هل تتمكن روسيا والصين من تغيير تراتبية نظام الدولار والذهب والنفط

08.01.2018

لقد أصبح نظام النقد الدولي (بريتون وودز 1944) أكبر عقبة أمام السلام والازدهار العالميين. والآن تتخذ الصين بدعم متزايد من روسيا خطوات حاسمة لإيجاد بديل حيوي جداً لطغيان الدولار الأمريكي على التجارة والتمويل العالميين. وإن سوق المال الأمريكي وواشنطن غير سعيدان بذلك ولكن لا يمكنهما فعل شيء.

قبل فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت حكومة الولايات المتحدة، بناء على نصائح البنوك الكبرى في سوق المال الأمريكي بصياغة ما يعتقد الكثيرون أنه معيار ذهبي جديد. ولكنه في الواقع كان معياراً للدولار، حدد فيه كل بلد عضو في صندوق النقد الدولي قيمة عملته بالنسبة للدولار. وبالمقابل تم تثبيت الدولار الأمريكي بقيمة (1\35) من أوقية الذهب.

وجعل نظام بريتون وودز بعد ذلك الدولار العملة الاحتياطية للتجارة العالمية التي تحتفظ بها البنوك المركزية. بحلول نهاية عام 1960 مع ارتفاع العجز في الميزانية الفيدرالية الأمريكية من تكاليف حرب فيتنام والإنفاقات الحمقاء الأخرى، بدأ معيار الدولار بإظهار عيوب عميقة في بنيته. ولم تعد أوروبا الغربية واليابان بحاجة إلى مليارات الدولارات لتمويل إعادة الإعمار. وأصبحت ألمانيا واليابان ذات اقتصاد تصدير عالمي وذو كفاءة أعلى من الولايات المتحدة، بسبب التقدم المتزايد والتفوق على الصناعة الأمريكية من الصلب والسيارات والبنية التحتية الأساسية. ولذلك توجب على واشنطن أن تخفض قيمة الدولار بشكل كبير مقابل الذهب من أجل تصحيح الخلل المتزايد في التجارة العالمية. ومن شأن هذا الانخفاض في قيمة الدولار أن يعزز عائدات صادرات الصناعات التحويلية الأمريكية ويقلل الاختلالات التجارية. ولكن بالنسبة لبنوك سوق المال الأمريكي فقد سبب ذلك خسائر فادحة. وقامت إدارات جونسون ونيكسون بطباعة المزيد من الدولارات وتصدير التضخم إلى العالم.

وبحلول عام 1973 سمحت واشنطن بتجارة الذهب بحرية ولم تعد لدعم الدولار فقط. وإن صدمة أسعار النفط المدبرة في أكتوبر 1973، رفعت سعر الدولار مقابل النفط بنسبة 400%. العالم بحاجة إلى النفط من أجل الاقتصاد. وقد أشارت واشنطن أن منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) سترفض بيع النفط مقابل أي عملة في العالم غير الدولار الأمريكي. وبالتالي فقد ارتفعت قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى مثل المارك الألماني والين الياباني. وكانت البنوك في سوق المال الأمريكي غارقة في ودائع البترودولار. 

في كتابي، آلهة المال: فصلت كيف أن البنوك الدولية الكبرى في نيويورك مثل (تشيس، سيتي بنك، بنك أمريكا) تستخدم البترودولار لإعادة تدوير أرباح النفط العربية إلى البلدان المستوردة للنفط في العالم النامي خلال السبعينيات من القرن الماضي، مما يهيئ الوضع لما يسمى أزمة ديون العالم الثالث. 

ومع أسعار فائدة على صناديق الاحتياطي الفيدرالي بين الصفر و1 بالمئة خلال السنوات التسع الماضية. فإن البنوك الكبرى في سوق المال الأمريكي ارتكبت مخالفات مالية وجشع قاتل خلق أزمة سوبريم في 2007 والتسونامي المالي العالمي في 2008. وبدلاً من إقراض المدن الغارقة بالديون أو غير ذلك من الطرق الإنتاجية للاقتصاد الحقيقي، فقد قامت الشركات الكبرى باستخدام ائتمان رخيص لإعادة شراء أسهمها الخاصة مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأسهم في بورصة سوق المال الأمريكي. وبقيت العائلات الأمريكية تكسب أقل لمدى عقود.

ومنذ عام 1988 ظل متوسط دخل الأسر المعيشية راكداً وسط التضخم المستمر. وكان عليهم أن يقترضوا المال أكثر من أي وقت مضى. وكانت ديون الحكومة الاتحادية لا يمكن السيطرة عليها بقيمة 20 ترليون دولار. العامل الوحيد الذي يحافظ على الدولار من الانهيار التام هو الجيش الأمريكي، ونشر واشنطن لمنظمات غير حكومية خادعة في جميع أنحاء العالم لتسهيل نهب الاقتصاد العالمي. والآن من المفارقات أن اثنين من الاقتصادات الأجنبية (روسيا والصين) التي سمحت للدولار بتمديد حياته بعد عام 1989، كشفت النقاب عن البديل والعملة المدعومة بالذهب وربما العديد من العملات التي يمكن أن تحل محل الدولار.

ومنذ سنوات اشترى كل من الاتحاد الروسي والصين كميات ضخمة من الذهب، وذلك على الأغلب لإضافته إلى احتياطها. منذ سنوات عديدة كان معروفاً في أسواق الذهب أن أكبر المشتريين من الذهب كانت البنوك المركزية للصين وروسيا. ولكن لم يتضح ماهي استراتيجيتها وراء ذلك. يذكر أن الصين وروسيا التي انضمت إليها الدول الشريكة الرئيسية في دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) وكذلك الدول الشريكة في أوراسيا لمنظمة شانغهاي للتعاون على وشك استكمال بديل نقدي جديد للدولار الأمريكي.

وفي الوقت الحالي، بالإضافة إلى الأعضاء المؤسسين الصين وروسيا، فإن الدول الأعضاء في المؤسسة تضم كلاً من كازاخستان وطاجيكستان وأوزباكستان ومؤخراً الهند وباكستان. وهذا العدد يزيد على 3 مليارات نسمة، أي 42% من سكان العالم بأسره، يجتمعون في تعاون اقتصادي وسياسي متماسك ومخطط وسلمي. وإن أفغانستان وبيلاروسيا وإيران ومنغوليا تعلن رغبة بالانضمام رسمياً كأعضاء. فبالنظر إلى خريطة العالم ستظهر الإمكانات المذهلة لمنظمة شانغهاي الناشئة للتعاون. وإن تركيا شريك حوار رسمي لاستكشاف إمكانية تطبيق عضويتها في المنظمة. وكذلك سيرلانكا وأرمينيا وأذربيجان وكمبوديا ونيبال. وهذا ببساطة شيء هائل.

على عكس البريكس التي لا تتكون من البلدان المتجاورة في كتلة واسعة من الأراضي، فإن منظمة شانغهاي للتعاون تشكل كياناً جغرافياً يدعى أوراسيا. وقد اقترح الرئيس الصيني إنشاء ما أُطلق عليه "طريق الحرير الاقتصادي الجديد" في اجتماع عُقد في كازاخستان في عام 2013، وعندها قلة من الغرب أخذه علة محمل الجد. ولكن اليوم بدأ العالم بالتعامل معه بجدية. من الواضح أن الدبلوماسية الاقتصادية للصين وكذلك روسيا ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، هي إلى حد كبير تسعى إلى الحصول على شبكة سكك حديدية متقدمة وعالية السرعة وموانئ وبنية تحتية تشكل معاً سوقاً واسعة. ما هو مطلوب حتى الآن هو الحصول على دول أوراسيا خالية من الدولار، ولا تتأثر بالعقوبات والحرب المالية. وهذا ما هو على شك الحدوث.

وفي قمة البريكس السنوية التي عُقدت في 5 أيلول في شيامن. أدلى الرئيس الروسي بوتين بيان بسيط وواضح جداً حول نظرة روسيا للعالم الاقتصادي الحالي. وقال: " تشاطر روسيا مخاوف دول البريكس من عدم عدالة الهيكل المالي والاقتصادي العالمي، الذي لا يولى الاهتمام الواجب للوزن المتنامي للاقتصادات الناشئة. ونحن على استعداد للعمل مع شركائنا لتعزيز الإصلاحات التنظيمية المالية والدولية والتغلب على الهيمنة المفروضة على عدد من العملات الاحتياطية". وبذلك أصبح من الواضح أن العالم على وشك التمتع بدرجات جديدة من الحرية الاقتصادية. وفقاً لتقرير نشرته مجلة نيكي آسيان اليابانية، فإن الصين على وشك إطلاق عقد مستقبلي للنفط الخام بالين الصيني ويمكن تحويله إلى ذهب.

وتعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، والغالبية العظمى منه مازالت تدفع بالدولار الأمريكي. وإذا ما حظي هذا العقد المستقبلي بالقبول الواسع، فقد يصبح أهم مؤشر للنفط الخام في آسيا، نظراً لأن الصين أهم مستورد للنفط في العالم. ومن شأن ذلك أن يتحدى عقدي النفط القياسيين الذين يهيمن عليهما سوق المال الأمريكي وهما عقد برنت في بحر الشمال وغرب تكساس. وإن إدخال العقود المستقبلية بالين للنفط المتداول في شنغهاي، وخاصة عند تحويلها إلى ذهب يمكن أن يغير التوازن الجيوسياسي للسلطة بعيداً عن العالم الأطلسي إلى أوراسيا.  في نيسان 2016 اتخذت الصين خطوة كبيرة لتصبح المركز العالمي لتبادل وتجارة الذهب.

واليوم تعد الصين أكبر منتج للذهب في العالم. أقامت الصين الآن مركزاً واسعاً للتخزين في منطقة تشيا نهاي للتجارة الحرة الصينية والتي يبلغ عدد سكانها حوالي 18 مليون شمال هونج كونج. والآن تستكمل الصين بناء منشأ ذهبي دائم، يتضمن مستودع جمركي وقاعة تجارية ومكاتب. وتجدر الإشارة إلى أن جمعية الذهب والفضة الصينية التي تتخذ هونج كونج مقراً لها منذ 105 سنوات، تقوم بمشروع مشترك مع البنك التجاري الصيني وهو أكبر بنك في الصين وأكبر بنك مستورد للذهب، لإنشاء مركز كيانهاي للتخزين. والآن يتضح لدينا لماذا حاولت واشنطن خلق ثورة اللون المناهضة لبكين في أواخر عام 2014.

واليوم فإن إضافة العقود المستقبلية للنفط بالين والمدعوم بالذهب، سيؤدي إلى تحول جذري من قبل أعضاء أوبك الرئيسين، وحتى في الشرق الأوسط. فسيفضلون الين المدعوم بالذهب لنفطهم على تضخيم الدولار الأمريكي الذي قد يحمل مخاطر جيوسياسية، كما حدث مع قطر عند زيارة ترامب الأخيرة إلى السعودية قبل بضعة أشهر. إن الدولار الأمريكي ينتهي شيئاً فشيئاً، وإن أطراف العالم جميعها على وشك بناء بديل سلمي. حتى أنهم منفتحون لقبول واشنطن بموجب قواعد صداقة للانضمام إليهم. وهذا كرم وعطاء كبير أليس كذلك؟؟