هل يشكل اتفاق منبج بين واشنطن وأنقرة بداية الانسحاب الأمريكي

14.06.2018

في 5 حزيران/يونيو الحالي، كشفت أﻧﻘﺮة ﻋﻦ ﺑﻨﻮد "اﺗﻔﺎق ﻣﻨﺒﺞ اﻟﺴﻮرﻳﺔ" ﻣﻊ واﺷﻨﻄﻦ القاضي حسب وزير الخارجية التركي ﻣﻮﻟﻮد ﺟﺎوﻳﺶ أوﻏﻠﻮ ووزارة الخارجية الأمريكية، بانسحاب قوات "سوريا الديمقراطية الكردية"، المدعومة من واشنطن، من منبج، وسيبدأ تنفيذ الاتفاق خلال 10 أيام، وأضاف أوﻏﻠﻮ إن هذا النموذج يتعين أن ﻳﻄﺒﻖ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻗﺔ وﻛﻮﺑﺎﻧﻲ وﻣﻨﺎﻃﻖ ﺳﻮرﻳﺔ أﺧﺮى ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ "وﺣﺪات ﺣﻤﺎﻳﺔ اﻟﺸﻌﺐ الكردية". وتعد منبج المقر الرئيس لقواعد ومعسكرات القوات الأجنبية التابعة للتحالف الدولي بقيادة أميركا في الشمال السوري.

من الواضح أن توقيت الإعلان عن هذا الاتفاق قد أتى مع توجه قطعات الجيش السوري نحو الجنوب السوري، وبعد حديث الرئيس السوري بشار الأسد عن ضرورة سحب القوات الأمريكية من قاعدة التنف، والتي تعتبر أهم قاعدة أمريكية في سوريا وتقع في جنوبها، وتأكيد وزير الخارجية وليد المعلم على وجوب سحب القوات الأمريكية منالتنف قبل أي اتفاق في الجنوب من الأراضي السورية، وبعد تشكيل فصائل العشائر السورية المناهضة للتواجد الأمريكي.

ومن هذا المنطلق يتضح مغزى هذا الاتفاق، فهو لإعادة ترتيب أوراق واشنطن في سوريا، ولربما للاحتماء بالقوات التركية بحال تقدم القوات السورية باتجاه الشمال نحو منبج وغيرها من مدن الشمال السوري، وقد يكون غطاءً لتوريط الاتراك أكثر في سوريا مع سحب تدريجي "غير معلن" للقوات الأمريكية، حيث حاولت أميركا خلال الأشهر الماضية استدراج دول عربية أخرى لإرسال جيوشها إلى سوريا لتحل محل القوات الأمريكية هناك، وعلى ما يبدو أن القوات الامريكية ستتراجع إلى سنجار العراقية المحاذية للحدود السورية حيث بدأت ببناء قاعدة جديدة هناك، تمهيدا للانسحاب كليا من العراق وسوريا بعد أن فقدت أغلب أوراقها هناك.

فأميركا لن تتحمل إطلاقا أي خسائر في جنودها، صحيح أن هذه السياسة تم تغيرها "على الأقل" منذ غزو العراق في 2003 وذلك من خلال "التعتيم المطبق" على الخسائر الأمريكية، ولكن سياسة التعتيم ليست ناجحة على الدوام، خصوصا إذا ما حصلت معركة أو اثنتين لا يمكن إخفائها عن الإعلام ويقتل فيها عدد من الجنود الأمريكان.

وقد يكون الهدف التكتيكي لهذا الاتفاق، هو لتغيير وجهة القيادة السورية إلى الشمال بدلا من الجنوب والذي يشكل تحريره في هذه المرحلة أهمية استراتيجية للحكومة، خصوصا بعد عدم نجاح التفاهم القاضي بإخراج الفصائل المسلحة من الجنوب مقابل إبعاد أي تواجد إيراني عن إسرائيل - والذي تم الحديث عنه منذ أكثر من أسبوعين - بسبب التراجع الغربي عنه وكما أكده الرئيس السوري بحديثه لصحيفة ميل أون صنداي البريطانية في 10 حزيران/يونيو الحالي، وفي هذا السياق أتى تأكيد المفوضة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني من الأردن، بضرورة المحافظة على مناطق خفض التوتر في الجنوب، وهذا يعني أنها لا ترحب بأي تحرك عسكري سوري في الجنوب، ولتستمر محاولات الأطلسي لعرقلة تحرير الجنوب وكما حصل قبل تحرير الغوطة، حيث أعلنت الدفاع الروسية في 11 حزيران/يونيو الجاري وبعد تنبيهات من أجهزة الأمن السورية، أن "الجيش الحر" يعد لتمثيل هجوم كيميائي جديد في حقل الجفرة بدير الزور وبدعم أمريكي.

وربما يحمل هذا الاتفاق بشرى خير لسوريا، وذلك من خلال تقليص التواجد المسلح المناهض للحكومة السورية في الشمال واقتصاره على تركيا وأميركا حسب ما هو معلن، والتي بمنظور حكومي يكون أسهل التعامل لإخراجهما لاحقا.

وفي كل الأحوال، ليس لأكراد سوريا اليوم، الا العودة لحضن الدولة السورية، لقلب الطاولة على الأمريكي، ولكن الأخوة الأكراد لا يتعلمون من تجاربهم وتجارب إخوتهم الأكراد في الدول المجاورة، فكم من مرة غدروا بهم الأمريكان والغربيين، وأخرها توريط الدولة العبرية لأكراد العراق بالاستفتاء الفاشل للاستقلال، والذي أفقد الأكراد في شمال العراق الكثير من الإنجازات التي حققوها بدمائهم على مدى عشرات السنين. وإذا كان إعلان مجلس سورية الديمقراطية في 6 حزيران/يونيو الحالي، استعداده للتفاوض مع دمشق دون شروط مسبقة، صادقا ومن دون تراجع، فهو يشكل أهم خطوة يخطوها الأكراد بالاتجاه الصحيح.

السوريون تعلو عليهم هذه الأيام فرحة الإنجازات الميدانية السابقة، ويتمنون مواجهة الأمريكان اليوم وليس غدا، ولكن سوريا ليست بحاجة لمزيد من الانتصارات فيكفيها ما تحقق على إسرائيل وعلى دول تسمي نفسها عظمى، وأعظم نصر سيكون إن تحقق من دون طلقة واحدة أو خسارة جندي ومن دون أي أتفاق أو تفاهم لسحب القوات غير الشرعية.

وفي خضام هذه الهزيمة الأمريكية، قد يكفي تزويد سوريا بصواريخ إس 400، لتحييد سلاح الجو الأمريكي والتركي نهائيا وللحيلولة دون تغير التفكير الأمريكي بالانسحاب "غير المعلن"، عندها علينا أن نتوقع خروج الأمريكان وغيرهم فورا ومن دون طلقة واحدة، صحيح أن المعركة تحسم على الأرض وبمشاة القوات السورية ولكن حتى لو حصلت معركة ستكون بخسائر قليلة جداً، وعلى أية حال فالحسابات الدقيقة لإس 400 لا يعلمها إلا اللّه والقيادة الروسية، ولكنه في هذه الظروف لربما يشكل طلقة الرحمة للتواجد الأمريكي والتركي في سوريا. وعلى ما يبدو فان الأيام القادمة حبلى بالانسحابات الأمريكية ... والتخلي عن الحلفاء الأكراد ليس بالأمر الهين على أميركا، فهو يمثل خسارة كبرى لها في سوريا تضاف لخسائرها السابقة.