كيف حولت الإستراتيجية الروسية السورية منظومة "S 300" إلى رسائل ردع

12.07.2018

شكلت منظومة صواريخ S300 خلال سنوات الحرب السورية، أحد المفاصل الإستراتيجية الهامة، للحد الذي تجاوزت فيه الرسائل التي حملتها هذه المنظومة من الفعالية، فعاليتها القتالية بعشرات المرات، وربما أكثر..

فعند كل تصعيد جديد، وعند كل مفترق سياسي أو عسكري، مؤثر على مجريات الصراع، في هذه الحرب الكارثية، تعود قضية تسليم دمشق منظومة S300 إلى الواجهة من جديد، بين مد وجذر، هل تم التسليم، أم لا؟

وتتصدر قائمة العناوين والتحليلات للأطراف المعنية بالأمر، وفي طليعتها إسرائيل، الذي يرى في حصول هذه الصفقة بين الجانبين الروسي – السوري، ما هو كاسر لقواعد التوازن، التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، على مستوى الجيوش النظامية، أقلها بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.

لكن المثير للاهتمام، أن أصداء إمكانية تنفيذ هذه الصفقة، تفاعلت بشكل كبير عقب الضربة الثلاثية المحدودة التي تعرضت لها سوريا في 14 نيسان/ أبريل الماضي، حيث أبدى الجانب الروسي موقفه النهائي للعلن من ذلك، وعلى لسان وزير خارجيته سيرغي لافروف، في 20 نيسان/ أبريل الماضي، مصرحا بأن موسكو لم تعد تملك أي "التزامات أخلاقية" تمنعها من تزويد سوريا "بالأسلحة"، بعد الضربة الثلاثية المحدودة على أراضيها.

كما نقلت صحيفة "كوميرسانت" الروسية عن مصدرين عسكريين روسيين في23 نيسان/ أبريل الماضي، أن "المسألة لتسليم المنظومة لسورية قد حلت"، مشيرة إلى أنه من المخطط تسليم المنظومة ضمن إطار "المساعدة التقنية العسكرية"، وستنقل إلى سورية إما عن طريق "النقل أو سفن البحرية الروسية."

وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، وبتاريخ 24 نيسان/ أبريل الماضي ، سرعان ما انبرى للرد على تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قائلا إن إسرائيل "سترد بقوة على سوريا" في حال قامت باستخدام "منظومة S300" ضد الطائرات الإسرائيلية.

في حين واكبت الصحافة الإسرائيلية تصريحات ليبرمان، وكل ما يخص الهواجس الإسرائيلية حول هذه الصفقة، فقد نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في 25 نيسان/ أبريل الماضي، تفاصيل حول "قدرات نظام الدفاع الصاروخي الروسي  S300"، مشيرة إلى أنه في حال تم "نصب تلك الصواريخ في دمشق"، فإنها ستكون قادرة على "إسقاط المقاتلات الحربية في سماء إسرائيل". 

ما يفسر الذعر الذي تحياه القيادات الإسرائيلية كافة، إضافة لكّم الزيارات غير المسبوق، للعديد من المسؤولين الإسرائيليين إلى موسكو تباعا، على مختلف المستويات، وعلى رأسهم رئيس حكومتهم، لمحاولة منع تنفيذ مثل هذه الصفقات، التي تغيير ميزان الردع الإقليمي - حسب زعمهم - خاصة بعد إسقاط طائرتهم "F16" شباط/ فبراير الماضي، على يد الدفاعات الجوية السورية. 

بين النفي والتأجيل الروسي، والسعي الإسرائيلي الحثيث للإلغاء، واللا نفي واللا تأكيد السوري، أخيرا جاء الجواب من الجانب السوري، ليختصر كل الجدل المتعلق بهذه القضية، من خلال إجابة الرئيس بشار الأسد عن سؤال بهذا الخصوص، خلال لقاء أجرته معه فضائية العالم الإيرانية، بتاريخ 13 حزيران/ يونيو الفائت، حيث قال: 

"أن العمل العسكري والجوانب العسكرية هي جزء من الجانب السياسي، وبالتالي التصريح ولو كان ذو طابع عسكري فهو يحمل بنفس الوقت رسائل سياسية"، مشيرا إلى أنه ربما يكون "ضمن التكتيك السياسي"، فيما يخص الجانب الروسي.

وفيما يخص الشق العسكري السوري، فقد أوضح الأسد أنه "ليس من العادة أن نحدد ما هي الأسلحة التي ستأتي أو التي لن تأتي ... فنحن لا نعلن عن قضية ذات طابع عسكري تقني تقليدياً"، وتابع قائلا "حتى لو كانت صواريخ S300 ستأتي، فنحن لن نقول بأنها وصلت إلى سوريا"، ليغلق بذلك الباب نهائيا، على كل التساؤلات التي تدور في هذا الفلك، ويوجه الأنظار نحو المستقبل، حول كل ما يتعلق بهذه الصفقة، " فالسلاح يستخدم عندما يجب أن يستخدم" على حد تعبيره...!

معركة الجنوب السوري على أهميتها الإستراتيجية، لما تشكله من ساحة مواجهة مباشرة مع الكيان الإسرائيلي، شارفت على خواتيمها، من خلال التقدم السريع والساحق للفصائل المسلحة، الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه، ما أثقل كاهل الإسرائيلي مجددا، وما أفقده توازنه التفاوضي فهو اليوم ما بين نارين:

- أولهما إمكانية تزويد دمشق بمنظومة صواريخ S300 التي لم تزل قائمة، وثانيهما اقتراب الجيش السوري وحلفاؤه من الوقوف وجها لوجه معه، على تخوم الجولان السوري المحتل، ما يرجح فرضية وقوع المواجهة المباشرة، وهذا ما لا يتمناه، وما يفسر مسعاه في محاولة إقناع موسكو، بمنحه ضمانات تمنع حدوث ذلك، على ما يبدو سلفا أنها خائبة ...

- حيث صرح سيرغي شويغو وزير الدفاع الروسي، في حديث لصحيفة "إل جورنالي" الإيطالية، أجراه بتاريخ 11 تموز/ يوليو الحالي: "أن العدوان الأمريكي البريطاني الفرنسي على سوريا يظهر ضرورة وجود منظومات دفاع جوي حديثة لدى السوريين" كما أكد أن موسكو مستعدة لبحث مسألة "توريد صواريخ S300 " لسورية، لكنها لم تتلق حتى الآن "طلبا من دمشق" بهذا الخصوص.

مع التنويه أن تصريح شويغو هذا، جاء قبل ساعات من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو...! 

فهل هي رسائل سياسية جديدة؟ تريد موسكو إيصالها إلى أطراف العدوان على سورية، عبر رئيس وزراء قاعدتهم المتقدمة في الشرق الأوسط إسرائيل، قبل الموعد المرتقب في 16 تموز/ يوليو الجاري، لقمة هلسنكي، التي ستجمع كل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب..! 

وهل هي في سياق تكتيكي أم إستراتيجي؟