هل هي نقطة التحول؟

25.04.2016

قرون كثيرة لم تتسم بحدث كبير يجعلها متميزة من خلال ذلك الحدث التاريخي. وهكذا فإن القرن  العشرين لم يبدأ حقا حتى العام 1914، فهل القرن الواحد والعشرون هو "قرن العام 2015"؟ من دون أن نملك الرغبة في التنبؤ بالمستقبل، والذي لا يزال بالتعريف لا يمكن التنبؤ به، يمكننا مراقبة أحداث اليوم، والتي بدورها يمكن أن تساعدنا على رسم الإطار العام للمستقبل. يبقى شيء واحد مؤكدا على الرغم من ذلك: لم يحدث قط أن كان العالم غامضا إلى هذا الحّد وأن نشاهد مثل هذه الاضطرابات  في هذا القارب الذي نعيش فيه. في كل مكان يجري خلط الأوراق وإعادة خلطها من جديد. القضايا القديمة تختفي، والجديدة تلوح في الأفق. ما هي هذه القوى الرئيسية الدافعة والمحركة لكل ذلك ؟.
المشهد الخلفي معروف جيدا من قبل الجميع. ومن بين المشاكل الرئيسية الناشئة في العقود المقبلة، أربعة عوامل على الأقل سوف تكون حاسمة: استنزاف لا مفر منه للموارد الطبيعية، مستقبل الهجرة الدولية، والعلاقات بين الأعراق. ظهور أنواع جديدة من الحروب (الحرب من أجل النفط والحرب من أجل المياه، وحرب الفضاء، وحروب الفضاء الافتراضي السيبرية)، بما في ذلك مخططات لدمج الالكترونيات مع الكائنات الحية. وماذا عن باقي الأشياء؟.
هل سيكون القرن الواحد والعشرون هو القرن الأوراسي؟ الولايات المتحدة تشعر بخوف إلى درجة الهوس من التحالف شبه المؤكد بين الصين وروسيا تمهيدا لتشكيل كتلة قارية كبيرة. بعد أن شرعت في سلسلة من الحروب العدوانية الجيوسياسية، سوف تفعل كل شيء لتطويق الصين وروسيا، لفرض اتفاق عبر المحيط الأطلسي "التجارة الحرة" يهدف في المقام الأول إلى قطع أوروبا عن روسيا، للتلاعب المصطنع بأسعار النفط، وهي ستفعل ذلك بوحشيتها المعتادة التي تقوم على مبدأ: "إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا". الأحداث في أوكرانيا، البلد الذي يعتبر المحور الجيواستراتيجي الحقيقي لأوراسيا، ساعدت بالفعل على إعادة تنشيط الحرب الباردة، التي لم تتوقف يوما ما من قبل. وكانت "ثورة" ساحة الميدان في أوكرانيا منذ البداية تتألف من العناصر المعادية لروسيا أكثر من المؤيدة لأوروبا، ولكنها في نهاية المطاف تهدف لخدمة الأمريكيين،  فالولايات المتحدة مستعدة لفعل أي شيء، وأي شيء بالمطلق من أجل إعلاء مكانتها وبقائها "الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها".
إزالة "الأمركة" من العالم
تسعى روسيا من جانبها لإنشاء محور جيوسياسي جديد مع بكين وطهران، بحيث يكون عاملا للتوازن المتعدد القطبية من القوى المعارضة للمساعي الأطلسية. الصينيون، وبعد مماطلة طويلة، لم يعودوا  يخفون رغبتهم في "إزالة الأمركة من العالم". ومع ذلك فإن مستقبل روسيا، القوة العظمى التي لا تزال هشة مثلها مثل الصين نتيجة التناقضات الداخلية الخاصة بكل منهما، لا يزال غير واضح. بلدان أوروبا الشرقية لا تزال مترددة بشأن الطريق الذي  ستسير عليه، وأكثر من ذلك فإن ألمانيا تسعى لتحل محل الاتحاد السوفيتي السابق كعامل اعتدال في شرق ووسط أوروبا.
ونحن نشهد إعادة هيكلة لأشكال الهيمنة على العالم. الولايات المتحدة بأسواقها المالية وقواتها المسلحة ولغتها وثقافة الصناعة لديها، لا تزال القوة الرائدة في العالم. أثرها الاقتصادي يتناقص شيئا فشيئا (انخفضت حصتها من الإنتاج الصناعي العالمي من 45٪ في عام 1945 إلى 17.5٪ اليوم )، الدولار يمثل اليوم ثلث التجارة العالمية بالمقارنة مع  العام 2000 حيث كان الرقم أكثر بمرة ونصف. وقد بدأت عملية " إزالة الدولار" من التعامل بالفعل في وقت واحد، من خلال تجارة النفط والغاز وعلى صعيد التطورات النقدية العالمية. روسيا والصين، وتحتذي بهما دول أخرى من العالم الثالث، تستخدم المزيد والمزيد من العملات الوطنية في مجال التجارة والاستثمارات البينية. مشروع تجارة الطاقة والمواد الخام دون اللجوء إلى الدولار، بدأ في التبلور. وفي الوقت نفسه فإن شراء الذهب يكتسب زخما وظهور عملة احتياط دولية جديدة لتحل محل الدولار يبدو أمرا لا مفر منه.
وقد بلغ مجموع ديون الولايات المتحدة الآن 60 تريليون دولار وهذا رقم مذهل ويشكل400٪ من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وهو الدين المترتب من مجموع الدين العام والدين الخاص وديون الشركات والديون المنزلية، والتي باختلاف النوايا والمقاصد لم تعد تدفع. الدول الأخرى، محاصرة  بالديون، وأيضا معرضة لخطر التخلف عن السداد. أوروبا اليوم مع عدم وجود الأفق عندها في النمو هي بالفعل على شفا الركود، ويبدو أنها قريبة من الانهيار. فقاعة السندات الحكومية لجميع  دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD تؤدي إلى الاستمرار في التضخم. هناك اليوم ما قيمته أكثر من 100 تريليون دولار " في السندات وأكثر من 555 تريليون دولار في المشتقات المالية. ماذا سيحدث عندما تنفجر "فقاعة السندات" هذه؟ إنه التدمير الذاتي للرأسمالية.
حقيقة الأمر هي أن الرأسمالية أصبحت غير قادرة على الاستمرار في "تطوير منطقها في إطار المفارقات المشكلة من خلال منطقها في التنمية " (فرانسيس كوسين). لتعويض تراجع مستوى أدائها، يجب بناء رأسمالية تزيد باستمرار حجم أرباحها، وهذا يعني، أنه يجب أن توسع باستمرار نطاق الفرص التجارية. من أجل ضمان،(في جميع الأحوال)، التدفق الحر للبضائع والسلع، فإنه يجب عليها رفع مستوى إنتاجيتها، وهذا بدوره يعني خفض نسبة العمالة التي تم توطينها من خلال نظام أجور اليد العاملة. وبالتالي انتشار "الفائض السكاني" أي العاطلين عن العمل. كيف ستبيع أكثر وأكثر للعملاء والزبائن الذين يجبرون على كسب أجور ورواتب أقل؟، وعلى العكس من ذلك، كيف ستتعامل مع التكاليف الحدية الصفرية للسلع والخدمات الرقمية؟. الرأسمالية تواجه الآن مشكلة أساسية من انخفاض قيمة رأس المال. الانتقال إلى نظام القروض وإلى التقادم المحسوب، الذي يليه سباق في المضاربات المالية و"المشتقات"، له حدود معينة. ونموذج الاستهلاك من خلال الائتمان والقروض يقترب من نهايته. وبعد أن دمرت كل شيء، الرأسمالية، تماما مثل العقرب، لا بد أن تدمر نفسها.
تشبع السوق، وانفجار الديون، والاتجاه النزولي في معدل الأرباح، وانحدار أوروبا، والانتشار واسع النطاق في الوعي الزائف، وتفعيل عملية الفوضى من هدم الحضارة، فإن العالم يبدو قد دخل في مرحلة إندفاعية وختامية. فهل يمكننا الخروج منها من دون حرب؟
وبات من غير المعقول أن نعتقد أن الحرب تقترب وأنها ستكون حربا عالمية جديدة. وهذا لن يكون "صدام الحضارات" (لحدوث هذا يجب أن يكون هناك بعض الحضارات)، وكذلك لن تكون حربا بين "الإسلام" و "الغرب". مرة أخرى سوف تكون حربا بين الشرق والغرب.  "المعركة النهائية" بين "القوى الأرضية" و"القوى البحرية"، بين القوى القارية وقوى الإمبراطوريات البحرية، بين نظام المال ومبدأ الواقعية. حلف شمال الأطلسي، الذي أصبح تحالفا عسكريا هجوميا في خدمة الحروب الأمريكية، لا يزال التحالف الأكثر تهديدا للسلام العالمي. وقد ظهرت إشاراة عندما وُصف فلاديمير بوتين من قبل الأمريكان بأنه العدو الرئيسي. في 4 ديسمبر/كانون الثاني 2014، أصدر مجلس النواب الأمريكي قرارا يشابه إعلان الحرب ضد روسيا. البديل هو الحرب.