داعش وقوات سوريا الديمقراطية وحروب الغاز الجديدة

10.10.2017

أشادت الصحف الإعلامية الكبرى في الأيام الأخيرة بالاستيلاء على حقول الغاز الطبيعي الرئيسية في محافظة دير الزور السورية كما لو كانت انتصاراً لسوريا. وتقول بعض العناوين: " قوات سوريا الديقراطية تستعيد حقل الغاز السوري من داعش". لاحظ كلمة "الاستعادة"، مدعية أن صاحب حقول الغاز الأصلي وهي الدولة السورية، قد تمكنت من استعادة مواردها الاقتصادية القيمة من إرهابيي داعش. ولكن الواقع عكس ذلك.

سيطرت في الحقيقة ميليشيات الحماية الكردية المدعومة أمريكيا ومن قبل جيش الدفاع الإسرائيلي وغيرها من أعداء حكومة الأسد، على حقول الغاز الرئيسية في سوريا فقط والتي وضعتها شركة النفط كونوكو الأمريكية. وتصوّر وسائل الإعلام الغربية هذه العملية وكأن هذه القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة قد استعادت مصنع كونوكو للغاز من داعش في دير الزور مما يحرم داعش من مصدر دخل مالي.

يكمن وراء هذا التصوير الحقيقة البشعة التي سببتها قوات البنتاغون لكونها الموجه الرئيسي لكل من داعش وقوات الدفاع الكردية، فقد احتلت داعش محافظة دير الزور وحقول النفط والغاز منذ عام 2014، مما أدى إلى سرقة أحد مصادر الدخل والطاقة لدى الحكومة السورية.
 
نشرت وزارة الدفاع الروسية في الرابع والعشرين من أيلول صوراً جوية تبين وجود معدات القوات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي، في المكان الذي يتم فيه نشر مقاتلي داعش شمال دير الزور. تُظهر الصور أن وحدات الجيش الأمريكي توفر حرية المرور لقوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، فيُسمح لها بالمرور من خلال قوات داعش، وفقاً لما ذكرته الوزارة الروسية في بيانها. 
وأضاف البيان أن مرور قوات سوريا الديمقراطية يتم دون مقاومة من مقاتلي داعش، وتتحرك هذه القوات إلى الضفة اليسرى لنهر الفرات باتجاه دير الزور.

وذهب بيان وزارة الدفاع الروسية للقول: "على الرغم من وجود معاقل القوات المسلحة الأمريكية في المناطق التي تنتشر فيها داعش حالياً، إلاّ أنه لا يوجد أي دليل على قيام معركة استيطانية هناك، فمن الواضح أن العسكريين الأمريكيين يشعرون بالأمان في المنطقة التي تسيطر عليها داعش. 

وقال تييري ميسان، خبير فرنسي في الشرق الأوسط: " نشر البنتاغون في آب مناقصة لشراء ونقل 500 مليون قطعة سلاح وذخيرة، وتم تسليم أول مئتي شاحنة إلى وحدات حماية الشعب في الحسكة في 11 و19 أيلول دون أن تتعرض لهجوم من قبل داعش.
وهذا يؤكد أن كل من داعش وقوات الدفاع الكردية المسلحة والمدعومة من قبل الولايات المتحدة هم عبارة عن وكلاء لأمريكا يُستخدمون لتأمين مناطق النفط والغاز في سوريا بالقرب من الحدود العراقية حيث يعيش الأكراد العراقيون تحت الاستبداد الإقطاعي، فقد دعمت الولايات المتحدة وإسرائيل مسعود بارزاني الذي حصل على تصويت بأغلبية ساحقة بنسبة 92% ليعلن استقلال كردستان العراق، وهي خطوة تؤيدها إسرائيل وواشنطن. فكانت إسرائيل تستمد في عام 2015 ما يصل لنسبة 77% من إمداداتها النفطية من كردستان العراق التي يسيطر عليها بارزاني بحسب تقرير لصحيفة "لندن فايننشيال تايم".

إن خطة البنتاغون لإقامة دولة كردستان المستقلة والتي تمتد على أراضي من سوريا والعراق وحتى تركيا، كانت مُخبّأة في ظلمة أكثر من ست سنوات من الحرب التي ترعاها الولايات المتحدة والممولة أساساً من السعودية، لإلغاء حكومة بشار الأسد الشرعية المنتخبة، والتي تشكل عقبة رئيسية أمام مخططاتهم.

الحرب ضد الإرهاب أو بمساعدة الإرهاب؟

يكذب البنتاغون في ادعائه أن واشنطن تحارب في سوريا لتدمير إرهابيي داعش. وبالمناسبة، فإن عدوان أمريكا غير قانوني بموجب القانون الدولي. 
قام البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية وكل مرتزقتها بإنشاء داعش من إرهابيي تنظيم القاعدة في العراق وسوريا في محاولة للإطاحة بنظام الأسد، للسيطرة على احتياطي النفط والغاز الاستراتيجي وعلى خطوط الأنابيب. ويضع هذا مستقبل الطاقة ليس فقط في سوريا بل في الاتحاد الأوروبي وآسيا على المحك.

أعلن الرئيس الأمريكي في الصيف الماضي قبل قمة مجموعة العشرين في هامبورغ، أنه تم خفض تمويل حرب المخابرات المركزية والبنتاغون ضد الإرهاب الجهادي في سوريا والشرق الأوسط. يتضح الآن أنه بدلاً من تدريب داعش والإرهابيين الأخرين وإرسالهم إلى معركة ضد الأسد، تم تحويل الأموال الأمريكية إلى الكتائب العسكرية الكردية أو ما يسمى بالقوات الديمقراطية السورية. 

أرسلت بعد إعلان ترامب شاحنات ضخمة من الأسلحة من الولايات المتحدة إلى قوات الدفاع الكردية، بما في ذلك البنادق الرشاشة الثقيلة ومدافع الهاون والأسلحة المضادة للدبابات والسيارات المدرعة. 
وقع ترامب في أيار الماضي تصريحاً لتسليح ميليشيات قوات الحماية الكردية. وتم بحلول حزيران نقل 348 شاحنة أسلحة إليهم وفقاً لشبكة أنباء الأناضول التركية. ووفقاً لهذه الشبكة فإن الأسلحة التي أرسلها البنتاغون تضم 12 ألف بندقية كلاشينكوف و6 آلاف بندقية رشاشة و3 آلاف قاذف قنابل يدوية وحوالي ألف سلاح مضاد للدبابات من أصل روسي أو أمريكي.  
ويهدف كل هذا الدعم للقوات الكردية إلى حرب مع الجيش السوري، وهي حرب لمنع الجيش السوري من استعادة الأراضي الغنية بالنفط والغاز حول دير الزور.

قام الجيش السوري في مطلع أيلول بدعم من حزب الله والغطاء الجوي الروسي، بكسر حصار داعش الذي استمر ثلاث سنوات على مدينة دير الزور التي تعد الاحتياطي الرئيسي للنفط والغاز في سوريا. واستولت في الوقت نفسه قوات الدفاع الكردية المدعومة من قبل الولايات المتحدة على حقول الغاز الغنية شمال دير الزور. 

تتحول المعركة إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بسبب النجاح الأخير للجيش السوري والقوات الحليفة له والتي تدعمهم القوة الجوية الروسية، وهذا على أية حال ليس مناسباً للسلام العالمي.
يشير تاريخ الأكراد في سوريا والعراق إلى أنهم لطالما كانوا لعبة لدى القوى العظمى في الغرب، للسيطرة على موارد الطاقة في الشرق الأوسط. وبرغم ذلك فإن هذه اللعبة ستفشل يوماً ما حتماً.