ضرورات التشاركية والمشاركة في سوريا

19.03.2018

الأمن الشخصي والوطني هو الحاجة الثانية التي يسعى إليها بعد الحاجة للغذاء و إن تحقيق هذا الأمن يسهل الأمر على الجهود و التكاليف الملقاة على عاتق المؤسسات المختصة و يقوض نوايا الآخرين الطامحين بتحقيق مصالحهم على حساب الآخرين ولو كان على حساب الدم و الدمار و الانحطاط القيمي الأخلاقي، و بذلك تحصين الفرد عبر إشباع حاجاته و رغباته تحصين للبلد المعني و تتمثل هذه الحاجات بالحاجة للغذاء ..المسكن...التعليم..الصحة...الأمان الشخصي ...و الحرية المنضبطة قانونياً واجتماعيا والوصول لهذه الحاجات يحتاج إلى طاقات كبرى و تعاون و مشاركة أغلب الطاقات.

وفي سورية قطعنا و تجاوزنا مسافات مميزة عن غيرنا من البلدان وفق انتشار أفقي و عامودي ما انعكس على تحصين الإنسان و الفرد، وهو ما نظر له بنهج اقتصاد السوق الاجتماعي هذا النهج الذي استخدمته ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية للعودة القوية وهو ما اختارته جمهورية الصين للإحاطة بالتغيرات العالمية و السير قدماً بقطار نمو اقتصادي تنموي متسارع وضمن أدوات هذا النهج كان طرح التشاركية المكملة لعمل القطاع العام الحكومي الموسعة للطاقات و المساعدة للتصدي للحاجات الاقتصادية و الاجتماعية و إن العمل وفقها من جانب واحد يوصل لمنح مزايا قائمة لفئة مما هو موجود كنوع من خصخصة مبطنة هو خروج عنها وعن مسارها.

وما يهمنا لم تكن التشاركية بكل مفاهيمها حاجة اجتماعية أو اقتصادية أو وطنية، وإنما هي التفاف على موضوع بمداخل كانت سلبية النتائج و الآثار وهو ما جعل هذا المصطلح يأخذ الشكل التشاؤمي السيئ ولم تكن الأمور بهذا المنطوق فقط، وإنما كان السعي الأكبر للمشاركة السائرة نحو الاحتكار عبر تخسير و قتل و تهديم القطاع العام الصناعي أو إقحامات بالخدمي توصل لسلب خياراته و جعله عبئاً كبيراً ,ما يهمنا هذا التسارع لتشاركية وهمية اقتصادية لم يقابله أي سعي لمشاركة أو تشاركية اجتماعية إلا لغايات أبعد ما تكون عن البناء التنموي أو الاجتماعي.

وخلال الحرب القذرة الكارثية كان هناك محاولة لتصحيح الانحرافات التي نجمت عن التطبيق الخاطئ للتشاركية كاعتراف بالأخطاء و كذلك ضمن منظور الحاجة لكل الطاقات للعودة و الانطلاقة وإعادة الإعمار الاقتصادي، وهذا سلوك صحيح ولكن ما يجب معرفته أن الانعكاسات الاجتماعية للأزمة تقارب بل وتتفوق على المخاطر الاقتصادية لأنها نالت من الإنسان الذي هو أساس التنمية و غايتها وأي انطلاقة من دون بناءه الصحيح ستكون منقوصة، وكلنا يعرف ما نجم عن هذه الحرب القذرة من مخاطر وأمراض و كوارث :مئات آلاف من الشهداء، أكثر من مليون معاق، تسرب مدرسي خطير، تجاوز المعقول، حالات طلاق كثيرة، عنوسة متزايدة، تفكك أسري، إعاقات فكرية، وأمراض نفسية، ملايين النازحين غير المستقرين، ملايين المهاجرين، تضاعف الفقر و البطالة المقنعة، اغتصابات، أولاد مكتومي القيد، و آلاف قضايا الثأر القادمة و ثقافات جديدة وإن أصبحت بمسار الانحدار، الفساد وغيرها و هذه الانعكاسات قنابل موقوتة بحاجة لتفريغها من محتواها المتفجر وإن كان مبرر التأني بالتصدي لها وإن كانت ترصد فقد حان الوقت للبدء بعلاجها.

أكيد نحن مع التعددية و التشاركية و التعاون ولكن ضد الإقحام لأي آخر لكسب مواقع ومزايا على حساب الحكومة، فالتشاركية في التوظيف و كذلك في محو الأمية و التصدي لأمراض الأزمة الثقافية و الاجتماعية و الرياضية و الفنية ولكن ما حصل أن أغلب النقابات و المؤسسات خففت من المزايا التي كانت تقدمها وأغلب الجمعيات التي أنشئت انحرفت عن المسار اللازم وكانت إما للكسب أو لملء الفراغ ورغماً من الضغوطات المشبوهة دولياً لفرض مجتمع مدني وخاصة نسائي علماً أن نساء بلدنا سباقون لأغلب الدول في التحرر المنضبط و الفعال وما يراد لا يبغي بناء وإنما تشويه و تقزيم وقد كانت هذه الجمعيات غالباً ديكورات لاختراقات أو تلميع وجوه ولكن التقويض يكون ببديل محلي هادف بناء.

إن إمكانات الحكومة غير كافية للتصدي لما هو قابل لاتساعه أفقياً وعامودياً وبالتالي الحاجة ضرورية للمشاركة و للتشاركية، المشاركة بتخصيص الفعاليات الاقتصادية و حتى المنظمات و النقابات جزء من مداخيلها أو أرباحها لهكذا نشاطات تكون الحكومة قد وضعت الخطط المتكاملة للتصدي لها من حيث الحجم و النوع و الجغرافيا والمتطلبات وبحيث لا تكون هذه المخصصات كطرق للربح أو للهروب من الضرائب وإنما واجب وطني على الجميع التصدي له.

إن التشاركية المنشودة قد تكون بتسخير الحكومة للأدوات أو المكان أو للكوادر لصالح فرق تطوعية أو لجمعيات أهلية و مجتمع مدني منضبط محلياً أو قد يكون لقاء تسهيلات و مزايا للقطاع الخاص بحيث تكون مجانية أو بأسعار رمزية أو يكون عبر زيادة المنظمات للخدمات الاجتماعية، إن الآثار السلبية الاجتماعية تفترض على الحكومة زيادة المعونات الاجتماعية و زيادة الأموال المخصصة من الموازنة وحتى المشاركة بالتعليم و الصحة لم تكن وفق شروط الجودة أو حاجة المجتمع وغالباً كانت بالإساءة للخدمات التي كانت تقوم بها الحكومة و التقليل من جودتها ولم تكن بما يتناسب مع الأزمة أو بما يليق بشهدائنا وجرحانا وتضحيات أخوتنا وحتى المشاركة بالتأمين الصحي لم تكن منضبطة و ذات الجودة المطلوبة و كانت أقرب للابتزاز وكذلك التشاركية بالتأمين الصحي و الاشتراك بالتأمينات الاجتماعية لم تكون وفق الحقوق للعمال .
نحن بحاجة لتجميع الجهود وخاصة عند الوصول للحل السياسي فالكثير من الشبان الأبطال سيعودوا كطاقات بحاجة لعمل يليق بهم لبناء مستقبلهم و هذا يقتضي تشاركية بتأهيلهم و تدريبهم بما يماهي المتطلبات التنموية، وكذلك تكريم الجرحى و المعاقين بعمل يناسب ما قدموه بدلاً من البطالة أو اللجوء لأعمال لا تليق ببطولاتهم.
إن النظرة للتشاركية الاجتماعية وهي واجب وطني لوطن مأزوم، الولوج بها سيكون استثمار مستقبلي وزيادة للأمن و الأمان لم تلق نفس الوتيرة و الضغط و اللعب الذي مورس للتشاركية الاقتصادية، كانت أقرب لخصخصة مبطنة، إن البلد بحاجة لوعي وطني كبير يستوعب الوضع و يقدر الأهوال و الصعوبات و يرتقي لمستوى وطن صامد صابر وشعب مناضل جبار يريد العودة القوية و من لا ينطلق من بناء الإنسان لن يصل ..........جميل الاعتراف بالخطأ ولكنه يصبح قبح إن لم يقترن بإصلاحه.