احتجاجات الأردن إلى أين .. سيناريوهات مفتوحة وعوامل جيوسياسية

05.06.2018

فشل اقتصاديّ داخليّ وارتهان لسياسات المؤسسات المالية الدولية، وضغط سياسيّ خليجيّ، مآلات مفتوحة.

حركة احتجاجية واسعة في الأردن.
عندما نتحدث عن مظاهرات احتجاجية في الشارع العربي عموماً فمن المؤكد أننا لا نتكلم عن قرارٍ بعينه أو ردّة فعلٍ على إجراءٍ آنيّ، فمسألة خروج حركاتٍ احتجاجية في الشارع العربي ليست أمراً سهلاً أو إجراءاً اعتيادياً بل عادة ما تكون "انفجاراً" نتيجة شعورٍ شديد بالغبن أو القهر، والشارع الأردني ليس استثناءاً عن هذه الفرضية، فالاقتصاد الأردني ليس اقتصاداً قوياً مكتفيٌ ذاتياً والدليل اعتماده على مبدأ المنح الاقتصادية فالولايات المتحدة تقدم ما قيمته 1,2 مليار دولار سنوياً والمنح الخليجية مع الأوربية كانت تجمع ما قيمته 4 مليار دولار سنويا، إضافةً إلى منح من البنك الدولي، وهذا دليل على عدم سلامة الاقتصاد.

والأردن ضعيف الثروات الاقتصادية مقارنته بجيرانه واقتصاده يعتمد على الترانزيت والسياحة، وعلى مدى عشر سنوات سابقة بدأت تتعالى الأصوات في الأردن مطالبة الملك بمعالجة إشكالية الفساد المنتشر في البلاد وخرجت عدّة موجاتٍ احتجاجيةٍ محدودةٍ في الأعوام(2012، 2014، 2017) ولكنّها لم تكن بقوة واندفاع المظاهرات الحالية لذلك فالأكيد أنّها قضيةٌ تراكميةٌ.

وتعتبر ردّ فعل على برنامج حكومة الملقي الاقتصادية التي  تنفذ عددا من الإجراءات تندرج ضمن خطة زمنية تموضعها بالتعاون مع صندوق النقد الدولي تبلغ مدته 3 سنوات لخفض الدين العام تدريجياً إلى مستوى 77% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2021، حيث تم تطبيق ارتفاع كبيرٍ في ضريبة المبيعات وإلغاء الدعم على الخبز، والمحروقات، و الأمر الذي فاقم حدّة هذه الاحتجاجات هو شعور الشارع الأردنيّ "باستخفافٍ حكوميّ" فكلما قام الشارع الأردني بالتحرك قامت الحكومة برفع أسعار الكهرباء أو المشتقات النفطية أو إجراءٍ اقتصادي مستفّز فتوسع نطاق الحركة الاحتجاجية.

ومن المعلوم أنّ المظاهرات بدأت تتوسع منذ شهر شباط من العام الجاري، لذلك، الحركة الاحتجاجية في الشارع الأردنيّ ليست وليدة ردّ فعلٍ فقط على قانون الضريبة بل نتيجة الفشل الاقتصاديّ على مدى عقد على الأقل فارتفاع نسبة البطالة إلى ما يزيد عن 20% وزيادة حجم المديونية العام إلى ما يقارب 38 مليار دولار بنسبة 95% من حجم الناتج الوطني الأردني، مع تزايد معدلات الفقر المدقع في الأردن إلى خمس السكان فمن الطبيعي أن تشهد بعدها ردّة فعل احتجاجية، سيما مع لجوء الحكومة الأردنية إلى سياسات البنك والصندوق الدولي برفع الدعم وتحرير الاقتصاد وهو ما تجلى برفع أسعار المحروقات ورفع أسعار الخبز والكهرباء وأخيراً اللجوء إلى الضريبة ويسجل للشارع الأردني حتى الآن سلمية التحرك.

محفزّات سياسية (خارجية): إنّ انخفاض نسبة المعونات الخارجية للاقتصاد الأردني إلى ما دون 45% مقارنة بالعام 2016 وتخفيض المملكة السعودية لمساعداتها إلى ما يقارب 165 مليون دولار مقارنة بـ 400 مليون في ذات العام عمّق أزمة الاقتصاد الأردنيّ، ولكن هل هنالك رغبةٌ سياسيةٌ (سعوديةٌ) بالضغط على المملكة الهاشمية؟، هنا يبرز لدينا ثلاثة عوامل تشجع على تبني هذا الافتراض:
 العامل الأول: زيارة الملك عبدالله إلى تركيا نهاية العام (2017) والتي أزعجت المملكة السعودية.
 العامل الثاني: اتجاه الأردن إلى إعادة فتح السفارة الأردنية في قطر، وتجاهل الإملاءات السعودية.
 رفض الأردنصفقة القرن بصيغتها المطروحة وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن.

لذلك يمكن وضع الدور الخارجيّ حتى إعداد هذا التقدير بالبيئة المشجعة على التظاهر، ولم يظهر بعد دورٌ خارجيٌّ بمحاولة استبدال النظام الأردنيّ، وبالتالي دفع الأردن الرسميّ إلى طلب المعونة الاقتصادية الخارجية، وحينها سيكون الإقليم أمام سلسلة من التنازلات السياسية الأردنية كشرطٍ للمعونة الخارجية.
استقالة حكومة هاني الملقي وتكليف عمر الرزار لرئاسة الحكومة الجديدة!

استقالة حكومة هاني الملقي وتكليف عمر الرزاز إجراء مهم ممكن أن يؤدي إلى تهدئة الشارع الأردني ولكن الاستقالة يجب أن يرافقها سحب أو تعديل لمشروع الضريبة الجديد، ويرافقه إقناع الشارع الأردني بحزمة سياسات اقتصادية وخدماتية تؤدي إلى رفع مستوى المعيشة وتخفيض أسعار المحروقات، فيرافقها على المدى القريب رفع لمستوى الدخل الحقيقي في الأردن.
مستقبل هذا الحراك في الأيام القليلة القادمة!

حتى الآن ليس واضحاً طبيعة هذا الحراك بغياب جهةٍ شعبيةٍ تقوده وبغياب مطالب تغيير سياسيّ، لذلك نحن أمام ثلاثة احتمالات لما قد تؤول إليه الأحداث في الأيام القادمة(بعد استقالة الحكومة):

 الاحتمال الأول: خبو حدّة الاحتجاجات وتلاشيها مع استقالة حكومة هاني الملقي وتشكيل حكومة الرزاز وانتظار الشارع الأردني للسياسات الاقتصادية الجديدة ولكن هذا الأمر مرتبط بسحب قانون الضريبة وتخفيض أسعار المحروقات وإجراءات اقتصادية ناجعة.

 الاحتمال الثاني: ارتفاع حدّة المظاهرات وهذا الاحتمال مرتبط بثلاث متغيراتٍ، المتغير الأول فشل الحكومة الأردنية بتحقيق مطالب الحركة الاحتجاجية،والمتغير الثاني إذا شعر الشارع الأردني أنّ الحكومة الجديدة عاجزةٌ عن تلبية مطالبهم وخصوصاً الإصلاح الضريبيّ، أو استمر شعور الشارع باستخفاف الحكومة به، والمتغير الثالث الدخول الإعلامي الخارجيّ (الخليجي) على خط توتير الأجواء العامة بالأردن لدفع الأردن إلى تنازلات بصفقة القرن والابتعاد عن تركيا سياسيا.
 الاحتمال الثالث: الوضع الساكن وهو هدوء في الشارع وغليان في النفوس بانتظار الإجراءات الاقتصادية ونتائجها على الاقتصاد الأردني، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحا.

وهنا علينا أن نلحظ متغيراً مهماً (وهو مالم يحصل حتى الآن) وهو احتمال دخول التيارات الإسلاموية بمطالب سياسية إلى واجهة الاحتجاجات الاقتصادية عندها من الصعب التنبؤ بمآلات الحراك لأنّ فرضية العنف ستكون حاضرةً، ومع ذلك هذه الحركة الاحتجاجية مفتوحة على سيناريوهات التصعيد، سيما مع استمرار الموقف الأردني الرافض لتوطين اللاجئين وموضوع الإشراف على المقدسات المستمر منذ العام (1924)، وإذا ربطنا دور المحفزات الخارجية السياسية مع الفشل الاقتصاديّ الداخليّ نخلص إلى احتمالين (خيارات الحكومة الجديدة)حال استمرار التظاهر والحركة الاحتجاجية:
• الاحتمال الأول: طلب الأردن (حكومة الرزاز) المعونة الخارجية وهذا يعني القبول سلفاً بالشروط السعودية والأمريكية والتفاوض عليها (سياسياً وعسكرياً).
• الاحتمال الثاني: رفض الأردن الشروطالسّياسية على المنح الاقتصادية المحتملة، وهنا ستنفتح المنطقة على سيناريوهات أكثر تعقيدا ًولكن من المتوقع أن يكون العنف (الإسلاموي) حاضراً في مستقبلها، ويبدو هذا السيناريو ضعيفاً (بمعطيات اليوم) بحكم الحساسية الجغرافية للأردن وتماسه مع فلسطين المحتلة لذلك من المتوقع أن تتدخل الولايات المتحدة وبريطانيا لمنع انزلاق الأردن إلى العنف (الإسلاموي).

وعيّ الشارع الأردني سيكون فيصلاً في القادم من الأيام الذي يتطلب إقصاء الجماعات الإسلامية عن هذا الحراك الشعبي السلميّ، سيما مع تعالي أصوات "الإخوان المسلمين" مع الحركة الاحتجاجية السّلمية بما يثير المزيد من الهواجس والمخاطر، وهنا التقدير مرتبط بتاريخ هذه الحركة في أكثر من بلدٍ عربيّ اعتلوا موجة التغيير وانتهوا بالتخريب.