خطورة تقزيم الطبقة الوسطى ... خطة غربية لتسهيل السيطرة الاقتصادية على الشرق

06.06.2019

يعتبر تدمير الطبقات الوسطة في مجتمعاتنا النامية، هدف للسياسات الغربية العميقة، تحققه من خلال تشغيل أدواتها ودعم هذه الأدوات بحيث تستطيع فرض قراراتها والتأثير سلبا على الإنتاج المحلي الصناعي (وخاصة العام) والزراعي والتصدير وزيادة معدلات البطالة في هذه البلدان، وهذا التشويه في توزيع الدخل سيؤدي إلى عواقب مدمرة مع مرور الوقت (سنين) لن يسلم أحد من نتائجها السلبية.

المآل الذي وصلت له النفسية العالمية و أغلب البلدان والتي كانت في مراحل جيدة من التنمية و التطور لم يكن عبثيا أو بسبب ظروف آنية وإنما هو انعكاس حقيقي لسياسات معولمة فرضت على هذه البلدان بالترغيب أو الترهيب وذلك لأن أي تطور ونمو لهذه البلدان سيكون ضد مصالح الدول الإمبريالية و على حساب نهبها وسلبها واستلابها فالتطور سوف يقوي صلابة الدولة الهدف و يزيد من استقلالية قرارها و يزيد من قدرتها على استثمار مواردها و بالتالي يخف مدى استهلاكها كسوق لتصريف منتجاتهم من جهة وكذلك يزيد قدرتهم على التحكم بثرواتهم.

كانت السمة الأساسية لمنظومة البلدان الفقيرة و النامية هي السير نحو العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات وبناء الانسان الوطني المبتكر وهذا ما ساعدت عليه الظروف العالمية سواء في البلدان التي أعجبت بالتجربة الاشتراكية أو الأممية الشيوعية والتي أطرت القوى المنتجة وخاصة العمال والفلاحين و قوتهم و اعتبرتهم أساس النمو والتنمية و سنت القوانين والتشريعات من أجل ذلك، بينما البلدان الغربية لسياسات مانعة للتصادمات بين مالكي رؤوس الأموال و العمال لتطبق بعض الوصفات الاشتراكية مع حذرها لعدم اكتساح الفكر الاشتراكي والشيوعي لبلدانها و كان ما أرادت لتصل لمرحلة تفشيل التجربة السوفيتية و لتجمع الإمبريالية قواها مستهدفة فرض سياسات اقتصادية واجتماعية ليبرالية الغاية منها استعمار بشكل جديد أقذر و أكثر حقد مما سبق عبر تدمير البنى الاجتماعية وتفقير البشر وتحطيم الحجر وقتل الطبقات الوسطى عماد المجتمعات وجسر تقدمها ومناعتها الداخلية.

وكانت الوصفات الممهورة بالختم العالمي و المكتوبة أمريكيا جاهزة والهادفة لتحرير الاقتصاد بما لا يضر بمصالح المعولم. التي تهدف لقتل القطاع العام. ورفع الدعم عن المنتجات وتعويم العملات المحلية وتقويض دور المنظمات والمؤسسات الكابحة والموازنة بين حقوق العمال و أصحاب العمل وكذلك فرض قوانين تعرقل قوة و استقرار طبقة العمال والكادحين إضعاف دور الحكومات في قيادة المجتمع ولتتبنى مؤسسات البنك الدولي و صندوق النقد هذه الوصفات و لتلحق بمؤسسات المجتمع المدني التابعة والسائرة بنفس الدور و التي تساعد بتلميع وتقوية شخصيات بعيدة عن السلطات لتكون ركائز مستقبلية للمشاريع الامبريالية.

هذا أدى إلى تناقضات داخلية بالبلدان أفقدتها مناعاتها بوجه أي اعتداء و لتكون بوابة لتمرير مشاريع أقذر ولينال الفقر من أغلب سكانها و لتكون البطالة عنوان لأغلب قواها العاملة وكانت أدوات الترغيب عبر مساعدات وقروض لأغلب البلدان و بالتدمير و القتل لمن لم يسير بهذه الإملاءات.

هكذا استطاعت قوى مدعية العولمة تدمير وتقويض ما استغرق عقود من النضال والبناء وبذل الغالي والرخيص بوصفات غايتها التحكم والسيطرة و زيادة الابتزاز والتبعية والاستلاب، و باتخاذ العقوبات والحصارات اللاشرعية سلاح وبالاعتماد على أدوات غير منتمية لهويتها الجغرافية وإنما لمشغلها من متمركزي رؤوس الأموال .

وتحققت بعض أفكارهم في فرض البرامج القاتلة، ليأخذ الصراع الطبقي أشكالا أخرى ولكن الأوضاع المأساوية اللا إنسانية و الوضع التفقيري الذي نجم عنه وبأحجامه المخيفة واللا استقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي أفرز معاناة قاسية ملئت النفوس بالأحقاد اتجاههم واتجاه أدواتهم والتي لن تستطيع الاستمرار بنفس الأساليب والبرامج لأن عدم استقرار المجتمعات سينعكس عليهم وبالتالي الصراع الطبقي المنظم المنضبط المقونن قد يتحول إلى كوارث وصراعات تأخذ أبعاد أخرى تنال من الأشخاص والأموال وقودها اسوداد العقول والقلوب الناجمة عن تفقير منظم وعن ابتزازات و استلابات و تهميشات .

وعدم إعادة بناء الطبقة الوسطى سينجم عنه كوارث تواجه العولمة المتأمركة بأدوات وردات فعل أكبر من الصراع الطبقي المقونن المنضبط.

إن الأنانية واللا إنسانية المدعومة بالأسلحة الفتاكة و بأقذر الأساليب كالعقوبات والحصارات اللا شرعية وغير القانونية لتفريغ المجتمعات طبقيا فكريا و إيديولوجيا وقانونيا ولدت فوضى عارمة قابلة للاشتعال والانتشار بكل وقت وبكل مكان ولمواجهة مسببي المأساة الأمر الذي يستوجب على المتحكمين بعالمية القرار إعادة لغة العقل القائمة على الموازنة بين المال والإنسانية و العدالة الاجتماعية كانت وستبقى صمام الأمان و لكل معاناة حد و إن حرف الصراع سيولد عنه مزيد من الانفجارات غير معروفة الانعكاسات والنتائج.