن الرئيس بشار الأسد "باق في منصبه"، كما أضاف: "أن التغيير السياسي يجب أن يكون بأيدي السوريين أنفسهم".

لتكون بذلك الدبلوماسية الأمريكية ولأول مرة في التاريخ، بريد رسائل الهزيمة من فورد إلى لورانس، ممهدة لنعي قطبية أحادية، بعد ما يقارب ثلاثة عقود من بريد التهديد والوعيد والهيمنة في بقاع الأرض، فاللعبة انتهت، والمشروع  فشل، وسورية تنتصر بذاتها، ومحورها وتحالفاتها الراسخة.